العنوان الكوارث الطبيعية تهدد مستقبل البشرية
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1213
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 20-أغسطس-1996
الإنسان والبيئة
● الجفاف يهدد 900 مليون نسمة معظمهم في الدول الأفريقية ومناطق واسعه في أسيا وأمريكا مهدده بالخطر.
على مدى الفترة الماضية بدأت تدور أحاديث وتحركات كثيرة حول مستقبل العالم والبشرية أمام احتمالات قيام كوارث طبيعية عديدة وخطيرة في السنوات القريبة القادمة نتيجة للتغيرات الطبيعية والمناخية التي طرأت أو قد تطرأ فجأة من جهة، ونتيجة الجهد البشري من جهة أخرى، ولا أدل على هذا القلق أو التخوف الدوليين من سلسلة الندوات والملتقيات التي عقدت، والاتفاقيات الدولية التي أبرمت والبرامج والاستراتيجيات التي وضعت ودخل بعضها حيز التنفيذ منذ مدة، فما هي اهم هذه المخاوف؟ وما هي أهم مبادرات مواجهاتها وما هي حظوظ البشرية في مستقبل طبيعي ومناخي أمن ومستقر؟
يمكن اعتبار قمة الأمم المتحدة الأرض، أو «البيئة والتنمية» المنعقدة في يونيو ۱۹۹۲م بالبرازيل المحطة البارزة التي عكست تطور اهتمام المجتمع الدولي بشماله وجنوبه بقضية البيئة من حيث حجم المخاطر البيئية التي قد تستقبلها البشرية في العقود القريبة القادمة، وخاصة في الدول الفقيرة إذا ما تواصلت تفاعلات الوضع القائم الآن، فلأول مرة تقريبا تطالب الدول المشاركة في هذه القمة بإعداد اتفاقية دولية خاصة بمواجهة أسباب ونتائج المشكلة الناتجة عن «تراجع مستوى الأرض في المناطق القاحلة في البلدان الأكثر تضررًا بالجفاف والتصحر، وخاصة في إفريقيا»، وقد اتجهت الورقات الخاصة بهذه القضية إلى تعريف مشكلة «التصحر» إلى أكثر من كونها زحف الصحراء على الأراضي الخصبة إلى كونها انخفاض مستوى الأرض في المناطق القاحلة نتيجة الكوارث الطبيعية والأنشطة الإنسانية إلى الحد الذي يستحيل معه إصلاح هذه الأراضي وتحويلها إلى أراض منتجة، وبهذا تبدو هذه المشكلة مختلفة جِدًّا عن الجفاف مع أنها تتعمق أكثر بوجوده.
الأسباب والنتائج:
تفيد الدراسات الفنية والمتخصصة سواء التي قدمت خلال ندوة الأرض في سنة ۱۹۹۲م، أو التي قدمت لاحقًا في إطار الإعداد للاتفاقية الدولية حول هذه المشكلة أن أسباب هذه الظاهرة الطبيعية ناتجة أساسًا من تداخلات معقدة بين بعض المتغيرات المناخية المفاجئة، وبين بعض الممارسات الزراعية غير الدائمة، وخاصة في الدول الفقيرة، وهكذا تبدو بعض هذه الأسباب طبيعية، وبعضها الآخر بشري يمكن أن نذكر منها خاصة
1- التغيرات المناخية غير المتوقعة الناتجة إما عن أسباب غير محددة وغير منضبطة أو عن تقديرات غير دقيقة.
2- الطرق المتقطعة لاستغلال الأرض التي يتوسل بها بعض السكان الذين يناضلون من أجل لقمة العيش، حيث يعمدون إلى استغلال الموارد الزراعية والغابية والمائية أكثر من اللازم.
أما عن النتائج المترتبة على هذه المشكلة، فقد أحصت الدراسات أهمها وأخطرها، وهما الفقر والمجاعة نتيجة ضعف الإنتاج الزراعي، وندرة خشب التدفئة، وأخيرًا نقص العلف الدواب، والأخطر من ذلك فإن هذه الظاهرة تؤدي إلى مشاكل أكثر منها خطورة، منها: انعدام التنوع البيولوجي، والأزمات الاجتماعية، ولجوء الكثير من الفقراء خاصة إلى دول الجوار نتيجة الكوارث الطبيعية، وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق الحضرية نتيجة النزوح، وأخيرًا ضعف المداخيل بالنسبة للأفراد والدول، حيث يقدر برنامج الأمم المتحدة من أجل البيئة أن الخسارة في مجال الطاقة الإنتاجية على المستوى الدولي تبلغ قرابة ٤٢ مليار دولار سنويًّا، وإذا ما أضيف إلى ذلك السنوات الطويلة من الجفاف التي عرفتها بعض البلدان المتضررة وخاصة في إفريقيا تصبح النتائج أكثر كارثية، ورغم الجهود المبذولة خاصة خلال السنوات الأخيرة للتقليل من حدة هذه المشكلة، فإن المخاطر الناتجة عنها تبدو في توسع أكثر إلى درجة أن حياة قرابة ٩٠٠ مليون نسمة في العالم تبدو مهددة وخاصة في البلدان الإفريقية عرضة لهذا المشكل، والأقل قدرة على مواجهة مخاطره بدون حصولها على المساعدات الدولية في هذه المادة.
حالة خطيرة من الجفاف:
فحسب العديد من الخبراء، فإن هذا المشكل لا يزال في توسع مطرد، إذ إنه يمس الآن قرابة
سدس سكان العالم، ويعيش أغلبهم في المناطق الأكثر فقرًا في الأرض مثل البلدان الإفريقية، ففي خلال سنوات ۱۹۷۰ وكذلك سنوات ۱۹۸۰ م عرفت منطقة إفريقيا الساحلية حالة خطيرة جدًا من الجفاف أدت إلى هلاك الآلاف من الناس والملايين من الدواب، وقد دفعت هذه الكوارث الأمم المتحدة إلى الاهتمام أكثر بمخاطر وبأسباب هذه المشكلة، وتطور ذلك إلى نداء عالمي للتحرك لمواجهة هذه المشكلة الخطيرة، وزيادة عن المنطقة الساحلية في إفريقيا، تبدو مناطق واسعة من آسيا وفي أمريكا مهددة هي الأخرى بهذه المشكلة ١٠٠ بلد معني بهذه المشكلة، منها ۸۰ من البلدان السائرة في طريق النمو أغلبها في إفريقيا.
منذ ما يزيد عن العقد ظهر للعالم أن التصحر بدا يمثل مشكلة عالمية خطيرة تهدد بصفة خاصة الدول الإفريقية، وقد مثلت هذه القضية نقطة محورية في جدول أعمال قمة الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية بالبرازيل سنة ۱۹۹۲م التي أثمرت نقاشاتها ومداولاتها إقرار ما سمي بعد ذلك باتفاقية الأمم المتحدة حول التصحر في البلدان المهددة أكثر بالجفاف وخاصة في إفريقيا، فقد انتهت النقاشات بين الدول حول النص الأولي لا اتفاقية في ١٧ يونيو ١٩٩٤م، وفي أكتوبر من نفس السنة وقع على هذا النص مائة ١٠٠٠. كما صادق عليها نهائيًّا حتى الآن ۲۹ بلدًا من ضمن ۱۱۵ بلدًا الموقعين، ومن المتوقع أن تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في صيف ۱۹۹۷م مباشرة بعد أن يصل عدد الدول المصادقين عليها إلى خمسين دولة.
ويفيد نص الاتفاقية أن الهدف الرئيسي من هذه الاتفاقية الدولية هو مقاومة تراجع مستوى الأرض في المناطق القاحلة، والتقليل من نتائج الجفاف في المناطق المتضررة وخاصة في إفريقيا، وذلك من خلال اتخاذ جملة من الإجراءات الناجعة والمندمجة في كل المستويات، الدولية والقومية والجهوية والمحلية، والمدعومة بتعاون وشراكة دوليين على المستويين المالي والتكنولوجي، ويذهب الكثير من خبراء البيئة إلى أن هذه الاتفاقية تعتبر إنجازًا هامًّا في مجال التعاون الدولي فيما يتعلق بالتنمية الدائمة والمندمجة، كما أنها تمثل أيضًا مرحلة هامة ومتقدمة في وضع الالتزامات المعلنة من طرف الدول المشاركة في قمة الأرض سنة ۱۹۹۲م حيز التنفيذ وفي التعبير عن إرادة للتعاون على المستوى الدولي بهدف بلورة عملية لتنمية مندمجة ودائمة، وذلك من خلال إقرار جملة من البرامج والإستراتيجيات الناجعة، وتقدم هذه الاتفاقية توجيهات حول المبادرات والإجراءات التي يجب أن تتخذها الدول المعنية بمواجهة التصحر، فالبلدان السائرة في طريق النمو ومنظماتها المختصة مدعوة إلى جعل مشكلة التصحر قضية ذات أولوية ترصد لها الإمكانيات اللازمة وتحدد لها البرامج القومية، والسياسات التي من شأنها أن تساعد على قيام حركة شعبية لمواجهة هذه المشكلة الخطيرة «التصحر وتراجع مستوى الأرض»، أما الدول المانحة أو المساعدة، فإنها تتكفل من جهتها بتوفير الموارد المالية والدعم التقني والتكنولوجي، وخاصة في ميدان البحث العلمي الخاص بمواجهة هذه المشكلة.
وتركز هذه الاتفاقية أيضًا على التنسيق بين الأنشطة الجماعية المحلية للمنظمات غير الحكومية وكذلك للحكومات والمنظمات الدولية سواء في البلدان النامية أو السائرة في طريق النمو، ويبدو مفهوم الشراكة والتعاون مسألتين محوريتين في هذه الاتفاقية.
وزيادة عن هذه الاتفاقية فقد صدر عن الأمم المتحدة قرار يدعو الدول الأعضاء إلى اتخاذ جملة من الإجراءات المستعجلة المواجهة هذه المشكلة في البلدان الإفريقية الأكثر تضررًا، كما دعا هذا القرار حكومات الدول المتضررة إلى اتخاذ إجراءات فورية إلى حين دخول اتفاقية الأمم المتحدة حيز التنفيذ المتوقع في صيف سنة ١٩٩٧م، ويتجه بعض هذه الإجراءات إلى مواجهة المشكلة مواجهة مباشرة بإصلاح الأراضي الزراعية، ومن خلال اتخاذ جملة من التدابير الوقائية لمواجهة الجفاف كتشجير الغابات، وحماية الأشجار الموجودة، في حين يتجه بعضها الآخر إلى مواجهة المشكلة ضمن رؤية أوسع وعلى مدى بعيد بالتركيز على التعليم وتطوير المشاركة الشعبية، وبلورة أنماط بديلة للحياة.
ندوة دولية حول التغيرات المناخية:
التحرك الدولي الثاني الهام في مادة حماية البيئة من الكوارث تمثل في اجتماع ممثلين عن قرابة ١٥٠ دولة اجتمعوا مؤخرًا في جنيف ضمن فعاليات ندوة دولية حول التغيرات المناخية وخطرها على مستقبل الأرض والبشرية، وذلك في محاولة المواجهة ارتفاع درجة حرارة الأرض التي قد تكون لها تأثيرات سلبية جدًّا على الإنسانية، فقد درس ممثلو هذه الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التحولات المناخية المبرمة في سنة ۱۹۹۲ م خلال أسبوعين كاملين كيفيات مقاومة الجفاف والفيضانات والإعصارات وغير ذلك من الكوارث الطبيعية التي يمكن أن تهدد حياة ملايين البشر في العالم في المستقبل.
وفي إطار البحث عن معالجات لهذه المشكلة المحتملة تم خلال السنة الماضية إعداد وتقديم (۲۰۰۰) بحث علمي أعدها مجموعة من الخبراء المتخصصون في مادة التغيرات المناخية، وقد انتهوا بعد نقاشات طويلة إلى إثبات نوع من التأثير البشري على المناخ زيادة على التحولات المناخية والطبيعية، وقد كان من بين أهم المقترحات العلمية القليلة جدًا التي تمت بلورتها اقتراح تخفيض حجم فضلات الدول المصنعة من الغاز الكربوني ما بين ه و۲۰ في حدود سنة ۲۰۰٥ أو ۲۰۱۰ قياسًا لما كان عليه هذا الحجم في سنة ١٩٩٠م.
ويبدو واضحًا من خلال نتائج هذه الندوة انقسام الحكومات في الرأي حول أهم أساسيات هذا الموضوع، ففي الوقت الذي تطالب فيه دول الجنوب بالسيطرة أكثر على الأسباب البشرية لهذه الاضطرابات المناخية وخاصة التلوث الناتج عن التصنيع، تتجه فيه الدول الغنية أو المصنعة إلى رفض كل إجراء متشدد قد يكون له تبعات سلبية على مصالحها واقتصاداتها، وعليه ومثلما كان متوقعًا فقد احتدمت المداولات والنقاشات بين ممثلي البلدان المشاركة حول الوصول إلى إقرار نوع من الالتزام من طرف البلدان المصنعة المتهمة أكثر من غيرها بتلويث البيئة بتقليل حجم فضلاتها من الغاز الكربوني الذي سيمثل المصدر الرئيسي لتلويث الهواء بعد سنة ۲۰۰۰م، ويقضي الالتزام الحالي للدول المصنعة بعدم زيادة قيمة فضلاتها من هذا الغاز السام عن الحدود التي كان عليها في سنة ١٩٩٠م، وذلك حتى نهاية هذا القرن ويبدو أن العديد من الدول المصنعة لم يلتزم بعد بهذا الحد، وأكثر من ذلك فإنها قد اعتبرت في ندوة تقويمية عقدت حول هذا الموضوع بمدينة برلين في السنة الماضية أن هذا الحد غير كاف، ويعكس هذا الأمر تلكؤ العديد من الدول الصناعية في دعم مسالة البحث عن معالجات جماعية لهذه المشكلة البيئية الخطيرة التي تهدد الجميع، ويستوي في ذلك أغلب الدول الأوروبية المصنعة والولايات المتحدة التي يبدو موقفها من هذه القضية رئيسيًّا مع أنه قد يعرف نوعًا من التراجع نتيجة أجواء الحملة الانتخابية الرئاسية، كما يبدو دور اللوبيات الأمريكية واضحًا في الضغط في اتجاه عدم إقرار أي قرارات قد تحد من مصالحهم، وفي مقابل ذلك تقف على الجانب الآخر شركات التأمين التي تتحمل وحدها تقريبًا تبعات مالية ضخمة للتعويض عند الكوارث، وإلى جانبها يقف أيضًا مناضلو وحركات الخضر أو الإيكو لوجيين، أما عن بعض دول الجنوب وخاصة منها البلدان المصدرة للنفط، فقد أبدت أن لديها أولويات أخرى وهي تدافع عما أسمته تهديدًا لصادراتها.
رغم تأكيد الخبراء بأن مستقبل الأرض والبشرية وخاصة الفقراء، مهدد بحدوث كوارث طبيعية خطيرة فإن الدول الغنية وبعض الدول السائرة في طريق النمو لا تزال تبدي الكثير من التلكؤ في مواجهة هذه المخاطر المحتملة بما يلزمها من السرعة والحزم، الشيء الذي قد يجعل الجميع في المستقبل في موقف صعب قد يستحيل معه التدارك والإصلاح، وإذا كانت الدول القوية حتى الآن في مأمن من النتائج الكارثية لهذه الظواهر وخاصة منها الفقر والمجاعة، فهل ستستطيع هذه الدول في المستقبل إقامة سور بينها وبين المناطق المتضررة لمنع وصول المخاطر إليها؟ الجواب: طبعًا لا .. طالما أن الكرة الأرضية امتداد جغرافي واحد.
● الكوارث المتوقعة خلال القرن القادم:
فيما يلي ضبط لأهم المشاهد الكارثية التي حددها الخبراء في حالة ارتفاع حرارة الأرض إلى معدل دولي قدرة 2.5 درجة خلال القرن القادم:
1- التصحر: تكثف وبدون إصلاح أو تدارك.
2- الغابات: تغير في النباتات وارتفاع في الغاز الكربوني.
3- الفلاحة: مخاطر المجاعة وخاصة في البلدان الفقيرة.
4- السكن: ارتفاع الماء بمقدار 50 سنتيمترا في المحيطات يكون لنتائجه تهديد حياة 92 مليون نسمة.
5- الصحة: زيادة أمراض القلب وانتشار العديد من الأوبئة.