; الكيان الصهيوني - نتنياهو على الكرسي البابوي | مجلة المجتمع

العنوان الكيان الصهيوني - نتنياهو على الكرسي البابوي

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 31-مارس-1998

لنا أن نتساءل عن سر هذا التسابق والتزاحم العالمي على خطب ودّ اليهود على الرغم من أنهم لم يظهروا حسن نواياهم تجاه القضايا والنزاعات التي هم طرف فيها، وعلى الرغم من أنهم سبب كثير من المصائب والكوارث التي حلت وتحل بهذا العالم، إن المتابع لهذه الظاهرة لابد أن يلحظ وجود قوة خفية لإخضاع شعوب العالم ، «قد تكون السحر الذي يمارسه اليهود ويدمنون عليه».

ومما ساعد على زيادة الحركة عند البوابة الصهيونية قناعة كثير من الحكومات ومنها للأسف حكومات عربية ومسلمة أن الطريق إلى قلب البيت الأبيض، القوة العالمية الوحيدة في هذا العقد يمر عبر البوابة اليهودية. 

على أن أكثر ما يلفت النظر في هذه الحركة محاولات تقديم صكوك غفران دينية وتاريخية لحثالة بشرية كتب عليها رب العزة الذلة والمسكنة والغضب إلى يوم القيامة.

وفي هذه المحاولات برزت حاضرة الفاتيكان شاهد زور على التطبيع العالمي مع اليهود من أجل رفعهم إلى واجهة البشرية وتبرير جرائمهم على مر التاريخ وبخاصة ضد الأنبياء، صفوة خلق الله من البشر.

لقد اتسمت سياسة بابا الفاتيكان الحالي- البولندي الأصل- يوحنا بولس الثاني منذ تنصيبه على الكرسي البابوي عام ۱۹۷۸م بتبديل المواقف بل قلب أسس العقيدة الكاثوليكية استرضاء للحكومة الإسرائيلية، وهو أمر يثير الريبة خصوصًا أنه أول بابا في تاريخ الفاتيكان يعلن تلك المواقف رسميًّا، أول تلك التبدلات كان إعطاء اليهود صكوك براءة من دم المسيح عليه الصلاة والسلام مع أن أساس عقيدة الكاثوليك وغيرهم من النصارى قائم على جدلية صلب اليهود لنبي الله عيسى عليه السلام، ولسنا في وارد تفنيد صدقية تلك الصكوك، ففي عقيدتنا المسلمة أنهم ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾(سورة النساء:157)، وإذا ما أعدنا توصيف الجريمة التي ارتكبها اليهود بحق السيد المسيح فهي شروع في القتل أو في الصلب مع سبق الإصرار والترصد لم يستطع معه المجرمون اليهود إكمال جريمتهم لسبب خارج عن إرادتهم وهو رفع الله سبحانه وتعالى للمسيح إليه.

على أن تبرئة اليهود من تلك الجريمة عدا كونها تزويرًا للتاريخ وتحريفًا للعقيدة النصرانية، كما يؤمن بها النصارى الآن بغض النظر عن حقيقة تحريفها من قبل بولص اليهودي الأصل، لا يمكن إلا اعتبارها إذلالًا وإخضاعًا لأعلى سلطة دينية نصرانية في العالم عن طريق نبش التاريخ وشطب صفحات من كتاب العهد الجديد، وفيما عدا ذلك فهي لا تغير من حقيقة عدوانية الصهاينة، ومن حقيقة احتلالهم لفلسطين ومصادرة أراضيها ومقدساتها وتشريد أهلها. 

الفاتيكان أقام علاقاته الدبلوماسية مع دولة الاغتصاب اليهودية في ٣٠ ديسمبر عام ١٩٩٣م بعد توقيع ما سمي بالمبادئ التي تنظم العلاقة الدبلوماسية بين الطرفين بعد زوال العقبات الشكلية والنفسية التي كانت تمنع ذلك بعد أن وقع بعض العرب على معاهدات سلام مزعوم مع الدولة الغاصبة، وقام الفاتيكان بمنح اليهود صك براءة آخر من حقيقة احتلالهم للقدس بتوقيع اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية أوائل هذا العام لتنظيم «الوضع القانوني» للكنيسة الكاثوليكية وممتلكاتها في القدس العربية المحتلة وهو ما يعتبر تغييرًا في موقف الكنيسة الرسمي من مسألة القدس وعروبتها.

أما ثالثة الأثافي في مواقف الفاتيكان المعلنة من الاحتلال اليهودي لفلسطين فكانت يوم الاثنين ۱۷ مارس الجاري عندما أعلن الفاتيكان عن وثيقة بعنوان «نحن نتذكر: تأملات في المحرقة»، وهي الوثيقة التي جاءت في عشر صفحات بعد أربع سنوات من الإعداد والصياغة، وفيها اعتذار لليهود عن تقصير بعض النصارى في تقديم المساعدة لليهود المضطهدين وعن مذابح الهولوكست التي ارتكبها هتلر ضدهم، وفيها اعتراف بمعاناة اليهود، الوثيقة أعدتها لجنة كهنوتية برئاسة الكاردينال إدوارد إدريس كاسيدي، ويقال إنه من أصل يهودي، وكانت هذه اللجنة قد كلفت عام ١٩٩٤م بدراسة العلاقات الدينية مع اليهود.

بهذه الوثيقة حقق اليهود هدفهم، وهو استدراج الكنيسة الكاثوليكية إلى تصديق الكذبة اليهودية حول مذابح ارتكبها أحد أبناء الديانة النصرانية بحق «ملايين» اليهود مما يعني أحقية اليهود، وممثلتهم الدولة الصهيونية في طلب تعويضات مالية خيالية، إضافة إلى جذب المواقف السياسية لصالح الدولة اليهودية تحت عقدة الذنب التي باتت تعاني منها الكنيسة الكاثوليكية بعد إعلانها الوثيقة المذكورة. 

الكنيسة الكاثوليكية التي أعربت عن عميق ألمها إزاء الأخطاء التي ارتكبها أبناؤها في جميع العصور وخصوصًا تجاه اليهود، لم تعلن عن آسف مماثل عما اقترفته من تقصير تجاه الفلسطينيين وتجاه أتباعها منهم على وجه الخصوص، كما لم نسمع منها موقفًا حازمًا من الهولوكست اليومي الذي تقترفه سلطات الاحتلال اليهودي ضد الشعب الفلسطيني ومقدساتهم بل ضد ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية نفسها في مدينة القدس العربية المحتلة.

وقد طلبت الكنيسة الكاثوليكية الغفران للأخطاء التي ارتكبها أعضاؤها بحق اليهود معتبرة أن المحرقة التي أقامها هتلر لليهود كانت «من عمل نظام وثني جديد ليس له علاقة بالنصرانية».

اليهود لم تعجبهم الوثيقة بالطبع، فهم يريدون من الفاتيكان ومن العالم كله رمي أنفسهم على حائط مبكاهم، ويريدون من البابا تحمل مسؤولية حرق نصف مليون يهودي تضخموا إلى ستة ملايين ضحية، كل ذلك على الرغم من أن هتلر لم يكن تابعًا للكنيسة الكاثوليكية، فلماذا يعتذر الفاتيكان عن جريمة لم يقترفها هو ولا أحد من أتباعه.

لقد نجح الصهاينة في تطويع الموقف الغربي من مدنيًّا وسياسيًّا وكنسيًّا من مسألة مذابحالهولوكست ضد اليهود، وابتزوا منهم ولا يزالون مليارات الدولارات التي لولاها لما قامت لدولة العدو قائمة، واستطاعت جماعات الضغط اليهودية في أوروبا وأمريكا حمل الحكومات الغربية على سن تشريعات وقوانين تعاقب كل من يحاول التشكيك بحقيقة مذابح الهولوكست التي ارتكبها هتلر ضدهم تحت طائلة المحاكمة والسجن والغرامات الباهظة مثلما حدث مع المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي شكك بصدق أرقام ضحايا تلك المذابح، وهكذا تحت ضغط عقدة الذنب التي خلقتها ماكينة الإعلام الغربي الخاضعة لسيطرة اليهود، ونتيجة تأثير ونفوذ جماعات الضغط الصهيونية داست حكوماتالغرب على دساتيرها التي تكفل حرية الرأي والتعبير والتفكير لتستثني من هذه الحرية كل ما يمكن أن ينغص حياة اليهودي أو فضح أكاذيبه.

لقد باتت وصمة «معاداة السامية» هاجسًا يسيطر على كل كتّاب الغرب وصحفييهم عند تناولهم الشأن الصهيوني بعد أن سيطر اليهود على وسائل الإعلام الغربية، وعلى المحاكم الغربية وهاهم الآن يزحفون إلى الكرسي البابوي بكلثقة واقتدار.

لن يكون غريبًا إذا ما اعتلى نتنياهو يومًا هذا الكرسي، فتاريخ الفاتيكان يشير إلى أن عددًا من الباباوات الذين جثموا على ذلك الكرسي يعودون لأصول يهودية.

الرابط المختصر :