العنوان المأزق الإيراني .. من يبقى.. فقه المراجع أم اجتهاد السياسيين؟
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989
مشاهدات 72
نشر في العدد 922
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 27-يونيو-1989
عندما تتحدث الأروقة السياسية والإعلامية عن الصراع في إيران بعد موت الخميني، تكاد تجمع على تركيز الصراع بين فريقين من رجال الدين السياسيين وبالتالي بين شخصين يرمز بهما إلى مركزي الصراع، هما: هاشمي رفسنجاني وأحمد الخميني، ويقدم المراقبون والمحللون السياسيون حيثيات وحججًا عديدة لدعم هذه الفكرة وتأييدها؛ ليخرجوا بالتالي إلى:
1-إن الصراع بين رجال الدين في إيران صراع
سياسي.
2- وإن جوهر الاختلاف السياسي يتمثل في
الموقف من التطرف والاعتدال في التعامل مع القضايا السياسية الداخلية والخارجية.
وإذا كانت معالم هاتين النقطتين تطفو على السطح
منذ زمن، فقد غفل المراقبون -إلا قليلًا منهم- عن خلفيات عقدية أعمق وأشد من تلك
الخلافيات البارزة على السطح، وإذا وضعنا الأسئلة التالية بين يدي المراقبين،
فبماذا تراهم يجيبون؟
1-لماذا أقدَم ستة من كبار رجال الدين داخل
إيران علی انتخاب «آية الله محمد علِي الأراكي» مرشدًا دينيًّا ليصبح مرجع التقليد
الأعلى في الشؤون الدينية؟
٢ - كيف سيتعامل خامنئي الذي خلف خميني في زعامة الثورة مع الأراكي وهو أستاذ
أستاذه؟ ويبلغ الأراكي من العمر تسعين سنة، وكان الخميني قبل حياة المنفى
أحد تلامذته.
٣ - ما هو مصير
ولاية الفقيه بعد انتخاب العلماء الستة الكبار والأراكي مرجعًا للتقليد، ومن يتبع
من.. الأراكي أم خامنئي؟ ... ثم لمن تمنح الجماهير الولاء؟
٤ - ما هو موقف
القوى السياسية المشكَّلة من مجموعات رجال الدين من مصير ولاية الفقيه؟ ومن موقف
المراجع الدينية الموجودة في إيران؟
ومن أجل أن تتلمس الإجابات الصحيحة عن هذه
الأسئلة، ومن أجل أن نقف حقيقة على جوهر الصراع في إيران، لا بد من مراجعة الأمور
التالية:
أولًا-
المرجعية والتقليد:
المرجعية والتقليد مصطلحان معروفان في المذهب
الجعفري، وترتبط المرجعية بشخصيات فقهية علمية دينية برزت في الحوزات العلمية التي
تشتمل على مدارس دينية، وأبرز الحوزات التي اشتهر فيها المراجع: الحوزة الدينية في
النجف، والحوزة الدينية في قم، فكان بروز المراجع سجالًا بين النجف وقم، لكن
الثابت أن نجم المرجعية خبا في قم في القرون الماضية، ولم يبرز إلا في بداية القرن
الحالي عندما برز في قم الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي الذي برز في حوزته
العلمية وجمع علماء الجعفرية حوله، فكان مرجعًا هامًّا، ثم تعززت المرجعية في قم
في عهد البرجردي الذي جمع نفوذًا كبيرًا جعل شاه إیران يحسب له الحساب.
وفي الستينيات، وبعد موته صار ثقل الزعامة
الجعفرية في النجف متمثلًا بشخص آية الله محسن الحكيم، ومحمد باقر الصدر، وأبي
القاسم الخوئي، وما زال هذا
الأخير حيًّا حتى الآن.
وعلى أساس ترتيب المنازل بين علماء الجعفرية قبل
سقوط الشاه ومجيء الخميني من المنفى، يُعد المرجع الأقدم والأكثر أستاذية أبو
القاسم الخوئي، بحيث يعتبر المرجع الآخرون كلهم دونه، فمن هم المراجع عند اتباع
المذهب الجعفري حتى
عودة الخميني إلى إيران؟
إنهم بالترتيب الروحي كما يلي:
١ - أبو القاسم
الخوئي.
۲
- محمد كاظم الشريعتمداري.
٣ -حسن طباطبائي
القمي.
٤ - الموسوي
الخميني.
ه - محمد رضا الموسوي الجلبايجاني.
٦- شهاب الدين
النجفي المرعشي.
7- عبد الله الشيرازي.
أما الذين ما زالوا على قيد الحياة فهم:
1-أبو القاسم الخوئي في النجف.
2- حسن طباطبائي القمي في مشهد.
3- شهاب الدين النجفي المرعشي في قم.
4- محمد رضا الموسوي الجلبايجاني في قم.
5 - يضاف إليهم محمد علي الأراكي الذي صار
مرجعًا بعد موت الخميني.
*أما التقليد فهو منوط باتباع المذهب
الجعفري الذين يتوزعون على المراجع، حيث يتبعون نهجهم وسيرهم في أمور الفقه
والعبادات والفتوى، ويُعد كل مرجع عند الجعفرية مدرسة يأخذ عنها الأتباع كل شيء،
ويتصل المرجع بأتباعه في كل مدينة أو قرية بواسطة الوكلاء والمحتاطين، ففي كل
منطقة وكيل للمرجع يقوم بالمهام الإدارية والمالية، وتشمل مهمته جمع «الأخماس» من
أموال الأتباع. أما المحتاط فهو ذو مهمة علمية فقهية ينوب عن المرجع في أمور
الدين، ويتلقى أسئلة الفتوى فيفتي على رأي مرجعه أو يحول الأسئلة إلى المرجع، هذا
فضلًا عن مهمته في الإشراف على المسجد أو الحسينية.
*ولاية الفقيه:
لم تكن هذه الدرجة موجودة قبل استلام الخميني
السلطة في طهران، وقد فرضها معتبرًا نفسه ولي المسلمين ونائبًا عن الإمام الغائب
«المهدي المنتظر»، يحكم بأمر الله وترد إليه كافة أمور الدنيا لأنه -كما قرر
الخميني- وصي على الأمة، أما مهمته فهي إکمال التشريع، بحيث يشرع لكل قضية حين
ورودها لأن الشريعة بحسب هذا الاعتقاد غير كاملة، وبحسب مفهوم ولاية الفقيه اعتبر
الخميني نفسه الإمام الوصي المعصوم عن الخطأ، ولكن المراجع الدينية في إيران
وخارجها لم يوافقوه.
معارضة
المراجع:
اختلف المراجع الدينيون عند الجعفرية مع خميني
بكثير من الأمور، وعلى رأسها: ولاية الفقيه، والاشتغال بالعمل السياسي، ومن الواضح
أن ما تشتمل عليه ولاية الفقيه التي حكم الخميني إيران بما تتضمنه من معانٍ
وصلاحيات تفقد المراجع الدينيين كل صلاحياتهم، وتأخذ منهم كثيرًا من جماهيرهم
وأتباعهم ليرتبطوا بالفقيه الذي يملك سَن أو إلغاء أو نفي أو تعديل أي قرار. ومن
أبرز الذين عارضوا خميني ورفضوا ولايته على إيران وعلى المسلمين وعلى المراجع
الدينية محمد كاظم شريعتمداري -المتوفى حاليًا- فقد أعلن عن رفضه لولاية الفقيه،
ورفض أن يكون الخميني المرجع الذي يقلده الجعفرية في إیران، ومعروف أنه قبل
عودة الخميني من منفاه كان محمد كاظم شريعتمداري هو المرجع الأول بين مراجع إيران،
وقد وجه هذا الرجل انتقادات كثيرة للخميني. وإضافة إلى رفض مبدأ ولاية الفقيه،
فإنه أعلن أن رجال الدين يجب ألا يكونوا أكثر من مستشارين مهمين وليسوا سياسيين
يمارسون النشاط السياسي. وكان لشريعتمداري من الأتباع «۸» ملايين جعفري منهم أهل مدينة
تبريز والمناطق التابعة لها، إضافة إلى الأذربيجانيين والتركمان في بقية أنحاء
إيران.
بعد موت الخميني في الأول من ذي القعدة ١٤٠٩ هـ
وبعد يومين من الإعلان عن خامنئي خليفة للخميني في زعامة الثورة الإيرانية، اجتمع
ستة من كبار العلماء بينهم بعض المراجع وانتخبوا آية الله محمد علي الأراكي ليكون
مرجعًا دينيًّا للمسلمين في إيران بدلًا من الخميني، وبهذا تحدث في إيران ازدواجية
بين خليفة الخميني السياسي، ومرجع التقليد الذي سيقلده ويواليه أتباع المذهب
الجعفري في أنحاء إیران. وقد اعتبرت خطوة المراجع هذه عند بعض المراقبين تمردًا
على النظام الديني والسياسي الذي كرَّسه خميني طيلة عشر سنوات مضت، ليستمر السير
عليه بعد مماته ويضع انتخاب الأراكي مرجعًا ساسة إیران وعلمائها أمام حقائق عدة
منها:
- فصل المرجعية الدينية عن السلطة
السياسية، وهما أمران جمع منهج الخميني بينهما، وبهذا تصبح المرجعية خارج أنصار
الخميني.
- سقوط مبدأ ولاية الفقيه
وانتهاء العمل به بعد موت الخميني.
- تحول سلطة الحكم إلى سلطة سياسية لا
علاقة لها بما يصدر عن المرجعية من آراء وفتاوَى دينية.
وبهذا يفقد حجر الزاوية في السلطة الإيرانية -وهو
مبدأ ولاية الفقيه- استمراريته ليبدأ عهد جديد.
وإذا كان هنالك دلالة تسجل في الإجراء الذي اتخذه
المراجع وكبار العلماء بانتخاب الأراكي مرجعًا كما نقلت ذلك وكالة الأنباء
الإيرانية يوم ١٣/ 6/ 1989 فهي:
رفض إسناد حكم البلاد للمرجع الديني الكبير. وقد
عللت إذاعة طهران انتخاب
الأراكي نقلًا عن وكالة الأنباء الحكومية الرسمية،
أنه جاء بناءً على قرار الآيات؛ وذلك استجابة لتساؤلات من المسلمين تنتابهم الحيرة
بشأن أي جهة يرجعون إليها في شؤون دينهم بعد وفاة الخميني.
الوكالات من طهران 1۳/6/1989.
الآيات
بين خامنئي والأراكي:
كانت السلطة السياسية قبل نجاح السلطة في إيران
لا ترتبط بالسلطة الدينية المتمثلة بالمراجع، ويبدو أن المراجع الموجودين في إيران
لا يرغبون في العودة إلى النموذج السابق من حيث تجريد الحاكم من السلطة الدينية،
ولما كانت رتبة «آية الله» -وهي رتبة يحوز عليها مئات من رجال الدين في إيران-
ستتبع رأي المراجع، فإن المتوقع أن ينقسم هؤلاء بين خامنئي والأراكي الذي اعتبر
مرجع التقليد.
وإذا كانت الكلمات الشفوية التي نطق بها خميني
قبل وفاته في تزكية خامنئي أمام ابنه أحمد ورفسنجاني وخامنئي نفسه جعلت مجلس
الخبراء يختارون رئيس الجمهورية خليفة للخميني في زعامة الثورة، فإن «الآيات»
الذين يحكمون قبضتهم على تفاصيل الحياة السياسية والدينية في كافة أنحاء إیران،
يواجهون اليوم حالة من الخلل السياسي والدستوري، الأمر الذي يضع احتمالات تتناول
ما يلي:
- التفكير بتغيير الدستور الإيراني
بحيث يستوعب -ولو مؤقتًا- هذه المستجدات السياسية والدينية.
-التفكير بجعل (خامنئي) زعيمًا مؤقتًا
ريثما يتم اختيار من تجمع عليه المراجع،
وهذا مرهون بموافقة المراجع الصعبة، وقد استبين علماء
الجعفرية الكبار الحلول المختبئة في أذهان «الآيات والحجج» السياسيين
واختاروا الأراكي مرجعًا ليقلده الناس بعد وفاة الخميني.
-إعادة حسين منتظري الذي لم يفقد مكانته في
الحوزة العلمية إلى الواجهة، حيث إنه في مرتبة «آية»، وهو المؤهل -كما كان-
من الناحية الفقهية لاحتلال مرتبة الخميني كزعيم ديني وسياسي للجعفرية
في إیران.
السياسيون:
إزاء ما تقدم يمكن أن يستشعر المراقب المدى
الكبير من الحرج الذي يمكن أن يشكل أزمة كبرى بين السياسيين في إیران، فالموقف
الفقهي الديني من ولاية الفقيه ومن العمل السياسي لا بد وأن ينعكس على التركيبة
السياسية القائمة، والتي تشمل الآيات والمجتهدين معًا. وبانتظار انتخابات
رئاسة الجمهورية في الثامن عشر من أغسطس القادم، لا بد وأن يستغل رجال الحكم
الأساسيون كل فرصة لتوطيد صِلاتهم مع الآيات والحجج في مختلف مناطق إيران؛ للتفاهم
حول صيغة جديدة للحكم توصلهم إلى الخروج من هذاالمأزق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل