العنوان الكيان الصهيوني والبابا الجديد: هل يدير اليهود الفاتيكان؟
الكاتب أسامة عبدالحكيم
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1649
نشر في الصفحة 22
السبت 30-أبريل-2005
- الماسونيون تمكنوا من التحكم في مفاتيح الفاتيكان لدرجة أن تعيين الكرادلة لم يكن يتم إلا بموافقتهم.
طوى رحيل البابا يوحنا بولس الثاني صفحة مهمة جدًا في تاريخ العلاقات بين الفاتيكان واليهودية، ويتساءل المراقبون: كيف ستكون سياسة البابا الجديد بينيدكت السادس عشرة وما الدور الذي سيلعبه في مجال العلاقات مع الديانة اليهودية والكيان الصهيوني؟
مرت العلاقات بين الفاتيكان والديانة اليهودية بمرحلتين أساسيتين، كان قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨ الحد الفاصل بينهما، وبدأت محاولة إقامة علاقات بين الطرفين أوائل القرن العشرين، ففي بداية ذلك القرن وبعد إعلان المؤتمر اليهودي العالمي -الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام ۱۸۹۷- خطة لإقامة الكيان الصهيوني قام تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية بزيارة للفاتيكان وعقد لقاء على انفراد مع البابا بوب بيوس العاشر، وقد طلب هرتزل خلال ذاك اللقاء الذي عقد بتاريخ ٢٥ يناير من عام ۱۹۰٤ تأييد البابا لإقامة الكيان في فلسطين، لكن البابا رفض ذلك الطلب بصورة قاطعة وأعلن أن عدم اعتراف اليهود بالمسيح ورسالته يؤدي إلى عدم اعتراف الفاتيكان بالشعب اليهودي، جاء هذا الكلام بعد أن نصح وزير خارجية الفاتيكان البابا بقوله: «طالما لم يعترف اليهود برسالة المسيح فإنه لن يكون بإمكان المسيحيين الموافقة على عودة اليهود إلى فلسطين».
وفي ذلك الوقت كان الاعتقاد السائد عند الكاثوليك: أن الله قد طرد اليهود من فلسطين لأنهم لم يؤمنوا بالسيد المسيح وساهموا في صلبه- حسب زعمهم وما (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ) (النساء: 157)، كما أن الله دمر هيكلهم وشردهم في الأرض يلقون سوء العذاب أينما حلوا للذنب نفسه، وبعد صدور وعد بلفور (۱۹۱۷) القاضي بإقامة الكيان الصهيوني أعرب الكاردينال بييترو غاسباري عن خوفه من ذلك، مصرحًا بأن «الخطر الذي يخيفنا أكثر من غيره هو إقامة دولة لليهود في فلسطين».
وقد حاول اليهود بعد ذلك اختراق أسوار الفاتيكان والتحكم به من الداخل، ويقول مختصون بشؤون الفاتيكان إنه بعد انتخاب الكاردينال جوزيف سيري بابا للفاتيكان عام ١٩٥٨ تدخلت قوى ماسونية وأخرى صهيونية وقامت بتنحيته بعيد فترة وجيزة من انتخابه. واستطاعت هذه القوى إيصال الكاردينال أنجيللو روشاللي الذي عرف بجون الثالث والعشرين للكرسي البابوي، كما استطاعت هذه القوى إيصال البابا باول الرابع الذي تعود أصوله إلى عائلة مونتينيس اليهودية. وخلال عهد باول الرابع تمكن الماسونيون من التحكم في مفاتيح الفاتيكان لدرجة أن تعيين الكارادلة لم يكن يتم إلا بموافقتهم.
وقام البابا باول السادس عام ١٩٦٤ بزيارة للضفة الغربية اعتبرتها الأوساط «الصهيونية» زيارة «لإسرائيل».
ويعتبر عام ١٩٦٥ نقطة تحول بارزة في تاريخ العلاقات بين الفاتيكان والديانة اليهودية ففي ذلك العام انعقد المجمع الكنسي الثاني للفاتيكان. وأصدر المجمع وثيقة حملت عنوان Nostra Aetate أي في العصر الحالي، أكد فيها خلود العهد المقدس الذي وعده الله لليهود، كما جاء في الوثيقة أن معاداة السامية خطيئة دينية بحق الإله والبشرية، وقد برأت الوثيقة اليهود من صلب المسيح، كما نصت الوثيقة على أن العلاقة بين اليهودية والكنيسة الكاثوليكية علاقة فريدة حيث إن أصول الديانة المسيحية تعود لجذور يهودية.
وفي العام ۱۹۷۸ تم انتخاب كارول جوزيف ووجتيللا -البولندي الأصل- بابا جديدًا للفاتيكان بعد الوفاة المفاجئة للبابا لوشياني والذي عرف ببول الأول وحمل البابا الجديد اسم يوحنا بولس الثاني.
هل كان البابا الراحل يهوديًا؟
يختلف متابعو سيرة يوحنا بولس الثاني حول حقيقة ديانته، وهل كان يهوديًا أم مسيحيًا كاثوليكيًا! ولكن لا يختلف هؤلاء المراقبون في حقائق أساسية منها ما يقوله أقرباء للبابا يوحنا بولس الثاني، نجوا من الهولوكست من أن والدته التي توفيت -وله من العمر تسع سنوات- كانت يهودية، وأنه بعد وفاتها تربى عند جيران له من اليهود حيث كان والده عسكريًا يقضي وقتًا طويلًا خارج منزله، كما أنه «البابا» كان أحد أعضاء فريق يهودي لكرة القدم ولعب عدة مرات ضد فريق الكنيسة الكاثوليكية في منطقة سكنه، ويعتبر جيرزي كلوغير اليهودي البولندي وابن حاخام الكنيس حيث كان يقيم البابا في بولندا، أحد أقرب أصدقائه، وكان كلوغير ضيف شرف على حفل عشاء تنصيب البابا وزائرًا دائمًا له في مقر إقامته الصيفي في قلعة غاندولفو، وقد لعب جيرزي هذا دورًا بارزًا في العلاقات بين البابا وقادة الكيان الصهيوني، وأخيرًا فإن أشهر كتاب سيرة حياة البابا تادسوليك، بيرنيشتاين وجورج وديجل هم من اليهود، وكانوا يكيلون له المديح في كل ما كتبوه عنه.
خدمات جليلة:
سواء كان يوحنا بولس الثاني يهوديًا أم لا، فإنه قام بما لم يقم به أسلافه مجتمعين تجاه اليهود والكيان الصهيوني.
فقد حول البابا يوحنا بولس الثاني ما جاء في الوثيقة الصادرة عن المجمع الفاتيكاني عام ١٩٦٥ إلى برنامج عمل، وكان يدعو في حله وترحاله إلى طي صفحة الماضي في العلاقات مع اليهود وفتح صفحة جديدة، كما كان يصف كلام الإنجيل عما يسمى بصلب المسيح بأنه تفسير ظالم واتهام في غير محله.
وفي عام ۱۹۸٥ قال البابا لوفد من يهود أمريكا قام بزيارته في الفاتيكان «إنه سعيد لأن العلاقات بين اليهود والمسيحيين قد تحسنت بشكل جذري خلال السنوات المنصرمة»، وفي ١٣ أبريل من عام ١٩٨٦ كان أول بابا يدخل كنيسًا يهوديًا في العصور الحديثة، ووصف الحاخام اليو توواف -حاخام روما- تلك الزيارة بأنها «الحدث الأهم في ذلك العام وسيبقى الناس يذكرونها آلاف السنين في المستقبل».
وفي ۲۹ يوليو ۱۹۹۲ تشكلت لجنة ثنائية دائمة وعلى مستوى عال لبحث إمكانية إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين.
وخلال عهد البابا يوحنا بولس الثاني أعيدت العلاقات بين الفاتيكان و«إسرائيل» وذلك بتاريخ ٣٠ ديسمبر عام ۱۹۹۳، وذلك خلافًا لنصائح أغلبية الدبلوماسيين في الفاتيكان الذين رفضوا إقامة مثل هذه العلاقات، وبعدها بسنتين طلب البابا من ممثلي الديانة اليهودية المغفرة على كل ما لحق بهم من أذى على يد الكاثوليك على مدى التاريخ، وكرر البابا طلب المغفرة ثانيًا من اليهود على الوحشية التي عامل بها الكاثوليك اليهود.
وقام البابا عام ۲۰۰۰ بزيارة للأراضي المحتلة اجتمع خلالها مع قادة الكيان الصهيوني وزار نصب ضحايا الهولوكوست و«حائط البراق» المسمى زورًا بـ«حائط المبكى».
وفي بداية هذا العام اجتمع البابا مع ١٦٠ حاخامًا يهوديًا ووعدهم بأن يتم الاحتفال هذا العام بالذكرى الأربعين الإعلان المجمع الكنسي في الفاتيكان- تعزيز الحوار مع اليهود، وشكر هؤلاء الحاخامات الذين ينتمون المؤسسة تعبيد الطريق البابا على جهوده المضنية لإعادة اللحمة بين أبناء المعتقدين اليهودي والمسيحي. وفي الوقت نفسه، اجتمع مع كبيري الحاخامات الإسرائيليين على انفراد وأكد لهم نيته تحسين العلاقات بين الفاتيكان والكاثوليكية عمومًا، وكان البابا يحرص في زياراته الدولية على لقاء زعماء الجاليات اليهودية في الدول التي يزورها.
وقام البابا يوحنا بولس الثاني بإعادة مخطوطات يهودية من أرشيف الفاتيكان للطائفة اليهودية في روما، ومنحها عدة أبنية الإقامة متحف يهودي في العاصمة الإيطالية.
وقد امتدح الحاخام جاك بيمبوراد - مدير مركز التفاهم بين الأديان- البابا يوحنا بولس الثاني «الذي رعى جهود المجمع الفاتيكاني الثاني للقيام بخطوات مهمة للغاية لتأسيس علاقات جديدة مع اليهود»، وقال بيمبوراد إن التاريخ سيسجل للبابا يوحنا بولس الثاني أنه كان راعيًا عظيمًا للعلاقات بين الكاثوليك واليهود.
من جهته فقد وصف أربيل شارون البابا يوحنا بولس الثاني بأنه رجل سلام وصديق لليهود دفع باتجاه التقارب بين «إسرائيل» والفاتيكان، فيما وصفه الحاخام إسرائيل مئير لاو بأنه أكثر من خدم إسرائيل بعد البابا جون الثالث والعشرين.
لم يسامح اليهود البابا يوحنا بولس الثاني -رغم كل ما قام به من أجلهم- وذلك بسبب موقفه الصامت من البابا بيوس الثاني عشر خلال الهولوكوست، فقد رفض يوحنا بولس الثاني إدانة تنصير بعض الأطفال اليهود الذين التجؤوا إلى الكنائس خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وامتنع البابا عن إعادة المفتاح الذهبي الذي يقول اليهود إنه مفتاح المعبد وأن الرومان قد أخذوه بعد هدمه، كما أن البابا رفض إدانة فيلم «آلام المسيح» الذي يعتبره اليهود معاديًا للسامية.
ستضم أجندة عمل البابا الجديد هذه المآخذ بلا شك، وستكشف الأيام القادمة ما إن كان سيقوم بتنفيذها وينال شهادة حسن سلوك كسلفه، أم لا؟
شدد على رفض انضمام تركيا لأوروبا:
البابا الجديد يشيد باليهود ويتجاهل المسلمين:
في قداس تنصيبه يوم الأحد الماضي ٢٤/٤/٢٠٠٥م بساحة القديس بطرس بروما أشاد بابا الفاتيكان الجديد بنيدكت السادس عشر بما أسماه «الإرث الروحي المشترك بين المسيحيين واليهود»، غير أنه لم يشر مطلقًا إلى المسلمين أو الإسلام. وعبر البابا الجديد في القداس الذي حضره ٥٠٠ ألف شخص يتقدمهم قادة ثلاثين دولة من مختلف أنحاء العالم عن تقديره لمن وصفهم بـ«إخوته وأخواته من اليهود والإرث المتجذر معهم فيما أسماه بـ«وعود الرب الأبدية» والإيمان المشترك» واكتفى في المقابل بتحية ممثلي الديانات الأخرى الذين حضروا القداس قائلًا: «أحييكم أيها الإخوة من الشعب اليهودي، وكذلك الرجال والنساء المؤمنين منهم وغير المؤمنين على حد سواء»، وذلك دون أن يشير في كلمته إلى ذكر المسلمين أو الحوار مع الإسلام، الذي كان من أهم القضايا التي نادى بها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي توفي يوم ٢ أبريل ۲۰۰٥.
جدير بالذكر أن هذه الإشادة هي الثانية لبابا الفاتيكان الجديد باليهود خلال أيام، حيث أرسل بعد انتخابه الثلاثاء ١٩/٤/٢٠٠٥م برسالة إلى حاخام روما تعهد فيها بتعزيز حوار الكنيسة الكاثوليكية مع اليهود.
والكيان الصهيوني من جهته كان قد رحب في وقت سابق بانتخاب جوزيف راتسينجر «۷۸ عامًا» بابا للفاتيكان، مشيرين إلى أنه هو الذي قاد عملية التقارب بين الفاتيكان والشعب اليهودي في فترة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، وأعرب مراقبون عن تخوفهم من ابتزاز الجماعات اليهودية للبابا الجديد باستغلال انتمائه في شبابه بألمانيا إلى «الشبيبة النازية» ما بين عامي ١٩٤١ و١٩٤٤، بالرغم من أنه أكد في أكثر من مناسبة أنه انتمى لمنظمة الشباب الهتلري إجباريًا ككل الشباب الألماني في تلك الفترة، وأن عائلته معروفة بمعارضتها للنازية منذ البداية.
جدير بالذكر أن البابا الجديد يعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إذ قال في حوار له العام الماضي مع صحيفة «لو فيجارو الفرنسية»: «على أنقرة أن تسعى إلى الانضمام للدول الإسلامية وليس لأوروبا ذات الجذور المسيحية».