العنوان الكومنولث وروسيا.. هل يتدخلون مرة أخرى في أفغانستان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1221
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
أنهت قمة قادة بلدان رابطة الكومنولث الجنوبية وروسيا أعمالها في العاصمة الكازاخية ألما آتا في الأسبوع الماضي، بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة طارئة لبحث التطورات الأخيرة في أفغانستان والحيلولة دون تدخل أطراف خارجية في شؤونها الداخلية.
كما دعت القمة التي شاركت فيها روسيا وكازاخستان، وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرجيزيا- وتغيب عنها تركمانستان- المجتمع الدولي إلى إتاحة الفرصة أمام الشعب الأفغاني لتقرير مصيره ومساعدته في العودة إلى الحياة الطبيعية بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية المدمرة. وأكد المشاركون في قمة ألما آتا على أهمية تحصين الحدود الجنوبية للرابطة استنادًا إلى المادة الرابعة من معاهدة طشقند للدفاع المشترك التي وقعتها مجموعة من بلدان الرابطة (سبع دول) في ١٥ مايو ١٩٩٢م.
ويعود تغيب الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف عن قمة «ألما آتا» إلى نقل حرصه على صفقة القرن بين بلاده وباكستان والتي تقضي بمد خط أنابيب الغاز الطبيعي التركماني إلى الأراضي الباكستانية والذي يبلغ طوله ۱۲۰۰ كيلو متر بتكلفة إجمالية تصل إلى ٢٠ مليار دولار ويمر عبر الأراضي الأفغانية، وفي المقابل أظهرت قمة ألما آتا التباين الكبير في وجهات نظر المشاركين فيها تجاه الأحداث الأفغانية، حيث قلل سكرتير مجلس الأمن القومي في كازاخستان من مخاطر طالبان، أو تهديدها للأمن القومي لبلدان الرابطة.
غير أن الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف هدد باتخاذ الإجراءات المناسبة والرادعة في حالة تهديد «طالبان» لأمن بلدان الرابطة المجاورة لها «طاجيكستان وأوزبكستان» وأشار إلى أهمية العمل على وقف الحرب الأهلية في أفغانستان. أما رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشير نو ميردن الذي شارك في القمة نيابة عن الرئيس الروسي يلتسين فقد أشار إلى أن موقف روسيا وحلفائها داخل الرابطة تجاه الأحداث الأفغانية يتوقف على مواقف الدول الأخرى خاصة الولايات المتحدة وباكستان، في إشارة واضحة إلى الرفض الروسي للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لأفغانستان وبدوره اعترف الرئيس الأوزبيكي إسلام كريموف بدعم بلاده للجنرال الأوزبيكي عبد الرشيد دوستم وأكد تزويد أوزبكستان له بالمساعدات الإنسانية (الأدوية والمواد الغذائية) واعتبر الرئيس الأوزبيكي إسلام كريموف المقاطعات الشمالية الست الأفغانية الواقعة تحت سيطرة الجنرال دوستم عمقًا استراتيجيًّا للأمن القومي لأوزبكستان.
في هذه الأثناء دعا البرلمان الروسي في بيان له حول الأحداث الأفغانية إلى فرض المقاطعة الدولية والحظر الجوي وحظر توريد الأسلحة إلى أفغانستان وتجميد حساباتها في البنوك الأجنبية لإرغام «كابل» على احترام حقوق الإنسان. غير أن مجموعة النواب الديمقراطيين داخل البرلمان الروسي انتقدت بشدة دعوة الجنرال ليبيد. إلى التدخل في الأحداث الأفغانية أو تقديم الدعم المادي أو المعنوي للمعارضين لحركة طالبان من أمثال أحمد شاه مسعود والجنرال عبد الرشيد دوستم وحذرت من مغبة انجرار روسيا من جديد في الحرب الأهلية الدائرة في أفغانستان. وكانت قمة ألما آتا قد انعقدت بمبادرة من الرئيس الروسي يلتسين- الذي يواصل الاستجمام في مستشفى الكرملين استعدادًا لاجراء عملية جراحية لتغيير بعض شرايين القلب- لبحث التطورات الأخيرة في أفغانستان والحيولة دون تأثيرها على الأوضاع الأمنية في منطقة آسيا السوفييتية السابقة وروسيا، نظرًا لوجود أكثر من ۲۰ مليون مسلم فيها، وأيضًا لوجود العديد من القضايا العرقية والنزاعات الدينية. واقترنت دعوة الكرملين بعقد قمة «ألما آتا» الأخيرة بالتحذير من مخاطر أفغانستان الإسلامية الموحدة على الأمن القومي الروسي وأمن بلدان رابطة الكومنولث الجنوبية. واعتبر المراقبون دعوة الرئيس الروسي لعقد القمة الطارئة للدول المعنية في بلدان الرابطة لبحث الأوضاع الأفغانية، ودعوة الجنرال ليبيد بتقديم العون للمعارضة الأفغانية بمثابة التدخل الفظ في الشئون الداخلية لأفغانستان.
إن المبررات الرسمية التي ساقها الكرملين لتبرير التدخل الثاني- كان التدخل الأول في ديسمبر عام ١٩٧٩م لدعم حكومة حفيظ الله أمين الشيوعية التي استولت على الحكم بعد الإطاحة بالزعيم الشيوعي الآخر نور الدين تراقي- في أفغانستان غير كافية لإقناع الرأي العام في روسيا، فما زالت ذكريات الحرب السوفييتية هناك- وأيضًا الحرب الروسية الأخيرة في الشيشان- تجلب القلق لآلاف من الروس الذين فقدوا ذويهم في هذه المغامرات المجنونة. كما أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل من دعاوى الكرملين للتدخل الروسي الجديد في أفغانستان مجرد شعارات للاستهلاك المحلي. حيث الوضع المتردي للقوات المسلحة الروسية والصراع الضاري على السلطة بين المجموعات المتنافسة والأزمة الاقتصادية الخانقة والمواجهة المستعرة بين البرلمان والسلطة التنفيذية في ظل استمرار مرض الرئيس يلتسين والمطالبة بعرضه على لجنة طبية محايدة لتقرير حالته الصحية تمهيدًا لعزله عن منصبه وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
وعلى صعيد آخر، توصل وزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف أثناء لقائه بالرئيس الطاجيكي إمام علي رحمانوف على هامش قمة ألما آتا الأخيرة، إلى اتفاق يقضي باستضافة موسكو لمؤتمر المصالحة الوطنية بین دوشامبيه الرسمية والمعارضين الطاجيك بزعامة توراجان زادة. ويرمي مؤتمر المصالحة الطاجيكية- الطاجيكية إلى التوصل لاتفاق شامل ينهي الحرب الأهلية التي عصفت بطاجيكستان طوال السنوات الخمس المنصرمة والتي أعقبت استقلالها عن الاتحاد السوفييتي السابق في ديسمبر عام ١٩٩١م. وفي الوقت الذي دعا فيه إلى تعزيز حماية الحدود الطاجيكية مع أفغانستان وزيادة التواجد العسكري لقوات حفظ السلامة التابعة لرابطة الكومنولث شدد وزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف على أهمية إدخال الإصلاحات السياسية التي تكفل مشاركة المعارضة الطاجيكية في إدارة شؤون طاجيكستان بوصفها- أي الإصلاحات- الطريق الوحيد لإنهاء الحرب وإنجاز المصالحة الوطنية.