العنوان الكتابات الجنسية الفاضحة وحرية التعبير
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
باسم حرية الكلمة وحرية التعبير
تكاثرت في الفترة الأخيرة الكتابات الجنسية الفاضحة، وتجرأت بعض الأفلام المغرضة
على الأخلاق الحميدة، وهتكت أستار الحياء وخدشت الذوق العام من خلال التصوير
المثير للعلاقات الجنسية واستعمال الألفاظ التي يعف المرء حتى عن إعادة ذكرها،
وعبث هذه الأقلام من قواميس الفحش والبذاءة بصورة لم نعهدها، ولا نغالي إذا قلنا
إن هذه الكتابات أصبحت برنوغرافيا بأتم معنى الكلمة الغربية التي تعني فن
الإباحية، وعندما يعترض على هذه الكتابات معترض تنهال عليه الاتهامات ويوصف
بالمكبوت جنسيًا، ويدعى أنه يريد أن يعيد المجتمع إلى عهود الظلام وكأن عهد النور
لا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا مورس فيه الجنس على مرأى ومسمع من الجميع، وكتبت فيه
المقالات والكتب المثيرة والمهيجة.
إن أدعياء الحرية هؤلاء المتخوفين من
رقابة صارمة تفرض على التعبير هم أنفسهم الذين يضربون بهذه الحرية بخلطهم بين حرية
الكلمة وحرية الابتذال، وبين حرية التعبير وحرية الكتابة الإباحية والجنسية
المكشوفة التي لا تؤدي إلا إلى إشاعة الانحلال والانحراف، فهل هذه هي الحرية التي
يريدونها؟ إن الحرية المطلقة لا توجد إلا في خيال طائفة من المتفلسفين المرضى، لأن
الحرية الحقيقية لابد أن تكون حرية مسؤولة لها ضوابط من قيم المجتمع وأخلاقياته،
ونحن نعتقد أن قيم مجتمعاتنا الإسلامية وأخلاقياتها تتعارض مع إشاعة الرذيلة
والفاحشة من الكلام حتى لو صدر هذا الكلام في صورة أدبية عن كبار الأدباء.
- النبش في التراث:
لم يكتف أنصار الفن الإباحي بترجمة
الكتب الأدبية الجنسية الأجنبية تحت عنوان «روايات عالمية»، متحججين بأنه من
غير المعقول أن نحرم أنفسنا من هذه الروائع الأدبية التي وضعها «كبار الكتاب
العالميين» ولم يكتفوا بما يجود به عليهم العديد من الكتاب والشعراء العرب
المحدثين أمثال أدونيس ونزار قباني ومظفر النواب وحنا ميتة السوري ونوال السعداوي
المعروفة بكتبها «الجنس والرجل والجنس والأنثى، والأنثى هي الأصل»، وبصبري
القباني صاحب كتاب «حياتنا الجنسية» وغيرهم كثير لم يكتفوا بكل ذلك، بل راحوا ينبشون في التراث ويبعثون
بعض الكتابات الماجنة من مرقدها، ويفكون بعض الكتابات المشبوهة من عقالها وراحوا
يدبجون المقالات الإباحية التي رضعوها بمقتطفات من ضالتهم التي وجدوها في بطون كتب
التراث وبعضها انتزعوها انتزاعًا من محيطها وسياقها، ففقدت قيمتها الاستشهادية،
وهم بذلك يريدون أن يقولوا لجمهور القراء إن الفن الإباحي ليس أمرًا جديدًا ولا
مستحدثًا بدليل أن أجدادنا حبروا فيه الصفحات والصفحات وتناوله حتى بعض الأئمة
والفقهاء وكأنهم وجدوا في تلك الصفحات التراثية غطاء مقدسًا لأغراضهم الخبيثة، ومن
الذين سلكوا هذا المسلك المغربي كرم إدريس في مقال له تحت عنوان «دروس
الفقهاء في الجنس»، وزياد كريشان التونسي في سلسلة مقالات له بعنوان «من
تاريخ الجنس في الإسلام» نشرتها مجلة المغرب العربي.
والجدير بالذكر أن هذه المقالات أدت
بصاحبها وبمدير مجلة المغرب العربي إلى محاكم التحقيق التونسية بتهمة الاعتداء على
الأخلاق الحميدة، طبقًا للفصل 62 من قانون الصحافة التونسي، وقد استشعر
صاحب هذه المقالات في الحلقة الخامسة منها مثوله أمام محاكم التحقيق، فأنهى تلك
الحلقة بقوله: «هنا نوقف رحلتنا مع الروض العاطر «كتاب جنسي إباحي وضع في
القرن الخامس عشر» لأن كل جملة من صفحاته الأربعة والثمانين سوف تقع فيما
يبدو تحت طائل الفصل 62 من قانون الصحافة».
لقد نبش هؤلاء حتى في كتب السيرة
والحديث وأولوا بعض الأحاديث على أهوائهم ووجدوا ضالتهم طبعًا عند المارقين
والماجنين الذين ذكرتهم كتب الأدب ومن أبرزها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني،
ومن الكتب والمراجع التي نبشوا فيها واعتمدوا عليها «المستطرف في كل فن
مستظرف» لشهاب الدين أحمد الأبشيمي. و«تزيين الأسواق في أخبار العشاق» للطبيب الضرير داود الأنطاكي، و«الروض العاطر في نزهة الخاطر والإيضاح
في علم النكاح» لسيدي محمد بن محمد النفزاوي، وكتاب «طوق
الحمامة» لابن حسن الأندلسي، وكتاب «الروض اليانع في فوائد النكاح وآداب
المجامع» لأبي محمد عبدالله بن محمد بن مسعود التمكروني، و«كتاب
الرحلة» للرحالة المغربي ابن بطوطة وغير ذلك..
والذي يستوقفنا من هذه الكتب أن
المشهور منها لم يكن موضوعه وجوهره إباحيًا أو فاحشًا وإنما تعرض بالوصف عرضًا إلى
أمور إباحية واتخذ منها موقفًا كابن بطوطة الذي تحدث عن نساء السنغال اللاتي يجمعن
بين الزوج والصاحب، أما الكتب الأخرى فليست مشهورة ولم يكن أصحابها من المشاهير
وحتى إن ظهروا في مجتمعاتهم فقد حوصروا وحوصرت كتاباتهم الجنسية.
نعم لقد ضم تراثنا أدبًا إباحيًا،
ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولكن هل ننسى مئات الكتب التي ردت على أولئك الإباحيين
وهاجت كتاباتهم وحاصرتها؟ هل كون تلك الكتب قديمة وتعود إلى القرون الوسطى أو إلى
العصر العباسي أو الأموي يكسبها حصانة ويجعل منها مرجعًا لابد من الأخذ به؟ إننا
نعلم جميعًا كم كان هنالك من المارقين والفاسقين والماجنين في كل العصور ومثلما
حارب المصلحون قديمًا أولئك الفساق والماجنين وحاصروا كتاباتهم سنتصدى نحن لموجة
الأدب الإباحي الجديد ولن نغتر بالنبش في التراث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل