العنوان اللحظات الحرجة
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 2017
نشر في الصفحة 52
الجمعة 07-سبتمبر-2012
انطلق الابن البار في رحلته تصحبه سلامة الله وتغمره دعوات أمه الحنون
الحقيقة الكبرى أننا جميعًا عما قريب من محطة دنيانا مقلعون وفي موعدنا المقدر مسافرون ولأحبابنا مفارقون
حمدت الله تعالى أن يسر لولدها عملًا يحبه وشكرته سبحانه أن وهب لها من النعم الكثير من وسائل الاتصال به
حبست دموعها في مقلتيها حباً وإشفاقاً على فلذة كبدها أن يتأثر وكتمت آهاتها أن تخرج لتنبئ عما يعتلج في صدرها من لوعة، وأخفت مشاعرها تحت غطاء قلبها خشية الظهور أمام ابنها البار العطوف، الذي يمتلئ قلبه حبا ورحمة وشفقة ووداداً وإيثاراً لكل الناس من حوله، وها هي الآن رغما عنها تلتزمه وتضمه إلى حضنها وتغرقه بوابل من القبلات التي امتزجت بدعوات الرحمة والحفظ والتثبيت في رحلته هذه إلى تلك البلاد النائية، حيث الأدغال وشدة الحرارة التي تذيب جليد المشاعر حين تذكر بفيح جهنم، أو حيث الصقيع والجليد الذي تتجمد معه أيضاً مشاعر الأنانية وحب الذات حين ينبئ عن زمهرير جهنم، وكلا المشهدين أو أحدهما كفيل بإظهار هذه المشاعر.
لقد أحست، وهي تودعه في هذه اللحظات الحرجة، أن قلبها قد طار منها، لكنها أيقنت أن رحمة الله واسعة وهو أرحم الراحمين فاستودعته من يحفظ الودائع ويباركها ويزيدها وينميها، وهو خير الحافظين، وإذا بالكلمات الطيبات تنطلق «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك»، «زودك الله التقوى وغفر لك ذنبك ويسر لك الخير حيثما كنت».. وإذا بالوصايا والتذكرة التي تنفع المؤمنين.. عليك بالقرآن.. لا تنس الأذكار والدعاء.. الأخلاق الأخلاق. وانطلق الابن البار في رحلته تصحبه سلامة الله وتغمره دعوات أمه الحنون.
نشأة طيبة
وعادت بها ذكرياتها إلى الوراء حيث كان طفلا رضيعا نشأ على معرفة الله عز وجل ورضع حبه مع لبن أمه، وتفتق لسانه على آياته البينات، فصار فصيحاً متكلماً، كل ذلك بفضل الله، وما أكثر الأيام التي كانت تسهر فيها على راحته خاصة عندما يصاب بالبرد ونزلاته التي تكثر في فصل الشتاء القارس، وها هو يمسك بالقلم ليتعلم حرفا حرفا من لغة القرآن العظيم، ليدخل المدرسة وهو متقن للغته نطقا وكتابة وقراءة .. سارت بذاكرتها معه، وهي تلازمه حيث النجاح خطوة خطوة حتى تنقل من مرحلة لأخرى بتفوق على أقرانه بفضل الله عز وجل، إلى أن وصل إلى مستوى لا بأس به من العلم علم الدين والدنيا معا والحق يقال: إنه ما كان يوما أنانيا، بل لقد زرع الله في قلبه حب الخير منذ أن كان طفلا صغيرا ، وله مواقف ومشاهد تؤكد ذلك الخلق النبيل فيه، وكثيراً ما كانت الأم تعوذه؛ «أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وترقيه من عينها قائلة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله .. ثم تحصنه بالمعوذتين.
وهي لا تزكيه على الله - وها هي الآن تتعلم منه دروسا عدة في فن الحياة والتعامل مع الآخر دون النظر إلى جنس أو شكل، ودون التعصب لبلد أو لون، إذ تسأله عن المكان الذي يحب العمل فيه، فيجيب بكل حب وشفقة أن مكانه حيث يفيد الآخرين وحيث ينفع بني الإنسان في أي مكان على الأرض وفي أي بقعة منها !
مشاعر فرح
اختلطت المشاعر، وترددت في نفسها وفعلت ما لم تفعله مشاعر الفرح والسرور وإن لها في القلوب الموقعاً، وإنها للحظات على قلتها إلا أنها تحفر في الذاكرة وتنقش في الوجدان ما لا تمحوه الأيام.
حمدت الله تعالى أن يسر لولدها عملاً يحبه، وشكرته سبحانه أن وهب لها من النعم الكثير من وسائل الاتصال به مما يجعلها تحادثه صوتا وصورة متى أرادت وتراسله على البريد في لمح البصر، لكنها تمنت من أعماق قلبها أن تمر أيام عمله تلك على خير حال وبأسرع وقت لتلتقي به من جديد في بيت واحد حيث تنعم بقربه منها وقربها منه. تذكرت في غمرة هذه الأمنية حال كثير من المحبين حين يفتقدون أحبابهم، فلا يستطيعون رؤيتهم، وهم ما زالوا يعيشون مثلهم في عالم الأحياء، يمنعهم عن اللقاء أسباب كثيرة وإن تفاوتت واختلفت، فقد تحجز بينهم أسلاك حديدية شائكة، وتفرق بينهم حدود مصطنعة فاتكة صنعها الإنسان في وجه أخيه الإنسان في غياب المشاعر وموت الأحاسيس، وفي وجود الأنانية وحب الذات ومع استساغة الظلم وسلب الحقوق، وفي ظل امتهان الكرامة والتغافل عن الواجبات، وبدافع التفرقة والعنصرية والتعصب والتطرف ضد جنس دون جنس ودين وآخر، وعند ضياع القيم والأخلاق الإنسانية، وانتهاك الحرمات ونقض المواثيق الدولية التي تحرم القتل والسلب والنهب والاحتلال.. تمنت في لحظتها تلك أن تقطع هذه الأسلاك وتذهب بشوكتها وشوكها وتزيل تلك الحدود وتطمسها وتدعو لفتحها وتعجبت من هذه المشاعر القاسية التي تنأى عنها أخلاق الرجال.
انهيار السدود
رأت في هذه اللحظات الحدود، وهي تمحى والمعابر وهي تفتح والسدود وهي تنهار، فيندفع من وراءها من المحتجزين كالسيل الجارف الذي يجرف معه الزبد بعيدا بعيدا ... رأت الأمهات وهن يجرين ويهرولن، والآباء وهم يلتزمون أبناءهم فيمطرونهم بوابل من القبلات الحارة ويقيدونهم بحبال من الأحضان الدافئة ويغسلونهم بدموع الشوق المرطبة .. رأت الأطفال وقد أتوا من وراء هذه الحدود وقد صاروا رجالا ونساء، وهم يلثمون أيدي آبائهم وأمهاتهم وقد أضحوا شيبا .. رأت الأرض وقد ارتوت بدموعهم جميعا، وأنبتت حبا ورأفة ورحمة بعد أن نزعت من تربتها الأسلاك الشائكة ودمرت.
ألقت بنظرها إليهم مرة بعد مرة، فرأت الزوجة وهي تبكي زوجها الذي افتقدته بعد أن نزع منها انتزاعاً، فلم يكتب لها اللقاء به بعد أن فرقت بينهما المسافات، وأغلقت دونها الأبواب وأقيمت في وجهها السدود، حانت منها التفاتة سريعة، فإذا بالأب وقد اغرورقت عيناه بدموع الأمل وهو يقلب نظره بين الحاضرين يفتش عن ابنه البكر الذي لم يره منذ عدة سنين وإذا بالأم تبكي وهي تبحث عن وليدها الذي تربى بعيدا عنها، فلا تعرف شكله وسط الأطفال الذين كبروا جميعهم في ظل طفولة بائسة وعيش بئيس.. وها هو الأخ يفتش بدوره عن أخته أو أخيه، والأخت التي تنقب في الوجوه لترى أختها، والابنة التي فقدت أباها أو أمها ...
لحظات الفراق
أفاقت من شرودها على دمعة ثخينة حارة سالت على وجنتيها، وتذكرت ولدها الذي ودعته في التو واللحظة، وهي تستودعه الله تعالى خير الحافظين، فازداد دمع عينها لكنها شكرت الله تعالى على نعمته، فما هي إلا شهور قليلة إن شاء الله ويعود إليها سالما غانما بفضله عز وجل، وحادثت نفسها وناجت روحها .. ألا ما أصعب لحظات الفراق، وما أقساها على نفوس الأهل والصحاب.. لكنها لا بد منها في هذه الحياة لأنها حياة دنيا، يختلط فيها الحلو بالمر والفرح بالحزن والسعادة بالشقاء، والراحة بالتعب والصحة بالمرض والغنى بالفقر، جمعت بين الضدين، ونحن نحياها بما فيها ونتقلب بين هذه الأضداد لا نستطيع فكاكا مما قدر لنا، وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل، لكن الحقيقة الكبرى أننا جميعا عما قريب من محطة دنيانا مقلعون وفي موعدنا المقدر مسافرون، ولأحبابنا حتما مفارقون، ولبيوتنا وأموالنا رغما عنا تاركون لكننا لن نقل قطار الحياة في هذه المرة لنسافر إلى بلد جميل للعمل أو السياحة، ومن ثم العودة للوطن والأهل، بل لنعيش في عالم آخر هو عالم البرزخ الذي يضم الأموات جميعا إلى أن تقوم الساعة، ولا يعلم سره إلا الله.
أما بيوتنا فإنها ستتبدل، فمن الرياش ولين الفراش إلى الثرى، ومن وسادة الريش إلى قالب طوب أو قطعة حجر، ومن سعة الدور إلى ضيق القبور، قد خلفنا وراءنا الأموال وتبدلت بنا الأحوال؛ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنِّي لَهُ الذِّكْرَى (۲۳) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ حَيَاتِي (٢٤)﴾... (الفجر)
سحائب البشرى
وتتحقق الآمال للنفوس المؤمنة، ويأتيها العزاء على فراق الأحبة، وتحل بساحتها سحائب البشرى، فلا تحزن يا من حلت بقلبك لوعة الفراق، وأحرقته حرارة المصيبة، وصقلته تجربة المحنة، وبللته أمطار البلاء.. أبشر فقد كتب لك اللقاء في دار البقاء مع من تحب، ومع أهلك وذريتك ليتم سرورك ويكتمل حبورك أبشر فالله تعالى سيداوي جرحك ويطبب المك؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتُهُمْ ذُريَّتُهُم بِإِيمان الحقنا بهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا التَنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلِّ امْرِئٍ بما كسَبَ رَهِينٌ (11) ﴾ (الطور).
أبشر، فإن حبيبك يقول لك: «إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كان لم يبلغها بعمله لتقر بهم عينه» ثم قرأ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانِ الْحَقْنَا بهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلتَنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بما كسب رهين (11)﴾، ويؤكد بشارته، فيقول: «إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده، فيقال لهم: إنهم لم يدركوا ما أدركت فيقول: يا رب إني عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به».
فيا من حيل بينه وبين أحبابه بأي طريق كان، وعلى يد أي إنسان .. أبشر.. ويامن فرق بينه وبين أصفيائه .. لا تبتئس .. فالدنيا دار الفراق أما الأخرة ، فهي دار الخلود والبقاء الأبدي مع الأحبة في الجنة حيث لا هم ولا حزن ولا ألم ولا فراق .. ﴿وقَالُوا الْحَمْدُ لله الذي أَذْهَبَ عَنَا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسَّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35﴾ (فاطر ).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل