العنوان اللغة العربية بين جهل أبنائها وكيد أعدائها
الكاتب حسين الجرادي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1415
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 29-أغسطس-2000
المجتمع الثقافي
تمثل اللغة العربية الأداة الحية للأدب العربي واللسان الذي يربط الأمة، وعاشت أكثر من ١٥٠٠ سنة وهي تؤدي مهمتها، وقد كان الإسلام عاملًا رئيسًا من عوامل انتشارها واستطاعت أن تحتفظ بفصاحتها وكيانها رغم اختلاطها بلغات أخرى بل أزاحت هذه اللغات، وأملت سيطرتها على ثقافات الأمم.
وقد خاضت اللغة العربية معارك ضخمة إزاء فترة الضعف واعتصمت بالمعاهد الكبرى كالأزهر والقرويين والزيتونة.
بدأت معركة اللغة مع مطالع النفوذ الغربي الذي غزا العالم الإسلامي والعربي منذ عام ۱۷۹۸م بالحملة الفرنسية على مصر، وعناء ۱۸۳۰م باحتلال الجزائر، وسيطرة النفوذ الغربي على الإمبراطورية العثمانية منذ أوائل القرن
التاسع عشر.
وقد حمل لواء هذه المعارك بعض الأجانب من المحتلين والمستشرقين ففي مصر ظهر المهندس ويلكوكس، والقاضي وليمور وفي المغرب علا صوت المستشرق ماسينيون ثم توالت الدعوات، يحمل لواءها مثقفون كان ولاؤهم للغرب أكثر منه لأوطانهم.
عجز اللغة
وقد جعل الاستعمار عنوان هذه الهجمة: «عجز اللغة العربية عن أداء مهمتها إزاء المخترعات الحديثة» وجرت محاولات لتيسير الطباعة واختصار حروف المطبعة، وحمل خصوم اللغة العربية الدعوة إلى الكتابة بالعامية وإلى الكتابة بالحروف اللاتينية، وفشلت كلتا الدعوتين ولم تجد إحداهما استجابة أو صدى رغم ما أحيطتا به من عوامل الإغراء والخداع.
وبعد ثورة ابن يهود الدونمة مصطفى كمال بدأ الكماليون سنة ١٩٣٣م حملة ضخمة للتخلص من الكلمات العربية بعد أن تخلصوا من الحروف العربية، وقد وجد المستعمر الأجنبي أن القضاء على اللغة العربية هو سبيله لمحو الشخصية العربية من أجل بسط سيطرته على مقدرات البلاد، بل وصلت الحملة ذروتها عندما دعا أحدهم أن تصير اللغة العربية لغة متحف مثلما صارت اللغة اللاتينية، وأن تصبح اللهجات المحلية في أقطار العالم العربي لغات مستقلة لها آدابها وثقافتها، وبذلك تتعدد اللغات ويُقضى على اللغة العربية ويكون ذلك مقدمة للقضاء على القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه، وكذلك القضاء على التراث الإسلامي والعربي الضخم الذي اشترك في إبداع مئات العلماء والكتاب والفلاسفة منذ بزوغ فجر الإسلام.
وجنِّد المستعمر الأجنبي في الأقطار العربية أفرادًا ومنظمات ينفذون مخططاته على أكمل وجه، وقد بدأت حملتهم بتوجيه الاتهامات إلى اللغة العربية واتهامها بالقصور وعدم الكفاية العلمية أو ارتفاع مستواها على مفاهيم المجموعات العامة أو اتهام حروفها وأصواتها ونطقها وكتابتها بالصعوبة والتعقيد، وكان ذلك مقدمة للدعوة إلى اللغة العامية أو استخدام الحروف اللاتينية وتحطيم عمود الشعر.
وكان أعنف إجراء ضد اللغة العربية في الشمال الإفريقي حيث قُضي نهائيًّا على اللغة العربية في المدارس الرسمية ولم تبق إلا في الكتاتيب وحلقات المساجد والمدارس الأهلية وجامعتي الزيتونة والقرويين، وتم إحلال لغة المحتل محل اللغة العربية في المدارس الرسمية.
وفي المشرق العربي دعا وليم ويلكوكس إلى العامية، وحاول ترجمة الإنجيل إليها، وكذلك القاضي ويلمور الذي دعا إلى العامية مع كتابتها بالحروف اللاتينية.
ثم ظهر على إثر ذلك لطفي السيد الذي حمل اللواء نفسه على نحو خادع عنوانه تقريب اللغة العامية إلى اللغة العربية، وتحسين عباراتها وتمصير اللغة العربية، وهو ما أطلق عليه اسم «أزمة اللغة العربية»..
ثم حمل الدعوة إليها سلامة موسى ومحمود تیمور -وقد رجع عن هذه الدعوة من بعد-، وعبد العزيز فهمي، وجورجي صبحي في مصر كما حملها في لبنان كثيرون في مقدمتهم الخوري مارون غصن، وآخرين من بينهم سعيد عقل.
وهكذا عاش العالم العربي طيلة ما يقارب ثلاثة أرباع القرن الفائت في صراع بين دعوة تريد أن تحطم اللغة العربية لتقضي عليها، وبين مقاومة لها شقان: شق يدافع عن عظمة اللغة العربية، وشق يصلح هذه اللغة، ويبحث في عناصر التعريب والنحت والاشتقاق لتمكين اللغة العربية من التعامل مع المصطلحات العلمية الجديدة.
وقد دعا المستشرق ماسينيون إلى العامية والكتابة بالحروف اللاتينية عام ١٩٢٩م في أندية الشباب العربي في باريس، ولقي معارضة كبيرة، كما وجد المستشرق كولون ردًا عنيفًا على دعوته من الكاتب العربي المغربي عبد الله كنون.
وحملت معركة الهجوم على العربية روح التعصب والهوى، ولم تكن خالصة صادقة، وقد واجهتها مقاومة علمية صارمة قائمة على أساس من التفكير العلمي الخالص.
منصفون من الغرب
وقد كشف المنصفون عن عظمة اللغة العربية واتساعها وكثرة ألفاظها، وتعدد معانيها، وقد أمكن حصر مائة ألف مادة من كلامها ما لا يمكن معه وصفها بالقصور، كما أشاروا إلى اتساع مجالها لأغراض الكتابة وفنون البلاغة.
وقد شهد للغة العربية كبار مفكري الغرب ممن بلغوا قمة التعصب ضد الإسلام والعرب مثل أرنست رينان في كتابه تاريخ اللغات السامية، وكذلك «شبنجلر» في كتابه، «انهيار الغرب».
وكذلك «مرجليوث» الذي قال: إن اللغة العربية لا تزال حية حقيقة وإنها إحدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة -يقصد الإنجليزية والإسبانية- استيلاءً لم يحصل عليه غيرها وهي تخالف أختيها بأن زمان حدوثهما معروف ولا يزيد سنيهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم من كل تاريخ.
المصادر:
اللغة العربية بين حُماتها وخصومها، أنور الجندي.
أضواء على الأدب العربي المعاصر، أنور الجندي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل