; في ظل تقليل تأشيرات الدخول للعلماء والدعاة.. الكنديون يفتقدون القرّاء والخطباء (الضيوف) في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان في ظل تقليل تأشيرات الدخول للعلماء والدعاة.. الكنديون يفتقدون القرّاء والخطباء (الضيوف) في رمضان

الكاتب جمال الطاهر

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 24

السبت 13-أغسطس-2011

  • عدد المسلمين في الغرب عامة وفي كندا خاصة تضاعف مرات عديدة خلال العقدين الأخيرين
  • مساجد «مونتريال» تنفق وحدها ما يزيد على نصف مليون دولار لاستضافة المتميزين منهم
  • حفاظ القرآن والأئمة الخطباء من أبناء المسلمين المقيمين في الغرب ما زال عددهم متواضعًا

مع حلول شهر رمضان الكريم، يبدأ القائمون على المساجد والمراكز الإسلامية في «مونتريال» وغيرها من المدن الكندية الأخرى في إعداد الترتيبات اللازمة؛ لاستقبال القراء والخطباء من بلدان عربية وإسلامية مختلفة لإمامة المصلين، وإلقاء الدروس والمحاضرات الدينية في المساجد التي تعج بالمصلين في ليالي رمضان.. ولا تعد ظاهرة استقبال القراء والخطباء خلال شهر رمضان خاصة بكندا، وإنما هي حالة عامة -مع شيء من التفاوت- في كل البلدان الغربية؛ حيث تقيم جاليات مسلمة، تنفق في إطارها أموالا طائلة لتغطية النفقات المتزايدة لسفر وإقامة الضيوف، وكذلك الأجور المستحقة لهم كل حسب جمال الصوت ودرجة الحفظ بالنسبة للقراء، ومستوى الخطابة والقدرة على الإمتاع وسعة الثقافة بالنسبة للخطباء.

ويبدو أن أغلب رواد المساجد يستأنسون باستضافة القراء والخطباء في مساجدهم طوال ليالي شهر رمضان، لما يُدخله وجود هؤلاء الضيوف من حركية وأجواء تربوية وروحانية جديدة، في ظل الأصوات الجميلة للقراء ودروس التزكية المؤثرة للخطباء، بما يُخرج المساجد وخاصة المنابر من رتابة مملة نتيجة استئثار أغلب الخطباء الراتبين بالخطابة لما يزيد على العقدين في حالات كثيرة، والذين لم يعودوا يبذلون جهداً كبيراً لتجديد خطابهم وحسن تخيّر مواضيعهم بما يفيد الجالية، وخاصة الأجيال الشابة إيمانيًا واجتماعيًا وثقافيًا. 

وتُعَدُّ «مونتريال» الكبرى ثاني أهم مدينة كندية من حيث عدد المسلمين والمساجد والمؤسسات الإسلامية، ويزيد عدد المساجد فيها على المائة والخمسين مسجدًا.. وبعملية حسابية أولية وبسيطة، يبدو أن حجم نفقات المساجد في «مونتريال» وحدها على استضافة القراء والخطباء خلال رمضان يزيد على نصف مليون دولار، وذلك بمعدل خمسة آلاف دولار لكل ضيف في مائة مسجد ينفقها المصلون من جيوبهم، إضافة إلى الهدايا والعطايا وهي كثيرة ومعتبرة.

استثمار مطلوب

ومع قناعتنا بأن رمضان هو شهر الخير والإنفاق، فهو أيضا الشهر الذي تعزّز فيه الأرصدة البنكية للمساجد والمراكز الإسلامية بعشرات آلاف الدولارات إن لم يكن بمئات الآلاف، كما أنه الموسم المناسب لجمع التبرعات السخية والمجزية لتمويل المشاريع الإسلامية التي لا تزال -مع الأسف الشديد- منحصرة إما في شراء المباني أو في توسعتها أو ترميمها بملايين الدولارات.

وسابقاً ، لم تكن استضافة القراء والخطباء خلال شهر رمضان تكلف المسلمين المقيمين في الدول الأجنبية الكثير؛ نظراً لتكفّل جهات عديدة من أفراد ومؤسسات من دول عربية وإسلامية سباقة في خدمة الإسلام والأقليات المسلمة المقيمة في الغرب بكامل مصاريف إرسال القراء والخطباء.. أما الآن، فقد أصبح مع مرور الوقت مكلّفاً جداً من الناحية المالية بالنسبة للمسلمين في الغرب، وقد حان أوان تقييمه، وربما التفكير في استبداله بخيار آخر ينقل الأقليات المسلمة في الغرب من وضع المحتاج إلى وضع المكتفي، خاصة وقد تأكد اتجاه حكومة المحافظين في كندا إلى التشدّد في منح تأشيرات الدخول للعلماء والدعاة وكل عامة من له صلة بالعمل الإسلامي. 

ومن المعلوم أن عدد المسلمين في الغرب وفي كندا خاصة قد تضاعف مرات عديدة خلال العقدين الأخيرين، وهو ما يدفع الهيئات والدول المانحة، وكذلك القائمين على المساجد والمؤسسات الإسلامية في الغرب إلى التفكير جديا في الاستثمار في هذا المجال بدلا من مواصلة ضخ مبالغ طائلة في خيار يُبقي المسلمين في الغرب في وضع المحتاج. 

ونعني بالاستثمار في هذا المجال وضع خطط استراتيجية للجمع بين إمكانات المسلمين في الغرب بشريا ومالياً وقانونياً من جهة، وبين حاجياتهم وفق أولويات محددة تنقلهم إلى وضع المكتفي من جهة أخرى. مفارقة واضحة

وبعد عقود عديدة من الإقامة في الغرب، وبناء المساجد والمؤسسات الإسلامية، لا يزال عدد حفظة القرآن الكريم والأئمة الخطباء من أبناء المسلمين المقيمين في الغرب متواضعا إلى حد كبير، رغم كثرة الحلقات القرآنية وتزايد عدد المقبلين عليها من الصغار والكبار، ورغم الكفاءة العالية لعدد من المدرّسين المجازين من جهات وشخصيات مرموقة مشهود لها في هذه المادة.

والمؤسف أكثر أن العدد القليل جداً من الحفظة والخطباء الشبان لم يمنحهم القائمون على المساجد ،فرصتهم، في ظل خيار الكل تقريبا في التعويل على الضيوف الموسميين. 

إن هذه المفارقة الواضحة بين الحاجيات المتزايدة للمسلمين في الغرب للمقرئين والخطباء وتواضع الأداء الفردي والجماعي رغم وفرة الإمكانات من حيث الأموال والبنى التحتية والإطارات المؤهلة؛ يدعونا جميعا إلى طرح السؤال ومحاولة الإجابة عليه ضمن أفق استراتيجية تراهن على بناء مقدرات المسلمين في الغرب، وتأسيس حالة إسلامية تسمح بخدمة حاجياتهم، وتقلص الفارق بين واقعهم الحالي، والواقع المأمول الذي يجب أن يتطوّر في اتجاهه وضع المسلمين في الغرب.

مؤسسات جديدة

والواقع أن العمل الإسلامي في الغرب في حاجة إلى قيام جيل جديد من المؤسسات الإسلامية تكون بمثابة القاطرة التي تنقل الحضور الإسلامي في الغرب في جميع مستوياته وأبعاده إلى حالة جديدة تتزاوج وتتكامل فيها الإمكانات الذاتية للمسلمين مع خصائص ومعطيات واقعهم بما يكون من نتائجه رفع مستوى عمل وأداء المؤسسات الإسلامية وقدرتها على تأمين حاجيات المسلمين الآنية والمستقبلية.

فإذا كان المسلمون في الغرب لا يزالون يعولون بعد كل هذه العقود على استضافة المقرئين والخطباء لإمامتهم في رمضان لعدم توافر مقرئين محليين، فإن المسؤولية تقتضي من القائمين على العمل الإسلامي من جهة، ومن المتبرعين من أهل الفضل والخير في المشرق والمغرب من جهة ثانية، أن يبادروا إلى التخطيط المستقبلي والعمل الجاد من أجل قيام مؤسسات للمسلمين في الغرب يُصرف عليها من الأموال التي تنفقها المساجد سنويا على استضافة المقرئين والخطباء، ويقوم عليها إداريون ذوو خبرة وعلماء أكفاء؛ بحيث تعمل على تنظيم الحلقات القرآنية ورعاية مشاريع الحفاظ والمقرئين من أبناء المسلمين في الغرب، والاهتمام بالقرآن الكريم تدريسا لعلومه وترجمة ونشرا لأهـم الأبحاث حوله، وتعريـفـا بـه في أوساط المسلمين وغير المسلمين، ويمكن الإنفاق عليها من خلال وقف إسلامي في حجم المشروع.

خطوة مهمة

إن قيام مثل هذه المؤسسات لرعاية القرآن الكريم وأهله تَعَدّ بالنسبة للمسلمين في الغرب لبنة مهمة، وخطوة أساسية في الطريق الصحيح من أجل ما يلي:

أولًا: إعادة جدولة اهتمامات المسلمين في الغرب على أساس أولويات استراتيجية واضحة.

ثانيًا: جدولة إمكانات المسلمين المادية والبشرية بحسب هذه الأولويات.

ثالثًا: إعادة تأهيل المؤسسات الإسلامية في الغرب، وخاصة المساجد والمراكز للقيام بأدوارها المطلوبة منها.

رابعًا: تخريج حفظة ومقرئين وخطباء من أبناء المسلمين في الغرب لا يقتصر أثرهم ونفعهم على مجرد تأمين حاجيات المساجد والمراكز في رمضان وإنما سيتعدى ذلك إلى المساهمة أيضا في رفع المستوى العام الروحي والتربوي للمسلمين في الغرب.

فمن ينهض لإطلاق الخطوة الأولى في مسيرة صعبة، ولكنها ضرورية، وينتظرها المسلمون في الغرب؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل