; الكاتب الروسي سولجنيتسين والمسألة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الكاتب الروسي سولجنيتسين والمسألة الإسلامية

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

  • الواقع يكشف أن الضجة المثارة حول الأصولية الإسلامية لا تساوي شيئاً فهناك مظاهر متفرقة للتطرف المسيحي والبوذي والشيوعي

عاد ألكسندر سولجنيتسين إلى روسيا بسلة من الأفكار من أبرزها وجوب انسحاب روسيا من منطقة الاتحاد السوفييتي السابق الإسلامية وسحب كل الروس المقيمين فيها، ويستثني سولجنيتسين كازاخستان من ذلك، لأن الكازاخ يشكلون ٤٠% فقط من سكان كازاخستان وهم الأقل تعرضًا للإسلام ولذلك يجب أن تمد روسيا حدودها حتى حدود كازاخستان الطبيعية وتضعها تحت الحراسة الروسية - الكازاخستانية المشتركة.

ماذا يحصل لو عملنا بنصيحة سولجنيتسين حسب الإحصاءات التي لا تشمل الزيجات المختلطة فإنه يقيم في آسيا الوسطى حاليا زهاء ٨.٥ ملايين روسي، وإذا لبي 7 إلى ملايين منهم دعوة سولجنيتسين فإن الدولة «الروسية» تضطر اليوم لإنفاق ٥ إلى ١٠ ملايين رويل على أقل تقدير على كل منهم، وبالإجمال ستكلف عملية توطين النازحين من آسيا الوسطى في روسيا الخزينة العامة ما لا يقل عن ٣٥ - ٨٠ تريليون روبل، وإذا أضفنا نفقات تجهيز الحدود الجنوبية «الروسية» نجد رقمًا خياليًا، مع العلم بأن ٩٠% من الحدود الروسية هي الآن غير محصنة، وفي تقديرات أخصائيين من مجلس الدوما الروسي فإن إقامة الحواجز الحدودية في كل كيلو مترًا من الحدود تحتاج إلى ما لا يقل عن مليار روبل «ما لا يقل عن 5 ملايين دولار أمريكي» وهكذا فإن تجهيز حدودها الجنوبية وحدها سيكلف روسيا ١٠ إلى ١٥ مليار دولار بالإضافة إلى النفقات المادية ستترتب على ذلك آثار سياسية واقتصادية واجتماعية ومعيشية وإثنية وثقافية على العلاقات بين روسيا وبلدان آسيا الوسطى.

أما بالنسبة للنازحين ومعظمهم اختصاصيون جيدون كل في مجال تخصصه ولهم موارد الرزق الثابتة والمساكن، فلابد أن يواجهوا مصاعب في روسيا لأنهم يبنون حياتهم هنا من الصفر، وقد التقيت في مقاطعة ساراتوف رجلًا هاجر مع أسرته من طاجيكستان حيث أمضى سبع سنوات في قيادة طائرة «تو - ١٥٤»، فيما يعمل الآن في المكان الجديد باحتلاب البقر...

وفوق ذلك فإنه لا يحق لروسيا أن تنسحب من آسيا الوسطى بكل بساطة، ولا يجوز أن يغيب عن أذهاننا أن روسيا ادعت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي أنها وريثة، ومن الطبيعي أن تدعي روسيا الحق في ثروة الاتحاد السوفييتي وإن شارکت جميع الجمهوريات السوفييتية السابقة والحق يقال في إنشاء نظامه السياسي العسكري والاقتصادي الاجتماعي، ولكن الوريث يجب أن يتحمل مسؤولية كبيرة عن الإرث.

 ولا ريب في أن روسيا ساعدت بلدان آسيا الوسطى في إنشاء كياناتها الدولية ودفع وتيرة التطور فيها، ومع ذلك لابد من الإشارة إلى أن السلطة المركزية نظرت إلى اسيا الوسطى منذ البداية كمصدر للمواد الأولية، ومهدت بذلك لتخلف المنطقة نسبياً وتبعيتها السياسية الروسية - وخاصة الاقتصادية - وإلا ما كان لأوزبكستان مثلًا أن تحتفظ بـ ۹ - ۱۲% فقط من محصول القطن الذي بلغ أكثر من 5 ملايين طن في السنة، أما تركمانيا فكانت تحتفظ بـ ۲ - ۳ فقط من ۸۰ - ٨٤ مليار متر مكعب من الغاز تستخرج من أرضها سنويًا، وتسنى لطاجيكستان أن تستعمل ۷ - ۸٪ فقط من محصول القطن الخام البالغ ۸۰۰ - ۹۰۰ ألف طن في السنة في صناعة أشياء جاهزة محليًا.

وتجدر الإشارة إلى أن شعوب آسيا الوسطى على خلاف شعوب البلطيق، لا تعاني عقدة من الروس ولا تعتبرهم محتلين، ولم يقتل روسي في طاجيكستان المجرد انتمائه القومي حتى في غمرة الحرب الأهلية، وتعتبر شعوب هذه المنطقة، وبحق أن خروج الروس عن الحياة الاجتماعية لشعوب آسيا الوسطى يضاهي رحيل الشقيق المحبوب من الأسرة، في رأيي أن شعوب كثيرة لم تؤمن بعد بانفراط عقد الاتحاد السوفييتي معتبرة أن ما حصل غفلة تاريخية وسياسية فادحة.

كيان اصطناعي

والواضح أن ما يسمى رابطة أو مجموعة الدول المستقلة هو كيان اصطناعي في جانب كبير منه، فنتيجة لتفكك الاتحاد السوفييتي نشأ فراغ سياسي سارع رؤساء الدول المستقلة الجديدة إلى تغليفه بغلاف شبه وهمي سموه رابطة الدول المستقلة، ولذا فإن الأفكار التي طرحها نور سلطان نزار بايف مقترحًا الارتقاء بالعلاقات بين دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى مستوى نوعي جديد لا تستحق اللامبالاة التي أبداها الطرف الروسي، واعتقد أن الساسة لم يدرسوا بعد فكرة الاتحاد الأوروبي الآسيوي بجدية ولم يفهموها تمام الفهم.

وتجري عملية استيعاب هذه الفكرة ببطء وروسيا هي المسؤول الأول عن ذلك، وسبب عدم تحمس روسيا لمبادرة نزار بايف هو أن الاقتصاديين في روسيا يهتمون - جريًا على العادة - بالنظرية والتجارب وليس بترجمة الأفكار إلى أفعال، وقال أميل باين - عضو مجلس الرئاسة ورئيس مركز البحث التحليلي التابع الرئاسة الجمهورية في روسيا - صراحة إن إعادة جمع شمل دول الاتحاد السوفييتي السابق تتعارض مع مصلحة التنمية الاقتصادية في روسيا، كما أنه في تصور المجتمع الدولي فإن الاتحاد السوفييتي كان يمثل أولًا الدول الوطنية الروسية، وهو تصور مبرر، ونتيجة لتفكك الاتحاد السوفييتي لم تعد روسيا دولة عظمى وانزلقت تدريجيًا إلى مصاف بلدان العالم الثالث وانفك الارتباط الاقتصادي والعسكري بين روسيا وباقي دول الاتحاد السوفييتي السابق، وكانت روسيا تخسر أسطولها البحري الحربي، وفقدت منافذ هامة إلى البحار، ولم تعد طرفاً قوياً يدخل في التجارة الخارجية، ولم تعد شريكًا ماليًا يعتمد عليه، وانتقلت بكاملها عمليًا إلى فلك المصالح السياسية الغربية أو بالأحرى الأمريكية ومهدت بذلك للأحادية السياسية والاقتصادية الأمريكية.

ويومًا بعد يوم تبتعد دول الاتحاد السوفييتي السابق بعضها عن البعض، لأن لكل منها تصوراتها للنظام السياسي ومفهومها للديمقراطية والاقتصاد الحر، وفي هذه الظروف يمكن أن تتسع الهوة بين هذه الدول لدرجة يستحيل معها ردمها ما لم يتم إيجاد آلية للتنسيق فوق الوطني ولو في المجال الاقتصادي في أقرب وقت، وأكثر ما يدعو إلى الدهشة أن الأسلوب الذي تتبعه روسيا في سياستها الاقتصادية تجاه دول الاتحاد السوفييتي هو نفس الأسلوب الذي يتبعه صندوق النقد الدولي والذي اتبعته البلدان الغربية حين قدمت المساعدة إلى الاتحاد السوفييتي، ومن ثم إلى روسيا، وهو الأسلوب الذي لا يؤدي إلى إخراج روسيا عن إطار التبعية الاقتصادية للغرب ولا يصب في إطار تحويلها إلى دولة عصرية ذات اقتصاد وطني يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة ويقدر على المنافسة.

وبرأي اقتصاديين وطنيين روس فإن روسيا يجب أن تكف عن إنفاق المال على عملية إعادة جمع شمل الأسرة السوفييتية، وتوجه مواردها لتحديث صناعتها بهدف المحافظة على مواقعها الاحتكارية في أسواق دول الاتحاد السوفييتي السابق.

وأخشى أن يكون الزمن قد تجاوز هذا الموقف وسقطت مبرراته، فضلًا عن أن الدول المستقلة سترفض هذا النوع من العلاقات في وقت قريب لأسباب طبيعية، غير أنه لن يكون هناك مكان خال، فقد طرحت للبحث آلاف من مشاريع تحديث صناعات بلدان آسيا الوسطى بمشاركة البلدان الأجنبية، وخصوصاً تركيا وإيران وباكستان وبلدان الشرق الأوسط وأوروبا، وإذا كانت تريد روسيا المشاركة بفاعلية في عملية رأب الصدع في العلاقات بين دول الاتحاد السوفييتي السابق، فقد تجد نفسها خارج سوق اسيا الوسطى وتجد بالتالي طريق العودة إلى المنطقة كدولة كبرى مسدودًا، وأكثر من ذلك فإذا ترافقت العملية التنموية في بلدان آسيا الوسطى وتطور علاقاتها الدولية مع إضعاف العلاقات مع روسيا في مجال الاقتصاد والمجالات الأخرى فإن ذلك لابد أن يرتب عواقب وخيمة على روسيا، ذلك أن ابتعاد روسيا عن سوق آسيا الوسطى وانقراض العلاقات السياسية والاقتصادية مع هذه المنطقة سيجعلان روسيا في أقرب وقت أمام ضرورة إعادة ترسيم الحدود وتقسيم الأراضي مع دول المنطقة ومن بينها كازاخستان ويضطرانها للتعامل مع مشكلات أخرى ترتبط بذلك لا يحتاج حلها إلى تنازلات سياسية فحسب بل إلى نفقات هائلة هي دون طاقة الاقتصاد الروسي الفتي.

وبدأ محللون في الجهات الرسمية ورئاسة الجمهورية يعترفون بأهمية آسيا الوسطى الاستراتيجية بالنسبة لروسيا، غير أنهم لا يرتؤون اندماج بلدان أسيا الوسطى وروسيا في إطار الكونفدرالية لتفاقم الوضع السكاني في روسيا جراء ارتفاع نسبة الوفيات وانخفاض نسبة الولادات، وحسب آخر التنبؤات فإن هذا الوضع سيتفاقم وقد ينخفض عدد سكان روسيا بعد ٢٥ سنة إلى النصف.

أما في بلدان آسيا الوسطى فيتزايد عدد سكانها دون حسيب أو رقيب، وقد ارتفع عدد سكان المنطقة خلال السنوات الخمسين الأخيرة ثلاث مرات، وتضاعف عدد سكان طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وتركمانستان بـ ۳٫۳ و۳ و۲,۸و ۲٫۷ و٢٠٦ مرة على التوالي، ومن هنا فإن التركيب السكاني للكونفدرالية يمكن أن يتغير لصالح الشعوب التركية المسلمة.

ولكنهم لا يأخذون في الاعتبار أن مجتمعات آسيا الوسطى تتميز بالتسامح وهي براء من الأطماع التسلطية، والدليل أن شعوب آسيا الوسطى لم تقدم خلال العصر السوفييتي أيًا منها للصعود إلى قمة هرم السلطة في الاتحاد السوفييتي، كما أنهم لا يأخذون في الاعتبار أن نقصًا حرجًا في القوة العاملة يمكن أن يلحق ضررًا خطيرًا بروسيا.

وهكذا فإن الواقع يبين أن الضجة التي أثيرت حول الأصولية الإسلامية لا تساوي شيئًا وقادت دراسة شاملة حول واقع الإسلام في بلدان آسيا الوسطى العلماء إلى استنتاج أن ما يعرف بالخاصرة الرخوة لروسيا لا يعرف الأصولية الإسلامية التي ترهب الجميع، وهناك مظاهر متفرقة للتطرف الديني، ولكن الأصولية ليست بصفة تميز الإسلام وحده، فثمة أصولية مسيحية وبوذية وشيوعية ... إلخ، ومن مقومات الأصولية فرض رؤية ما على المجتمع برمته، وفي هذا المجال لا تمتاز الأصولية الإسلامية عن الأصولية المسيحية، مثلا، أو البلشفية، ولذلك فإن توجه الوطنيين القوميين الروس والانعزاليين الراديكاليين الجديد والتصريحات المتسقة مع هذا التوجه التي تصدر عن شخصيات معروفة أمثال سولجنيتسين، يمكن أن تمزق روسيا من الداخل وتؤدي إلى صدام واسع.

وندعو ألكسندر سولجنيتسين إلى زيارة الخاصرة الرخوة، ليجوب أسيا الوسطى ويلتقي الروس والناطقين بالروسية الذين يقطنون مدنها وقراها، واعتقد أن جولة كهذه مفيدة لأنها تتيح الفرصة لمعرفة أمزجة الروس المقيمين الحقيقية ويطيب لمعهدنا أن يتحمل كل تكاليف جولة سولجنيتسين ومرافقيه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 68

110

الثلاثاء 13-يوليو-1971

منوعات (العدد 68)

نشر في العدد 69

143

الثلاثاء 20-يوليو-1971

لماذا التزمتم الصّمت.. هنا؟

نشر في العدد 72

114

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

جنون المخدرات يشمل الأطفال!!