العنوان فكر و ثقافة (1995)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 30-مارس-2012
مشاهدات 42
نشر في العدد 1995
نشر في الصفحة 44
الجمعة 30-مارس-2012
اللغة العربية. بين المطرقة والسندان
مطرقة وسائل الإعلام وسندان وسائل التعليم المتعثرة بمراحلها المختلفة.
اللغة العربية كادت تولي وجهها شطر الغرب بسبب تكالب الأعداء وتواطؤ بعض المثقفين العرب.
محيي الدين صالح
اللغة العربية جوهرة غالية، توارثناها جيلا بعد جيل، وقد حرصت الأجيال المتعاقبة على أن تسلم راية هذه اللغة لمن بعدها عالية خفاقة في كل عوالم المعرفة سواء في الثقافة أو الأدب أو العلوم المختلفة، بالإضافة إلى مكانتها الدينية التي جعلتها أسمى لغات الأرض على الإطلاق، وأجملها وأطولها عمرًا وأوضحها بيانًا، وقد فطن السابقون الأولون - من أمثال سيبويه والفراهيدي وأبي الأسود الدولي وغيرهم - إلى هذه المسألة فبذلوا الجهد العلمي المقدر لبناء دعائم قوية تتكئ عليها اللغة العربية وهي تتناقل عبر الأجيال من ناحية ثم وهي تعد الحوار الحضارات من ناحية أخرى، لكونها تحمل رسالة سماوية لكل الأمم.
إلا أن هذه الجوهرة الغالية آلت إلى ورثة لم يقدروها حق قدرها؛ لأنهم ذرية ضعفاء حتى في العلوم الإنسانية التي أسسها أجدادهم، لذلك تداعت عليهم الأمم رغم التحذير النبوي من هذا المآل، فتعرضت اللغة العربية إلى «التغريب» بكل ما تحمله
هذه الكلمة من معان.
التغريب
فإذا نظرنا إلى «التغريب» على أنه مصطلح يدل على «الاغتراب أو الغربة» كالذي نجده من خلال القول المأثور المنسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرة: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبي للغرباء»، فإن اللغة العربية قد صارت فعلا غريبة بين أهلها لا يعرفها حق المعرفة من بنيها إلا ثلة من بين المتخصصين وقليل من المثقفين، أما الأكثرية فقد صار الأمر اللغوي لا يعنيهم، وكادوا يتحللون من الروابط التي تصلهم بها».
وإذا نظرنا إلى مصطلح «التغريب» على أنه يعني التوجه نحو الغرب، كما في قول الشاعر:
أغرب نحو الرزق وهو يشرق وأقسم.. لو شرقت كان يغرب
فإن اللغة العربية كادت تولي وجهها شطر الغرب من خلال أبنائها، بسبب تكالب الأعداء من جهة، وبسبب تواطؤ بعض المثقفين العرب من «التغريبيين أو المستغربين» الذين يدورون في فلك أوروبا وأمريكا، ويريدون أن يسلموا القياد الثقافي لهم من جهة أخرى، وبذلك صارت لغتنا العربية نهبًا لدعاة «التغريب» من أولئك المنبهرين باللغات الأوروبية لدرجة الاستلاب الثقافي الذي تمكن منهم حتى النخاع، فأصبحوا معاول هدم تحاول النيل من الكيان اللغوي بدعاوى مختلفة، ولا يخفى على أحد أن الخلاف بين أصحاب التمسك بالأصالة اللغوية وبين دعاة التغريب أصبح من ذلك النوع الذي يفسد كل قضايا الود.
حوار أم صراع
وفي معترك هذا الصراع الداخلي بين أبناء الأمة العربية أصبحت اللغة العربية - «في حوار الحضارات» كما نسميها نحن أو «صراع الحضارات» كما يسميها الغرب - في وضع لا تحسد عليه، وقبل أن نصل إلى مرحلة الحوار أو الصراع مع الآخر غابت معالم كثيرة من خصوصيات اللغة ولولا القرآن الكريم لضاعت هذه المعالم تماما وأصبحت اللغة العربية كاللغة الإنجليزية التي تغيرت وتبدلت بنسبة كبيرة جدًا في غضون ثلاثمائة سنة تقريبًا، حيث صارت مفردات اللغة التي كتب بها «شكسبير» غير المفردات المتداولة الآن ولا يفهمها إلا المتخصصون هذا رغم أن عُمر اللغة الإنجليزية قصير بالمقارنة مع اللغة العربية.
خلاصة القول، أصبحت اللغة العربية بين المطرقة والسندان في كثير من الجوانب العلمية والأدبية والذاتية والإعلامية، فهي في الجانب العلمي تثن بين مطرقة الأعداء وسندان المنبهرين والمنبطحين والمهرولين وهي في الأدب بين مطرقة الحداثيين وسندان المخربين من دعاة اللهجات العامية وسدنتها، وهي في ذاتها وشخصيتها تتوجع بين مطرقة من يطالبون بالتخفف من قواعد النحو والصرف وسندان المؤسسات المعنية بثقافة المجتمع والتي تقف موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، وأخيرًا فإن اللغة العربية صارت بين مطرقة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وبين سندان وسائل التعليم المتعثرة بمراحلها المختلفة.
ومن الملاحظ أننا نضع المصطلحات أحيانًا بمثالية لا تعبر عن الواقع فتقول: «حوار الحضارات»، مع أن الغرب يسمي نفس الأطروحة «صراع الحضارات»، وهم أصدق وأقرب للواقع الماثل في دنيانا الآن، لأن أدواتهم صواريخ وطائرات وأسلحة دمار واحتلال وتدمير وفرض شذوذ، أما أدواتنا فهي الأقلام والآراء - وعلى استحياء وهم يفرضون علينا أساليبهم في كل كبيرة وصغيرة، ونحن لا نملك إلا أن تنصاع في كثير من الجوانب الثقافية.
اللغة الباقية
وبالرغم من المسلمات التي تؤكد أن اللغة العربية باقية إلى قيام الساعة بقوتها وبيانها المعجز، وبالرغم من ثقتنا المطلقة أن المستقبل لنا ولثقافتنا ولغتنا، فإن هناك بعض الهموم التي لا نتجاهلها ولا نمر عليها مرور الكرام منها اقتحام بعض المفردات الغربية في حياتنا اليومية بشكل أفسد خصوصية ،اللغة وحجبت بلاغتها خاصة عن الأجيال الجديدة التي لا تستنكف من التباهي بالمفردات الأجنبية في التخاطب حتى في المنتديات الأدبية العربية، بالإضافة إلى أسماء الشركات والمحال التجارية والمؤسسات، بل أسماء الأفراد والوظائف والمهن والأدوات التي انتشرت في كل الأوساط العربية بشكل مستفز.
واحة الشـعر
غرَائِرُ العصر
شعر: سالم بن رزيق بن عوض
غَرَائِرُ هَذَا الْعَصْرِ قَلْبٌ مُنورُ وَرُوح! لَهَا فِي النَّاسِ دَرْبِّ وَمِنْبَرُ!
تُنَافِعُ عَنْ مَعْنَى الفَضِيلَةِ فِي الْوَرَى وتلوي ذِرَاعَ البَغْيِ تَسْمُو وَتَزَارُ
وَتَقْتَاتُ مِنْ فَيْضِ الْمَعَالِي وَتَرْتَوِي عَلَى عَيْنِهَا فِيْء عَظِيمٌ مُسَطَرُ
تُنَافِسُ دَهْرَا مَا يَزَالُ مُدَمدمًا عَلَى صَفْحَةِ الأَيَّامِ يَسْطُو وَيَنْحَرُ
وَيُعْلِنُ فِي الْآفَاقِ أَسْفَارِ عُمْرِهِ لَهُ في الدَنَى عَقَلٌ حَصِيفٌ وَمَخْبَرُ
وَمَوطِنُ أَشْواقِ! وَمَلْهَى رَغَائِب تَطُوفُ عَلَى الأَيَّامِ تَذْوِي وَتَكْبُرُ
***
أَلا قَاتَلَ اللهُ الليالي وَحيفَها من الدَهْرِ نَشْكُو! أَمْ مِنَ الدَهْرِ نَجأَرُ؟!
وَكُل أَنَاسِي الْبَسِيطَةِ هَمهَا بلُوغُ الْأَمَانِي فِي الْأَمَانِي تُفَكَّرُ!!
مُعَافَى لَعُلوبُ القَلْبِ يَهْوَى دُرُوبَهُ ويأوي إلى ظَلَّ عَظِيمٍ ويَخْطُرُ
وَطَاغِ طَغَى فِي النَّفْسِ يَرْوِي غَلِيلَهَا عَلَى مَنْكِب الأَيام يَطْغَى وَيَأْمُرُ
وداو دوى في هَدَاةِ النَّفْسِ نَفْسُهُ عَلَيْهِ غُبَارً! بِالصَّفَاقَاتِ يَفْخَرُ
وموج الليالي لاهـت فـي بحـاره يُدَمْدِمُ آثارًا! وَيَمْحُو وَيَهْدِرُ
سَقَى اللَّهُ دَرْبَ الشَّهْدِ لَمَا أَظَلَنَا وَغَنَى لَنَا فِي آخِرِ الدَرْبِ مَنْظُرُ
زُلالٌ مِنْ الْمَاءِ الزُلالِ وَدَوحَةً لَهَا فِي المَدَى ظِلٍّ ظَلِيلٌ مُشَجَرُ
مَلأنَا رَبِيعَ العُمْرِ نُورًا وَرَاحَةَ وشوقًا! إلى مرأى المُلِماتِ يَمْخُرُ
وَيَطْوِي هَوَى الْأَيَّامِ يَرْوِي ويَرْتَوِي يَذُوبُ وَفِي وَجْهِ الْمُغبَينَ عَنْبَرُ
تَصَدَتْ لَنَا الدُّنْيَا فَضَاقَتْ دُرُوبُنَا وَفَاضَتْ عَلَيْنَا فِي الْمَتَاهَاتِ أَنْهُرُ
وَكُنَا لَهَا دِرْعًا حَصِينَا وَجَدَوَةً لَهَا فِي عُيُونِ الكُونِ وجه مُعَبَرُ!!
***
سَأَلْنَا عَنِ الْأَحْيَاءِ فِي كُلِّ بُقْعَة وَعَنْ كُلِّ قَلْبِ بِالطَّهَارَاتِ يَزْخَرُ
وَعَنْ رُوحِ أَرْوَاحِ الحَقِيقَةِ فِي الوَرَى عن الذات في تَلْكَ الخَيَالات تَظْهَرُ
وَعَن جَدْوَةِ التَّارِيخ فِيمَا نَقُولُهُ وَعَن حَمَأةِ الْآيَامِ تَبْدُو وَتُبْهِرُ
سَأَلْنَا السَّمَا وَالْأَرْضَ وَالطَّيرَ لَا حِيًا فَضَاقَتْ بِنَا بِـيْـدٌ وَبِيدٌ وَأَبْـحُـرُ
سَالْنَا تَبَارِيحَ الزَّمَانِ وَفـيـاهُ وَقَفْنَا عَلَى الْأَيَّامِ تَغْفُو وَتَسْهَرُ
وَلَا يَئِسْنَا فِي المَواتِ وَأَهْلِهِ تراءى لنا من عالم الغيب كوثر!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل