العنوان القوانين الوضعية تبيح الزنا
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 612
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-مارس-1983
- مادة في القانون المصري
تقول: لا تجوز محاكمة الزوج على الزنا الذي يرتكبه في منزل الزوجية
إلا بناء على شكوى زوجته.
- كيف تدعي بعض البلاد العربية
والإسلامية في دساتيرها أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؟
- القوانين الوضعية لا تبيح
الزنا فقط وإنما تبيح الربا وشرب الخمر.
- القانون المصري نموذج
للقوانين الوضعية السائدة في بعض البلاد الإسلامية.
- رصد للقضية من المواد ۲۷۳ إلى ۲۷۷ من قانون العقوبات المصري.
يستغرب
كثير من الناس -ولهم الحق في هذا الاستغراب- عندما يسمع أن القوانين الوضعية
في معظم البلاد العربية والإسلامية تبيح الزنا والربا وشرب الخمور.. إذ كيف
تدعي هذه الدول في دساتيرها أن دين الدول الرسمي الإسلام في الوقت الذي تبيح فيه
قوانينها الربا والزنا وشرب الخمور.
ولا
شك أن هذا انفصام نكد أدى بالأمة إلى الوبال.. إذ كيف يكون مسلمًا من يبيح
الزنا والربا وشرب الخمور ومن يعارض تنفيذ شريعة الله بل ويسخر منها وفي نفس الوقت
يدعي أنه مسلم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا
خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ
أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: 85).
والآيات
بعد ذلك كثيرة تتحدث عن أولئك الذين يرفضون حكم الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
﴿ولَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:
47).
﴿وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:
44).
﴿وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:
45).
﴿أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
وقبل
أن نبدأ في توضيح المواد القانونية لقانون العقوبات المصري التي تبيح الزنا بكل
وقاحة، نقول ليست مصر وحدها هي التي تبيح الزنا «بتعريفه الشرعي في الإسلام
وهو كل وطء محرم سواء حدث من متزوج أو غير متزوج» بل إن معظم الدول العربية
والإسلامية تبيح قوانينها الزنا إذا كان بالتراضي بين بالغين وبشرط ألا يكون
أحدهما متزوجًا، إذ تعتبر هذه القوانين أن تعريف الزنا لا ينطبق إلا إذا حدث من
شخص ما في حالة وجود عقد الزوجية فقط كما سنوضحه.
وبما
أن الإسلام قد حدد الزنا بالوطء المحرم شرعًا سواء كان من متزوج أو غير متزوج ووضع
له عقوبات تختلف حسب حالة الزاني محصن هو أم غير محصن، فغير المحصن عقوبته الجلد
مائة واختلف في التغريب عام ودليله الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ
وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي
دِينِ اللَّهِ﴾ (النور: 2) ، أما الزاني المحصن وهو من تزوج
ووطئ في نكاح صحيح ولو أصبح عزبًا بعد ذلك كأن تأيم (ماتت زوجته أو مات عنها
زوجها أو انفك قيد الزواج بالطلاق) فإن هذا المحصن يعاقب إذا زنا وثبتت عليه
التهمة بالرجم ودليله ما ثبت في السنة من رجم ماعز والغامدية. ولا ينكر أحد من
المسلمين حكم الرجم إلا فرقة من الخوارج.
أما
القوانين الوضعية فلا تعتبر الوطء المحرم شرعًا زنا إذا وقع من شخص غير متزوج، ولو
سبق له الإحصان بالزواج، إذ إن القيد في منع الزنا في القوانين الوضعية هو قيد
الزواج فقط فإذا انحلت رابطة الزواج بطلاق أو موت فإن حرية الشخص في الزنا تعود له
ولا عقاب عليه.
ولا
يعني ذكرنا لهذه الحقائق المرة الأليمة أن ننفي عن مصر وغيرها من الدول العربية
والإسلامية غيرة شعوبها على الإسلام وبروز مئات العلماء الشوامخ منها.. ولكن
الواقع الأليم هو أن هذه الشعوب لا تعلم شيئًا عن هذه القوانين، بل إن كثيرًا من
المثقفين الذين لم يطلعوا على هذه القوانين يجهل ذلك جهلًا تامًا.
وقد
قدمت مصر بالذات عشرات الشهداء ومئات الأبطال الذين دخلوا السجون وعذبوا فيها أبشع
تعذيب يمكن أن يتصوره إنسان وذلك بسبب مطالبتهم المستمرة لحكومات مصر المتعاقبة
بتنفيذ الشريعة الإسلامية وإلغاء القوانين الوضعية التي تبيح الزنا والشهيد
المستشار عبدالقادر عودة والشهيد سيد قطب والمستشار حسن الهضيبي وهؤلاء قد لقوا
ربهم وذهبوا إلى بارئهم يشكون إليه ما لاقوه من أحوال بسبب مطالبتهم بتنفيذ
الشريعة الإسلامية الغراء وإلغاء القوانين الوضعية.
ومن
الأحياء عذب مئات العلماء نذكر منهم المستشار على جريشة الذي عذب تعذيبًا رهيبًا
في سجون عبدالناصر حتى إن المحكمة العليا بمصر قامت في عهد السادات بإدانة حكم عبدالناصر
واتهمته بتعذيب الأبرياء وفرضت للمستشار تعويضًا كبيرًا تدفعه الدولة.
وقصص
تعذيب المطالبين بتنفيذ الشريعة الإسلامية ملأت الصحف والكتب وشهد عليها المستشار
محمد عبدالسلام النائب العام في مصر من سنة ١٩٦٣ إلى سنة ١٩٦٩ في كتابه: سنوات
عصيبة «ذكريات نائب عام» الذي نشرته دار الشروق. وشهد على هذه الحوادث
الرهيبة الكاتب الصحفي المعروف الأستاذ مصطفى أمين في كتابه: سنة أولى سجن، وسنة
ثانية سجن، وسنة ثالثة سجن. وشهدت عليه الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في
كتابها «أعيدوا كتابة التاريخ»، إصدار دار الشروق، كما سجله وشهد عليه أيضًا
المطالبون بتنفيذ الشريعة الإسلامية بدلًا من القانون الوضعي نذكر منهم الأستاذ
جابر رزق في كتابه «مذابح الإخوان في سجون ناصر» إصدار دار الاعتصام والأستاذ
عبدالمتعال الجبري في كتابه «لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا» أيضًا إصدار دار
الاعتصام والأستاذ أحمد رائف في كتابة البوابة السوداء «التاريخ السري
للمعتقل» إصدار دار اللواء، وهناك عشرات الكتب العربية والأجنبية التي تحدثت عن
مذابح المطالبين بتنفيذ الشريعة الإسلامية في مصر ولسنا هنا بصدد استيفائها وإنما
ذكرنا نبذة منها ليعلم المدرس أحمد علي إبراهيم أن شعب مصر قدم مئات الشهداء
والأبطال وأن هؤلاء جميعًا بذلوا أرواحهم ودماءهم رخيصة في سبيل الله.. ولا يزال
شعب مصر يقدم المزيد من هؤلاء الأبطال كل يوم.
ونبدأ
بالاستشهاد في موضوعنا وهو إباحة القوانين الوضعية للزنا إذا كان بين بالغين بدون
إكراه مع عدم كون أحدهما متزوجًا في نكاح صحيح معترف به من الدولة «فالزواج
غير المسجل عند المأذون الشرعي غير معترف به» ويدخل في غير المتزوج كل شخص محصن تأيم
(أي مات عنه زوجه أو انحلت رابطة الزوجية بالطلاق).
يقول
الشهيد عبدالقادر عودة في كتابه الإسلام وأوضاعنا القانونية: ومصر الإسلامية التي
تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تحل الزنا وترخص للنساء بالبغاء والرجال بالقوادة
وتنحصر المواد المتعلقة في الزنا في قانون العقوبات المصري في المواد ۲۷۳ إلى ۲۷۷ فالمادة ۲۷۳ خولت للزوج وحده «أو الزوجة وحدها» حق
الشكوى والتبليغ عن زنا زوجته ولا يجوز لأي شخص آخر أن يبلغ عن حادثة زنا الزوجة
غيره، ولا ينتقل هذا الحق إلى ورثته، كما أنه لا يجوز للنيابة العمومية أن تباشر
التحقيق في أي قضية زنا ما لم يتقدم الزوج أولًا ببلاغ ضد زوجته، فإذا فعلت ذلك
النيابة قبل تقدم الزوج فإن ما فعلته يصبح لاغيًا وباطلًا حتى ولو تقدم الزوج بعد
ذلك ببلاغ ضد زوجته الزانية.
وتحدد
المادة ٢٧٤ عقوبة الزوجة الزانية التي ثبت زناها بشكوى مقدمة من زوجها فقط بالسجن
مدة لا تزيد على سنتين وتنص الفقرة الثانية من نفس المادة المذكورة أن لزوجها الحق
في إيقاف تنفيذ هذا الحكم برضاه معاشرتها له.
ونصت
المادة ٢٧٣ على أنه إذا زنا الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته كالمبين في
المادة٢٧٧ لا تسمع دعواه عليها.
كما
تنص المادة ۲۷۳ على
أن الزوج متى حكم عليه بالعقوبة لارتكابه الزنا يفقد حقه في التبليغ عن زنا زوجته.
ولا
عقوبة على الزنا إذا كان الشخص الذي قام بجريمة الزنا عازبًا أو انحل عقد الزوجية
بموت أو طلاق.
وقد
سمح القانون للزوج والزوجة بمباشرة الزنا بعد انحلال عقد الزوجية ولذا فليس من حق
المطلقة طلاقًا رجعيًا أن تزني مادامت في العدة.. أما المطلقة طلاقًا بائنًا
فإن لها الحق في الزنا ولا تسمع دعوى الزوج عليها بعد وقوع الطلاق البائن..
كذلك لا تسمع دعواه عليها بعد انقضاء عدة الطلاق الرجعي.
كما
يحق للمعتدة من وفاة زوجها أن تزني بعد وفاته مباشرة إذ لا يوجد عقاب قانوني على
المرأة في هذه الحالة، كما أنه لا يحق لأحد أن يشكوها إلى القضاء لأن حق الشكوى
منوط بالزوج وحده ولا ينتقل هذا الحق إلى ورثته (انظر الموسوعة الجنائية
المجلد الرابع باب الزنا تأليف المستشار جندي عبدالملك إصدار دار المؤلفات
القانونية بيروت).
وكذلك
نصت المادة ٢٧٣ من قانون العقوبات المصري على أنه لا تجوز محاكمة الزوج على الزنا
الذي يرتكبه في منزل الزوجية إلا بناء على شكوى زوجته (انظر المصدر السابق).
وقد
نص القانون المصري على وجوب الشكوى من الزوج أو الزوجة للسير في التحقيق ورفع
الدعوى وبناء عليه لا يجوز للنيابة العامة أن تسير في تحقيق جرائم الزنا قبل تقديم
شكوى من الزوج وقد أصدر النائب العمومي في هذا العدد منشورًا هذا
نصه «لوحظ من التفتيش القضائي على النيابات أن بعض حضرات الأعضاء سار في
تحقيق جرائم الزنا التي تقع من الزوجات قبل تقديم بلاغ من الزوج، وقد خالفوا في
ذلك المبدأ المقرر قانونًا في المادة ٢٣٥ عقوبات (المادة الجديدة ۲۷۳) التي تنص على عدم جواز محاكمة الزانية إلا
بناء على دعوى زوجها. (المصدر السابق).
وقد
استفاد من المادة ۲۷۳ القوادون
والبغايا أي فائدة بعد أن قامت مصر بإلغاء البغاء العلني عندما ألغته بريطانيا،
وما كان من هؤلاء البغايا إلا أن تزوجن قوادين، فإذا ما اتفق وألقي القبض على
إحداهن جاء القواد إلى مركز الشرطة وأخرج زوجته منها، إذ إن القانون المصري حسب
المادة ۲۷۳ جعل
حق الشكوى من زنا الزوجة منوطًا به وحده ولا يحق للنيابة أن تباشر التحقيق في ذلك
ما لم يتقدم الزوج بهذه الشكوى.
وقد
كانت مصر سابقًا تبيح تجارة البغاء وتفرض على البغايا ضريبة للدولة ومركزهن معروف
في شارع كلوت بك وشارع محمد علي كما كانت الدولة تعين أطباء لفحص هؤلاء البغايا
حتى تجدد رخصهن بالبغاء سنويًا. ولا يزال هذا الإجراء ساريًا في كثير من البلاد
العربية والإسلامية حتى اليوم، وقد قامت إيران بعد الثورة بإلغائه كما قامت
باكستان كذلك بعد مجيء الرئيس ضياء الحق بإلغائه أيضًا.
ولكن
هذا القانون المبيح للبغاء العلني بموافقة الدولة لا يزال ساريًا في الدول التي
كانت تستعمرها فرنسا إذ إن فرنسا لم تلغ قانون البغاء حتى الآن بينما قامت الدول
الأنجلوسكسونية بإلغائه، ولذا ترى الدول التي كانت مستعمرة لبريطانيا تقوم هي
الأخرى بإلغاء البغاء العلني بينما نجد الدول العربية والإسلامية التي كانت تحكمها
فرنسا لا تزال حتى اليوم تبيح البغاء العلني وتصدر له تصاريح سنوية وتفرض على
البغايا ضريبة تدخل الدولة كما أنها تقوم بتعيين أطباء لفحص هؤلاء البغايا
دوريًا.. ومن الدول الإسلامية المبيحة للبغاء الرسمي تركيا منذ أن حكمها
كمال أتاتورك وإلى يومنا هذا.
على
أي حال فإن القانون المصري حسب المادة (۲۷۳) أباح للقوادين والبغايا أن يمارسوا مهنتهم
بطريقة أخرى وهي أن يذهب القواد زوج البغية إلى النيابة العامة ويأخذ زوجته ويحتج
على أخذها دون إذنه، ويعلن هناك أنه راض بسلوك زوجته.
وهذا
ما دفع بالمستشار الشهيد عبدالقادر عودة أن يقول بأسى: «ومصر الإسلامية التي
تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تحل الزنا وترخص للنساء بالبغاء وللرجال
بالقوادة». وإلا فإن القانون المصري قد ألغى البغاء الرسمي منذ أمد ليس بالقصير.
وتختلف
لهجة الشهيد عبدالقادر عودة عندما يتحدث عن نفس الموضوع في كتابه المرجع التشريع
الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي «الجزء الثاني باب الزنا» فيقول ما
نصه: «تختلف جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية عنها في القوانين الوضعية،
فالشريعة الإسلامية تعتبر كل وطء محرم زنا وتعاقب عليه سواء حدث من متزوج أو غير
متزوج. أما القوانين الوضعية فلا تعتبر كل وطء محرم زنا. وأغلبها يعاقب بصفة خاصة
على الزنا الحاصل من الزوجين فقط كالقانون المصري والقانون الفرنسي ولا تعتبر ما
عدا ذلك زنا وإنما تعتبره وقاعًا أو هتك عرض ولا يعاقب القانون المصري على الواقع
إلا في حالة الاغتصاب فإن كان بالتراضي فلا عقاب عليه ما لم يكن الرضا معيبًا،
ويعتبر الرضا معيبًا إذا لم يبلغ المفعول به ثمانية عشر عامًا كاملة -ولو وقعت
الجريمة بناء على طلبه- فإن بلغها اعتبر رضاه صحيحًا، والعقوبة به في حالة الرضا
المعيب بسيطة لأن الفعل يعتبر جنحة (لا جريمة). انتهى كلام عبدالقادر عودة.
ويقول
المستشار جندي عبدالملك في كتابه المرجع «الموسوعة الجنائية المجلد
الرابع» «واقتبس الشارع المصري أحكام الزنا من قانون العقوبات الفرنسي الصادر
في سنة ۱۸۰۱
م.. ولا يعاقب القانون المصري الزوج إلا إذا زنا في منزل الزوجية حيث تنص
المادة (۲۷۷) من قانون العقوبات المصري بما يلي: كل زوج زنا في منزل الزوجية وثبت
علم هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور». وذكر المصدر
السابق أن القانون المصري حسب المادة ٢٣٩ لا يعاقب الزوج إلا إذا زنا غير مرة في
منزل الزوجية بامرأة يكون قد أعدها لذلك، فعدل هذا النص في قانون سنة ۱۹۳۷ بحيث أصبحت المادة (۲۷۷) التي احتلت محل المادة (۲۳۹) تنص على عقاب كل زوج زنا في منزل الزوجية».
وقد
فرق القانون المصري -أسوة بالقانون الفرنسي- بين زنا الزوج وزنا الزوجة من أربعة
وجوه:
أولها:
أن الجريمة لا تقوم بالنسبة إلى الزوج إلا إذا زنا في منزل الزوجية، أما الزوجة
فيثبت زناها في أي مكان (مادتي ٢٧٤ و٢٧٧ع).
وثانيها: أن
الزوجة إذا زنت تعاقب بالحبس مدة أقصاها سنتان، أما الزوج فيعاقب بالحبس مدة لا
تزيد على ستة شهور (مادتي٢٧٤ و٢٧٧).
وثالثها:
أن للزوج أن يعفو عن زوجته بعد الحكم عليها (مادة ٢٧٤). أما الزوجة فلم ينص
على أن لها حق العفو عن زوجها بعد الحكم عليه نهائيًا.. ولكلاهما حق العفو
وإيقاف الدعوى قبل صدور الحكم النهائي.
ورابعها: أن
الزوج يعذر إذا قتل زوجته حال تلبسها بالزنا ويخفف عقابه (المادة ۲۳۷) أما الزوجة فلا عذر لها في مثل هذه الحالة.
ويتحدث
المصدر السابق عن أركان الجريمة في زنا الزوجة فيقول إنها ثلاثة:
1- وقوع
وطء غير مشروع.
2- قيام الزوجية.
3- القصد الجنائي.
ثم
يشرح المصدر السابق هذه الأركان الثلاثة ويهمنا هنا أن نقف عند شرط قيام
الزوجية «لأن القانون المصري يشترط لتكوين جريمة الزنا أن تكون المرأة مرتبطة
بقيد الزواج فإن هذا القيد هو الذي يلزم المرأة بالأمانة والإخلاص لزوجها فالزنا
قبل الزواج لا عقاب عليه ولو حملت منه المرأة ولم تضع إلا بعد زواجها ولا عقاب حتى
ولو كانت المرأة مخطوبة.
ويقول
المصدر السابق: «لا عقاب على الزنا الذي يقع بعد انحلال رابطة الزواج بوفاة
الزوج أو بالطلاق» ثم يفصل في موضوع الطلاق كما أسلفنا، فإن كان طلاقًا بائنًا فإن
الزوجة تستطيع أن تزني في العدة وإن كان طلاقًا رجعيًا فليس لها الحق في الزنا إلا
بعد انتهاء العدة.. وقد قررت محكمة النقض والإبرام أن جريمة الزنا لا يمكن
التبليغ عنها وبالتالي لا عقاب على الزوجة بعد انتهاء عدة الطلاق الرجعي وبمجرد
وقوع الطلاق البائن.
وإذا
كان الزواج فاسدًا أو باطلًا (كأن لم يسجل عند المأذون الشرعي) فإن للزوجة
وشريكها أن يدفعا ببطلان دعوى الزواج لأن عقد النكاح باطل..
ويسقط
حق الزوج في رفع دعوى الزنا على زوجته في الحالات التالية (ملحوظة الزوج هو
الوحيد الذي له الحق في رفع دعوى الزنا):
1- زنا الزوج في منزل الزوجة فقد نصت
المادة (۲۷۳ع)
على أنه «إذا زنا الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته كالمبين في
المادة (۲۷۷) لا تسمع دعواه عليها». وبناء على هذا النص فإن للزوجة أن تدفع لدى
محاكمتها بعدم قبول الدعوى الموجهة ضدها بأن تتهم زوجها بالزنا في منزل الزوجية.
ويقول المصدر السابق: وهذا ما يحصل في العمل في أغلب الأحيان حيث لا تقدم الزوجة
على التبليغ في حق زوجها إلا إذا بلغ هو في حقها. ويقبل منها هذا الدفع في أي حالة
كانت عليها الدعوى قبل صدور الحكم النهائي ويعتبر بلاغها في هذه الحالة مسألة
فرعية يجب البت فيها أولًا قبل الحكم في زنا الزوجة.
ويرى
كثير من الشراح استنادًا إلى عموم نص المادة (۲۷۳) أن الزوج متى حكم عليه بالعقوبة لارتكاب الزنا
في منزل الزوجية يفقد إلى الأبد حقه في التبليغ عن زنا زوجته مهما طال الزمن على
هذا الحكم، ويجوز للزوجة أن تتمسك به في طلب استبعاد بلاغه ضدها تتمسك بالزنا.
وهكذا
يعطيها القانون الحق في الزنا إذا زنا الزوج في منزل الزوجية.
2- لا عقاب على الزوجة إذا زنت الزوجة بعلم زوجها
ورضاه. وهذا ما يفعله عادة القوادون مع البغايا حيث يقومون بالزواج منهن ويتمسكون
بالقانون للإفلات من العقاب.
3- يحق للزوج أن يعفو عن زوجته قبل رفع الدعوى
وبعدها وقبل صدور الحكم وبعده، ويستطيع أن يوقف تنفيذ الحكم برضاه بمعاشرتها، أما
قبل صدور الحكم فللزوج إيقاف الدعوى في أي مرحلة من مراحلها ولو لم يصطلح مع
زوجته، بل ولو صرح بعزمه على طلاقها.. المادة (٢٧٤).
ولا
يشترط أن يكون تنازل الزوج صريحًا حتى تسقط دعوى الزنا عليها، بل يكفي أن
يكون التنازل ضمنيًا.. ويستفاد التنازل الضمني من كل ما يظهر منه قصد الزوج مسامحة
زوجته وتجاوزه عن تنازلها كحصول الصلح بينهما.. ويكفي تكرر لقاء الزوجين حتى ولو
كانا يعيشان منفصلين لاعتبار ذلك دليلًا على صفح الزوج عن زنا زوجته وإن كان ذلك
صفحت في طي الكتمان! (انظر الموسوعة الجنائية المجلد الرابع ببحث زنا الزوجة)،
ويترتب على تنازل الزوج سواء كان صريحًا أو ضمنيًا سابقًا على البلاغ أولًا حق له
سقوط دعوى الزنا، ولا يقبل من النيابة بعد صدور هذا التنازل الصريح أو الضمني من
الزوج أن ترفع الدعوى العمومية على الزوجة أو تستمر فيها ويعتبره القانون
عفوًا عن الجريمة.
وسقوط
الدعوى العمومية بناء على التنازل هو من النظام العام فيجوز التمسك به في أي حالة
كانت عليها الدعوى حتى في الاستئناف كما يجب على المحكمة أن تحكم به من تلقاء
نفسها ولو لم يدفع به المتهم!
ولما
كان التنازل دليلًا على عدم وقوع الجريمة فيترتب عليه أيضًا سقوط الدعوى المدنية
فليس للزوج بعد تنازله أن يطالب زوجته أو شريكها بالتعويض المالي!
والتنازل
متى صدر يترتب عليه سقوط الدعوى العمومية بصفة قطعية فلا يجوز للزوج أن يرجع في
تنازله.
وقد
نصت المادة (٢٧٤) الفقرة الثانية على أن للزوج أن يوقف تنفيذ الحكم الصادر
على زوجته الزانية برضاه معاشرتها كما كانت.
ومتى
ما أخرج الزوج زوجته من السجن فلا يمكن إعادتها إليه، بحجة أن الزوجين لم يستأنفا
المعيشة المشتركة، ويكون للزوجة الحق في أن تطالب زوجها بأخذها إلى منزله وترتيب
مسكن شرعي لها.
وللزوجة
كذلك أن تتنازل عن دعواها قبل صدور الحكم النهائي فإذا تنازلت ترتب على ذلك سقوط
الدعوى العمومية.
وعلى
هذا يكون القانون قد خول كلا من الزوجين حق العفو عن جريمة زنا الزوج الآخر أي حق
إسقاط الدعوى العمومية والحكم طالما أنه لم يصبح نهائيًا وخول الزوج فقط حق إيقاف
تنفيذ الحكم بعد أن أصبح نهائيًا.
وليس
للزوج أن يدفع التهمة عن نفسه بأن زوجته ارتكبت جريمة الزنا فإن هذا الدفع الذي
منحه القانون للزوجة بسبب زنا زوجها لم يمنحه للزوج.
أما
أركان جريمة زنا الزوج فهي أربعة وليست ثلاثة كما هي للزوجة.
والأركان
الثلاثة المشتركة بينهما هي: الوطء غير الشرعي وقيام الزوجية والقصد الجنائي.
أما
الركن الرابع الإضافي فهو الزنا في منزل الزوجية..
وقد
أوضح القانون أن زنا الزوج خارج منزل الزوجية كمنزل الخليلة أو أي منزل مؤقت يلتقي
فيه الزوج بعشيقته مهما تكرر تردده عليها أو منزلًا أعده الزوج لعشيقته دون علم
زوجته- أوضح القانون أن واقعة الزنا في هذه الأركان لا تعتبر زنا، بل وقاعًا ولا
عقاب على الزوج في ذلك حتى لو قامت زوجته (وهي الوحيدة التي لها حق رفع دعوى
الزنا ضده) بشكواه إلى القضاء.
أما
إذا زنا الزوج في منزل الزوجية وقامت زوجته بالدعوى ضده ولم تتنازل عن هذه الدعوى
حتى صدور الحكم النهائي وثبتت بالأدلة جريمة زناه في منزل الزوجية فإن القانون
يعاقبه بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر حسب المادة ۲۷۷ع.
ولا
نحب أن نطيل على القارئ أكثر من هذا ولعل المدرس أحمد على إبراهيم وغيره ممن
يجهلون ما يفعله الحكام قد امتنع أخيرًا بما أوردناه من أدلة على أن القوانين
الوضعية تبيح الزنا ليس في مصر فحسب بل في أغلب البلاد العربية والإسلامية.
ولا
تبيح القوانين الوضعية الزنا فقط وإنما تبيح أيضًا الربا وشرب الخمور بل وتقوم
كثير من هذه الدول بصنعها في مصانع الدولة وبأموال الأمة..
ولهذا
فإننا نكرر مطالبتنا لهؤلاء الحكام أن يعودوا إلى حظيرة الإسلام وأن ينهوا هذا
الفصام النكد بين شعوبهم المؤمنة وقوانينهم المصادمة للشريعة الإسلامية.
مراجع
البحث
(1)
القرآن الكريم.
(2) الموسوعة الجنائية المجلد الرابع المستشار
جندي عبدالملك.
(3)
التشريع الجنائي الإسلامي المجلد الثاني- المستشار عبدالقادر عودة.
(4) الإسلام وأوضاعنا القانونية- المستشار عبدالقادر
عودة.
(5) سنوات عصيبة- المستشار محمد عبدالسلام.
(6) سنة أول سجن- سنة ثانية سجن- سنة ثالثة سجن- مصطفى
أمين.
(7) أعيدوا كتابة التاريخ- الدكتورة نعمات أحمد
فؤاد.
(8) مذابح الإخوان في سجون ناصر- جابر رزق.
(9) البوابة السوداء- أحمد رائف.
(10) لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا- عبدالمتعال
الجبري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل