; الكنيسة الكاثوليكية.. نحو الإصلاح الأخلاقي أم دور سياسي | مجلة المجتمع

العنوان الكنيسة الكاثوليكية.. نحو الإصلاح الأخلاقي أم دور سياسي

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1500

نشر في الصفحة 39

السبت 11-مايو-2002

كان علماء الدين في كل زمان ومكان رموزاً لا ينبغي لأحد أن ينال من طهارتها وقدسيتها، ذلك لأنهم وهبوا أنفسهم لدينهم وتخلوا بمحض إرادتهم عن منع الحياة المباحة، ناهيك عن غير المباحة. 

لكن الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا التي يبلغ عدد قساوستها ٣٥ ألف قسيس تخلت عن دورها الروحي، وأصبحت جزءا من الحياة الأمريكية الليبرالية التي لا حدود لها، فالشواذ جنسياً من حقهم الالتحاق بالكنيسة، وهذا ما دفع الكاردينال أنتوني بيفيلاكوا من فيلادلفيا إلى المطالبة بمنع الشواذ من تولي أي منصب كنسي، وقد نقلت عنه صحيفة الواشنطن بوست، في مقال نشر له في ٢٧ أبريل الماضي بعنوان الكرادلة يؤيدون سياسة عدم التسامح، مطالبته بعدم السماح للشواذ بتولي مناصب كنسية، كما طالب بمعاقبة أي رجل دين يقوم أو قام بالاعتداء على الأطفال أو رعايا الكنيسة ولو لمرة واحدة!.

ولأول مرة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية يدعو بابا الفاتيكان إلى اجتماع عاجل لرعاة الكنيسة حول العالم لمناقشة قضية الاعتداء الجنسي على الأطفال، بعد أن تحولت القضية من مجرد حادث يمكن وقوعه إلى ظاهرة تسببت في تكليف ميزانية الكنيسة تعويضات بلغت قرابة مليار دولار على مدار خمسة عشر عاماً ولا يزال على قائمة التعويضات المئات من الضحايا الذين يرفضون اعتذار الكنيسة ويصرون على تقديم دعاوى أمام المحاكم.

والغريب أنه في هذا الاجتماع الذي كان من المفترض أن يناقش تطهير الكنيسة من «أوساخها» على حد تعبير صحيفة الواشنطن بوست – استقبل البابا كاردينال الكنيسة في بوسطن برنارد لو الذي يصر على عدم إدانة القساوسة المتهمين ويفرض حمايته عليهم ويرفض تقديم الاعتذار عن تغطيته على بعضهم رغم علمه بأخطائهم!

والأدهى من ذلك أن الكاردينال «لو» كان يرقي بعضهم في سلم الكنيسة ويوليه مناصب أعلى رغم علمه بماضيهم، ورغم حصار الإعلام الأمريكي له إلا أنه وقف بكل بساطة وقف ليسلم على البابا وهو يبتسم، وطالب مجموعة من القساوسة – في بيان لهم وجهوه إلى البابا – بإقصاء الكاردينال «لو»، وتوقع الكثيرون أن يتخذ البابا قراراً حاسماً بالنسبة له لكن شيئا لم يحدث.

الثورة المقبلة

هناك تيار محافظ في الكنيسة الكاثوليكية يقود حملة شديدة ضد التسيب الحاصل فيها، ويتزعم الكاردينال انتوني بيفيلاكوا – من فيلادلفيا – حملة التشدد، ويرى أنه إذا كان يتعين على الراغبين في الالتحاق بالكنيسة التخلي عن الزواج والإنجاب وهي أشياء فطرية فكيف تسمح الكنيسة لمن هم ضد الفطرة «الشواذ» بالالتحاق بها؟ فهؤلاء على حد قوله لا يمكنهم التخلي عن رغباتهم التي تلح عليهم رغم أنها ضد الفطرة. 

ويؤيده في الرأي المونسنيور إيوجين كلارك خوري بطريركية سانت باتريك الذي عرف عنه انتقاده الشديد «للبرلة» الكنيسة، ووصف أمريكا بأنها ربما تكون أسوأ بلاد العالم أخلاقاً، وأن ما يحدث من اعتداءات جنسية على الأطفال هو فوضى.

 وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن ٣٪ من رجال الدين المسيحي في أمريكا لديهم ميل للاعتداء الجنسي على الأطفال، وأن هذه النسبة قد تتزايد في ظل تأثير القنوات الإباحية وبرامج التسلية الجنسية.

 ولا يقتصر الأمر بطبيعة الحال على الكنيسة الأمريكية، بل يمتد إلى غيرها، ففي تقرير بثته قناة الجزيرة، من أيرلندا ووفقاً لإحصاءات معلنة فإن ٤٢٪ من النساء و٢٨٪ من الرجال تعرضوا لتحرش جنسي في مرحلة ما من حياتهم.

وقد بلغت تجاوزات الكنيسة في أيرلندا حد الاعتداء الجنسي على بعض المرضى من النساء في مستشفيات أيرلندا على أيدي كهنة المستشفى. 

على أن هناك عاملاً آخر تسبب في انعقاد الاجتماع وهو أن الفاتيكان ليس لديه الكثير من المعلومات والحقائق عن الكنيسة في الولايات المتحدة، وهذا يعني انقلاباً كنسياً بعيداً عن أعين المرجعية الكبرى في العالم المسيحي، كما يعني أن الإجراءات التي يمكن للكنيسة أن تتخذها في الولايات المتحدة لمعاقبة المخالفين من قادتها قد لا تستند إلى نصوص دينية فقط ولكنها تقع تحت تأثير عوامل الضغط الأخرى وأهمها السياسية ولعل من المفيد ذكر أن هذا المؤتمر لم يكن الترتيب له بابوياً بقدر ما كان استجابة لرغبة رعاة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة من أجل أن يحصلوا على دعم بابوي لما يرونه من إجراءات ضرورية لإصلاح صورة الكنيسة التي شوهت وما زالت تقع في دائرة الاتهام، وهذا ينال من تأثيرها السياسي الذي تراجع كما ذكرنا.

وثمة سؤال طرحه البعض ألم تكن الكنيسة والبابا قادرين على اتخاذ إجراءات عقابية ضد المخالفين من القساوسة والرهبان دون انعقاد مؤتمر عالمي بهذا الحجم؟

تراجع عالمي

من المفارقات التي تصيب المراقبين بالدهشة أنه في الوقت الذي تعاني فيه الكنيسة الكاثوليكية من تشويه سمعتها عالمياً، فإن الساسة في العالم العربي مازالوا يعلقون أمالهم عليها لكي تقوم بدور ما تجاه الاعتداءات والجرائم اليهودية في فلسطين أو حتى تجاه ما يحدث في كنيسة المهد التي هي بمثابة بقعة طاهرة بالنسبة للمسيحيين في العالم. 

الرابط المختصر :