; الكلمة الطيبة.. مفتاح القلوب | مجلة المجتمع

العنوان الكلمة الطيبة.. مفتاح القلوب

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006

مشاهدات 96

نشر في العدد 1700

نشر في الصفحة 52

السبت 06-مايو-2006

اشتاقت لك الجنة، وشربت من حوض الرسول- صلى الله عليه وسلم-، فتحت لك أبواب الجنة، رحبت بك الملائكة وجلست على منابر النور، أقمت في الفردوس الأعلى، أطعمك الله من الجنة، ابتسم في وجهك النبي - صلى الله عليه وسلم-.

عبارات تنير القلب وتثلج الصدور وتبشر بالخير.. كلمات نفتقدها كثيًرا في حياتنا اليومية ونحن عبيد لرب عظيم يعلم تأثير الكلمات الطيبة في النفوس.

فالخالق العظيم يحثنا على التحرك في كل جوانب الحياة، فنثني على الرحمن ونعدد أسماءه الحسنى مع عرض للشكوى، هكذا فعلت الأخت الكريمة وقالت فيما قالت: لقد قلت سبحانك لمريم لا تحزني، ورفعت عنها الحزن، وقلت لأم موسى لا تحزني، ورفعت عنها الحزن، وأنا لست مريم، ولا أرقى لمنزلة أم موسى، ولكنك أنت الله الرحمن الرحيم من تخفف حزن المستجير بك، المستعين، فاللهم ارفع عني ما أشعر به من حزن.

وقالت المرأة المسلمة: وبعد صلاتي وتوسلاتي بكل الكلام الطيب الذي تعلمته من القرآن ومن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبعد شروق الشمس وصلاة الضُحى، أردت أن أستريح قليلاً وقد كنت دوماً أغلق المحمول عند راحتي، ولكن في هذا اليوم لم أغلقه.. فقد كنت على يقين أن فرج الله سيأتي سريعاً، وبالفعل بعد أقل من ساعة كان رنين المحمول يزف الفرج من الله، قمت على إثره شاكرة دامعة مرددة حقاً.. ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلمُ الطَّيِب﴾ (فاطر: ١٠).

وقد تعلمنا من رب العباد الكلمة الطيبة، فخطابه لعباده رائع جميل، وحتى في عتابه يكون بود ورحمة ولطف، وهذا مصداقاً لقوله تعالي: ﴿عَفَا الله عنكَ لم أَذنتَ لَهمْ حَتَّى يتبيَّن لَك الْذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذبِينَ﴾ (التوبة: 43).

وفي موضع آخرٍ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: 74 - 76).

وكان- صلى الله عليه وسلم- يفوح من فيه عطر الكلمة الطيبة، فينتشر شذاها فتفرح بها القلوب، وتهدأ بها النفوس، فنجده يبشر بلالاً بأنه سمع خطواته في الجنة، ويحدث عمر بن الخطاب أنه رأى قصره وجاريته.

فقد كان- صلى الله عليه وسلم- يتحرك بين الناس والأصحاب بقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ (البقرة: ٨٣).

وتحضرنيِّ قصة مدرسة أرادت أن تفعل ذلك مع تلميذاتها فوهبت لله تعالى عشر دقائق من حصتها تُثني فيها على الله وتُقرب قلوب تلميذاتها منه سبحانه وتعالى.

وبسبب كونها مدرسة تربية فنية، فقد لاقت معاتبة من إدارة المدرسة بأن حصتها لا بد أن تكون فقط للرسم، وكل ما يخصه، ولكونها إنسانة إيجابية فقد وجدت بخبرتها أن الكلمات الطيبة القليلة التي كانت تتفوه بها في أول الحصة تجعل الفتيات أكثر هدوءًا وأكثر استيعابًا وأكثر حبًا لمادة الرسم والتي كانت تلاقي الاستهانة وعدم الاهتمام.

وبعد سنوات طوال من التقاعد عن العمل، فكأنما أراد سبحانه أن يجزيها ثمرة عملها القليل في الدنيا، الكبير عند الرحمن، فإن ذهبت إلى حديقة أو سوق أو غيره تجد من يبتسمن لها ويهرعن إلى السلام عليها بشوق وحب وحنين، ثم يذكرنها أنهن كن تلميذاتها وكيف أن كلماتها القليلة الرقيقة قد غيرت مجرى حياتهن.

وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: «والكلمة الطيبة صدقة».

▪ أمثلة مؤثرة

وقد حدث حادث مروع لطفل لم يتعد العشر سنوات، وبالطبع ذهب الجيران وكثير من الناس ممن يعرف أمه ومن لم يعرف ليهونوا عليها مصابها، فهو أليم وشديد، وذهبت النسوة إلى المسجد للقاء أم مكلومة حزينة وكانت ترتدي بنطالًا ضيقًا يصف نصفها السفلي، أما «البلوزة» فلم تكن أحسن حالاً، أما شعرها، فقد جمعته إلى الخلف بإهمال لحزنها العميق، وكان يدخل عليها الرجال والنساء، وهي على هذا الحال، فهي غير محجبة، جلست عدة نساء بجوارها ثم تقدمت إحدى النساء، وأسرت في أذنها ببعض كلمات، قامت الأم المكلومة على إثرها ثم رجعت إلى الجميع وقد تحجبت وارتدت ملابس لا تصف ولا تشف، اندهشت الحاضرات وصمتن.

وبعد انتهاء أيام تلقي العزاء، كانت مفاجأة لأخوات المسجد: حضور هذه الأم الدروس، وقد أبقت على حجابها وفضفاض ثيابها، ودخلت تبحث عن الأخت التي أسرت لها ببعض الكلمات، ثم قالت للجميع: أنا أشكركن على جميل عزائكن لي، وأشكر أختي فقد أسبغت عليِّ بعبارات هوّنت علي مصابي، وكانت سبباً في نجاتي، ابتسمت الأخت مرحبة، فسألناها برغبة وشوق: تُرين بماذا تحدثت معها؟ قالت قلت لها: كأني أرى ولدك في الجنة وهو يهيئ لك حجرة في قصره الرائع وستكون سعادته بك غامرة إن عملت لتدخلي معه الجنة التي هو فيها الآن! نظرت إلي بدموع وآهات: هل ابني حقاً في الجنة؟ قلت لها ليس هو فقط بل وأولاد المسلمين الذين ماتوا صغاراً جميعًا! هل تريدين حقاً رؤيته مرة أخرى! قالت بفرحة نعم، قلت لها إذن لنبدأ الطريق وليكن حجابك شعارك ففوجئت مثلكم تماماً أنها قامت من فورها وارتدت حجابها.

«والكلمة الطيبة صدقة، صدقت يا رسول الرحمة- صلى الله عليه وسلم-».

فقد التقينا في حفلة تقام بالمدرسة احتفالاً بالمتفوقات وأراد سبحانه أن تتجاورا في الجلوس، سلمت إحداهما على الأخرى قائلة: أهلاً يا حبيبتي وتجاذبتا أطراف الحديث، ودعت إحداهما الأخرى على درس من دروس القرآن، وانقضت الأيام تلو الأيام وصداقة الأختين تزيد وتتعمق؟ وفي يوم توزيع الجوائز على حافظات القرآن الكريم، كانت إحدى هاتين الأختين هي الفائزة.

▪ التمسك بالصداقة

وكان السؤال التقليدي الذي يُقال لكل أخت فائزة: كيف وصلت لهذا المستوى الراقي؟ حتى جاء دور أختنا فقالت بضع كلمات لم ننسها على مر الأيام.. ماذا قالت؟

قالت: إني كنت بعيدة تمامًا عن الاهتمام بحفظ القرآن أو الالتزام في أقوالي وأفعالي بأقوال وأفعال النبي- صلى الله عليه وسلم-، حتى قابلت هذه الأخت الفاضلة، وأشارت إلى صديقتها في حفلة مدرسية، وقالت لي: أهلاً حبيبتي فقد أسرتني بهذه الكلمة، حيث جلست بعد ذلك أسأل نفسي: سبحان الله، هل ما زال أحد في هذه الدنيا يحبني ويصفح عن ذلك؟ فتمسكت بصداقتها حتى الآن، وكانت كلمتها الطيبة تلك «يا حبيبتي» هي التي غيرت كل حياتي.. فقد أنقذتني من ظلام الجهل إلى نور المعرفة والعلم، غبطنا الأختين وتذكرنا قول النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: «اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

▪ سجل الذاكرة

وعلمنا- صلى الله عليه وسلم- أن نتخير الكلمات الطيبة ونعتاد عليها لعل الله يرضى، فقد كانت إحدى الداعيات إلى الله في درس لها، وبعد أن ألقت كلمتها كانت تجلس على يمينها أخت منقبة فرفعت النقاب وقالت لها: ألا تذكريني؟

أخذت الداعية تبحث عنها في سجل الذاكرة بلا جدوى، فابتسمت لها ابتسامة المتحيرة، فقالت لها المنقبة ألا تذكرين من حوالي خمسة عشر عامًا.. أنك كنت وزوجك بالقرية الفرعونية بمصر للسياحة، فقالت الداعية: بالفعل نعم؟ قالت لها: ألا تذكرين مرشدتكم السياحية التي كانت في صحبتكم لتشرح لكم؟

قالت الأخت الداعية على استحياء: لا أتذكر كثيراً أحداث هذا اليوم، قالت لها الأخت المنقبة: ألم تكن المرشدة سافرة؟ قالت الداعية: نعم تذكرت فقد كانت ملابسها غير لائقة لمسلمة تختلط بالرجال، قالت المرشدة المنقبة: لقد كنت أنا تلك المرشدة، وتساءلت الداعية بدهشة: معقول ذلك؟

وبدأت تتذكر ملامح الوجه نعم سبحان ربي العظيم، فقالت المنقبة: يومها لاحظت أني كنت أشرح وأنت شاردة الفكر تماماً لا تلتفتي لي، قالت لها الداعية: نعم كنت أشفق عليك من معصيتك لله ومن عيون الرجال، قالت: نعم فقد انتهزت فرصة انفرادك بي وقلت لي هل أنت مسلمة؟ وكان ردي بالإيجاب، فقلت لي: لماذا لا تطيعين رسولك وتظهرين الإيمان بالله؟! هل تخجلين من إسلامك؟

قلت لك بثقة بالطبع لا، فقلت لماذا لا تعلنين هذه الثقة على الجميع؟ فالوزير يكتب على سيارته «هيئة سياسية»، ليقول إنه مع الملك، وأنت بحجابك تكتسبين هيئة ربانية فإنك مع من له ملك السموات والأرض وما بينهما رب المشارق ورب المغارب.. لم يترك شيئاً لأحد، ثم سألتها المرشدة السابقة: هل تذكرين بماذا كان ردي؟

قالت الداعية: نعم، فقد قلت هذا من ضروريات العمل ألا أرتدي الحجاب، وإنني في أمس الحاجة إلى المال، عندها قالت المرشدة: نعم، ونظرت لي نظرة لم أنسها حتى هذه اللحظة ولن أنساها إلى أن ألقى الله، فقد كانت نظرة ترى المستقبل ولا ترى الواقع، فقد قلت لي: إن نور الله لن يطمسه أحد، وعلينا أن نستجيب لله ولا نستجيب لبشر هم تراب متحرك إلى حين، وعندما يحين الأجل ستخمد هذه الحركة فيكونون إلى التراب أسرع، قال تعالي: ﴿يُرِيدُون لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفوَاهِهِم والله مُتِمَّ نورِهِ﴾ (الصف:٨).

وناداك زوجك وانصرفت، ولكني بعدها لم أكن أسمع إلا آخر كلماتك: ﴿والله مُتِمّ نُورِهِ﴾ (الصف: ٨).

في كل مكان كانت معي هذه الكلمات، فأنار الله سبحانه قلبي وحياتي وعمري، وها أنا ما ترين أحفظ كتاب الله وأحضر دروس العلم في كل مكان، وأحاول أن أعوض عمري الذي ضاع، قالت الداعية بيقين وثقة: وسترين هذا النور عندما يغمر الأرض، فلا تكون طاعة إلا لله، قالت المنقبة: سبحان ربي نفس النظرات.. لم تغيرها السنوات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

107

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 36

115

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

ساعة مع وزير العدل..

نشر في العدد 282

89

الثلاثاء 13-يناير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية