; المؤامرة على الصحوة وأبعادها | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة على الصحوة وأبعادها

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1984

مشاهدات 122

نشر في العدد 671

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-مايو-1984

ما كادت شمس الصحوة الإسلامية تشرق على العالم الإسلامي في العقد الأخير من القرن الرابع عشر حتى دوَّت صفارات الإنذار في معسكرات الغرب والشيوعية والصهيونية تعلن الحرب على هذه الظاهرة بُغية إجهاضها أو الحيلولة دون تحقيق غايتها وأن تنهار قبل أن تصل إلى هدفها الذي تسعى إليه وبدأت دوائر السياسة في وضع عشرات من الخطط لتدمير هذه الصحوة وكان الخطة قائمة على أكثر من وجهة:

أولًا: القضاء على التفوق البشري الإسلامي بإثارة دعوات تحديد النسل والإنفاق عليها وتهجير المئات والألوف من اليهود إلى البلاد الإسلامية وتشجيع الجاليات غير الإسلامية على زيادة النسل.

ثانيًا: امتصاص الثروة المالية التي تصل إلى العرب والمسلمين نتيجة زيادة أسعار النفظ.

ثالثًا: الحيلولة دون وصول التكنولوجيا الصناعية إلى بلاد المسلمين لتبقى حاجتهم إلى استيراد الاستهلاكيات من الغرب وخاصة القمح، وحتى لا يتمكنوا من الاكتفاء الذاتي في مجال موارد الطعام.

رابعًا: إثارة الشبهات والسموم حول مفاهيم الإسلام الأساسية وخاصة مفهوم الإسلام بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع والحيلولة دون تطبيق نظام الاقتصاد غير الربوي، وإقامة حدود الله.

خامسًا: الحيلولة دون وحدة العلم الإسلامي وإقامة فريضة الجهاد في وجه الغزو الصهيوني، وأبعاد الإسلام عن المعركة مع إسرائيل والصهيونية.

وفي ذلك يقول تصريح يهودي: إن على وسائل الإعلام الإسرائيلي أن تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة، لهذا يجب علينا إلا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع يقظة الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب ولو اقتضى ذلك الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف في إخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية، نخشى أن تستغل الجماعات الإسلامية المعروفة بعدائها لإسرائيل الفرصة لتحريك المشاعر الإسلامية ضدنا وإذا نجحت في وإذا فشلنا في إقناع أصدقائنا بتوجيه ضربة قاضية إليها في الوقت المناسب فإن على إسرائيل أن تواجه حينذاك عدوًّا حقيقيًّا «لا وهميًا» وهو عدو حرصنا أن يبقى بعيدًا عن المعركة، وستجد إسرائيل نفسها في موضع حرج إذا نجح «المتعصبون» المسلمون في تحويل معركتنا ضد البلدان العربية إلى معركة ضد «المجاهدين المتعصبين» أولئك الذين يعتقدون أن أحدهم يدخل الجنة إذا قتل يهوديًّا أو قتله يهودي» وهذا تصريح يجب أن يقرأ كلمة كلمة، ويفهم مداه البعيد ويعرف ما تمَّ فعلًا في كثير من البلاد «الإسلامية للحيلولة دون أسلمة القضية الفلسطينية، وتذويب مفهوم الجهاد الإسلامي، وتأخير النهضة ومحاولة تحطيم امتداداتها، وقد تصل النظرة الحاقدة على الإسلام إلى أبعد من ذلك، إلى الوهم وإثارة المشاعر نحو الإسلام».

يقول البير شامبرور في كتابه حمراء غرناطة: هذا العربي الشجاع استطاع أن يغزو نصف العالم وترك لنا في حمراء غرناطة آثار فخاره، إن هذا العربي الذي نام نومًا عميقًا مئات السنين قد استيقظ وأخذ ينادي العالم: ها أنا لم أمُت، ومن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهدده بالعرب مرة ثانية في الوقت المناسب والزمن المناسب فيحطمون الغرب عدوهم الأبدي، لست أدَّعي النبوة ولكن الأبحاث تدل على ذلك والإمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة وترتعد من ذلك فرائصة ويخاطب أشباح الحمراء من فرسان العرب التي ما زال كثيرون يؤمنون بظهورها في الليل في ساحة الأسود قائلًا: أبيدوا هذه الأشباح التي تنتظر البعث أسكِتُوها إلى الأبد ومن قول زعيم أندلسي: إن قُوى العرب موصودة بسحر ولا بد من أن تأتي يوم تفك فيه عنده ويعود العرب إلى نشاطهم وسؤددهم.

وهكذا تستعمل الأساطير لتثير الغرب على المسلمين وتصورهم بصورة غير صورة المسلمين الحقيقية في عدالتهم ورحمتهم وكرامتهم وبعدهم عن الحقد والمكر والانتقام.

هكذا تحاول تلك المخططات أن تزيف وجه الإسلام لتعمل على رسم صورة كاذبة للمسلمين لتؤخر النهضة الحقيقة في نفس الوقت الذي تدمر كل بناء قائم، ولعل موقف الغرب من ثروة المسلمين النامية وعملهم الدائب على تخريب اقتصاد الإسلام واضح في تلك المخططات الماكرة التي يفرضونها حتى لا يتمكن المسلمون يومًا من إقامة حضارتهم المستقلة وحتى يظلوا تابعين تكنولوجيًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا.

أما بالنسبة للشق الأول فإن الغرب يسيطر اليوم سيطرة تامة على الخامات والموارد الإسلامية تمامًا وينقلها إلى بلاده وقد اتخذ هذا الأسلوب منذ خمسة قرون منذ بدأ عهد الاستعمار 1482م عندما ظهرت الرأسمالية فحشدت الأموال والبشر ونظمت الإنتاج عن أسس جديدة بعد غزو الثغور وتأمين وصول خيرات البلاد الإسلامية وقد تدفقت- كما يقول الدكتور عارف دليلة- الأموال على الغرب وتضاعفت الثروات المنهوبة من الهند وإندونيسيا مما أمكن به إقامة المعجزة الصناعية في إنكلترا وهولندا.

وعندما بدأت تسقط الأنظمة الاستعمارية وتحصل البلاد الإسلامية على استقلالها السياسي كانت قد طوقت بمعاهدات مع البلاد التي كانت تحتلها بحيث بقي النفوذ الاقتصادي قائمًا وأصبحت هذه البلاد تقد مواردها من بترول وكوبلت ومنغنيز إلى الغرب بأسعار رخيصة، وقد شرطت الدول الكبرى على الدول المنتجة ألا يكون لها حق التصرف الكامل في حقوقها المالية وأن عليها أن تودع جزءًا منها في مصارف الغرب وقد بلغت هذه المودعات خمسمائة مليار دولار هي ما يطلق عليها فوائض أموال دول العالم الثالث المودعة والمستثمرة في الدول الرأسمالية المتقدمة، وفي نفس الوقت أخذت الدول ذات النفوذ تقدم قروضًا لبعض الدول المرتبطة بها تحت شروط مجحفة وتبعة واستغلال موانئ وغيرها من التسهيلات بلغت نفس الرقم الذي أودعته الدول الأخرى في مصارف الغرب.

يقول دكتور عارف دليلة: منذ الخمسينات أخذ عجز البلدان النامية يتحول إلى ديون متراكمة حتى أصبحت متطلبات سداد الديون وفوائدها في العديد من البلدان تزيد على مجموع ما يتاح لها من قروض ومساعدات جديدة في الدول المتقدمة ولم يعد يتبقَّى لديها شيء من الفائض الاقتصادي من أجل التنمية، ماذا تفعل من أجل إلغاء أو تضييق فجوة التخلف والفقر، ذلك أنه من حيث تريد البلدان النامية التغلب على الفقر والتخلف تجد نفسها في قلب دائرة الاستغلال من جديد فقد وقعت في شرك مديونية هائلة يستنزف مواردها وجهودها، وبوسائل مشروعة أكثر بكثير مما كان يستنزفه الاستعمار في ظروف الاحتلال المباشر، هذه هي الدائرة المغلقة للفقر، تستدين لإلغاء الفقر فتقع في فقر أشد وأدهى، وكلما ازداد وضعها سوءًا ازدادت شروط الدائنين قساوة وازدادت أيديهم جشعًا، إن الزيادة التي تضاف سنويًّا إلى متوسط الدخل الفردي في الدول المتقدمة مثل: سويسرا والولايات المتحدة تفوق مجموع الدخل السنوي المتوسط للفرد في مثل الهند وبوروندي واليمن والسودان، ولو نظرنا إلى الأمر بعين الإنصاف لوجدنا أن أموال المسلمين المودعة في المصارف الغربية هي أمر يتصرف فيه الاقتصاد الغربي دون شروط مسبقة وأنه تخضع لظروف نزول العملة وانهيارها فيفقد أصحاب المودعات أموالًا طائلة دون أن يكون لهم الحق في الاختيار، أما الذين يقترضون من الغرب فإنهم يقعون تحت دائرة شروط قاسية عنيفة، أَمَا كان الأوْلى للمسلمين أن يقترضوا من المسلمين وأن هذه الفوائض تُنفق في البلاد الإسلامية، وأن تخضع لنظام الإسلام والقرض الحسن لتنمية بلاد المسلمين الفقيرة ورفع مستواها، وإقامة صناعات كبرى بها، إن هذا كله يرجع إلى عجز المسلمين عن الخروج من الدائرة المغلقة المفروضة عليهم، دائرة الاقتصاد الرِّبوي المسيطر ومتى يستطيع المسلمون اقتحام هذه العقبة، وكل هذه المحاصرة مقصود بها عند امتلاك المسلمين لإرادتهم وهم يملكون اليوم موارد ضخمة ولكنهم عاجزون عن حرية التصرف فيها، فمن العجب أن يُودِع المسلمون فوائضهم في مصارف الغرب تحت نظام ربوي، بينما يقترض إخوتهم المسلمون ما يوازي مثل هذا المبلغ من القُوى الغربية بشروط غاية في الإذلال، والحقيقة أن أهم الشروط لبناء اقتصاد إسلامي مستقل هو إزاحة الاستغلال وتحرير الموارد الاقتصادية من أيدي القوى الأجنبية وتحقيق الاستقلال السياسي في الخمسينات والستينات- كما يقول باحثنا دكتور عارف دليلة لم يحسن من وضعها كثيرًا، فهي ما تزال مرتبطة بالدول التي كانت تحتلها بمعاهدات تصدر لها مواردها وتستورد منها منتجاتها، وقد اعتقدت بعض البلدان النامية أن الحل يكمُن في الإقراض من الداخل ولكن التبعية شديدة والبؤر الصناعية المتقدمة كانت جُزُرًا أجنبية وليست جزءًا من الاقتصاد الوطني، هذا بينما دفعت ثمنها الجماهير التي زاد فقرُها وبؤسُها يومًا بعد يوم.

ولقد كان النفط أهم الموارد في العصر الحديث في العالم الإسلامي وقد كان مصدرًا هائلًا للازدهار الشامل في الغرب على مدى عشرات السنين، بينما كانت الشعوب المستعمرة تزداد تخلّفًا وفقرًا.

وعندما زادت فوائض النفط تصرَّف الغرب بمرونة وسرعة لامتصاص الصدمة وعكسها، هذا بالإضافة إلى أن الشروط القاسية التي وضعها على منح معونة أو قرض لأي بلد نام، فقد استوعبت كل هذه الأرصدة الفائضة للبلدان النامية دون شروط مسبقة ودون تكلفة حقيقية بل ومع استخدام جميع الوسائل لهضمها تدريجيًّا، والقروض المقدمة إلى البلدان النامية يطلق عليها معونة، أو منحة، وهي لا تُعْطَى إلا لتحقيق مصلحة مرسومة مسبقة للدول المانحة، فإن الغرب يتصرف بمنح هائلة حرَّة من أي شروط من البلدان النامية بالنسبة للأموال المودعة من البلاد العربية، حتى أن بعض مصارفه ترفض أحيانًا دفع الفوائد العادية على الأموال المودعة فيها، وهي تستخدم هذه الأموال في تغطية عجزها الخارجي والداخلي ولزيادة إمكانياته على فرض شروطه على البلدان المحتاجة للمعونة وزيادة تعنُّته وتصلّبُه في مجابهة مطالب البلدان الفقيرة بإقامة نظام اقتصادي دولي عادل.

وهكذا يجد العالم الثالث نفسه من جديد أمام مهمة استعادة السيطرة على موارده وتوظيفها في مصالِحِه، وهذا ما يؤكد على التعاون المباشر بين البلدان النامية فخلال سنوات قليلة من ظهور هذه الموارد ارتفعت وبصورة سريعة المبالغ الموجهة منها للإقراض وإعانة البلدان النامية غير المصدرة للنفط من أجل مساعدتها على مواجهة أوضاعها الصعبة الناجمة عن أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي وإن إرتفاع قيمة مستورداتها من النفط، وتحاول الدول الرأسمالية الغنية منذ ظهور فوائض مالية لدى بعض البلدان النامية التلكُّؤ في تقديم المعونة إلى البلدان النامية المحتاجة، وحصر معونتها مع عدد قليل من الدول ذات الارتباطات الخاصة التي تخدم نزعتها نحو الهيمنة، فإسرائيل وحدها تحصل على ثلث مخصصات المعونة الأمريكية، وترى الدول الغربية في تخلف العالم الثالث سوقًا سوداء ومتنفسًا لتصريف أزماتها فيه، مما يحقق لها أفضل الأرباح، وكل دولار يستثمره الغرب في البلدان النامية يقابله اليوم أكثر من ثلاثة دولارات عائده من الأرباح والعائدات من الاستثمارات الغربية في هذه البلدان تحول باستمرار تجاه البلدان الرأسمالية الكبرى».

ولا شك أن هذا العرض المستفيض الذي قدمه الدكتور عارف دليلة يؤكد وجهة نظرنا التي عرضناها مسبقًا وهي المؤامرة على الصحوة وتأخير النهضة واستبقاء عالم الإسلام في براثن الاقتصاد الربوي العالمي الذي يكدس الثروات ويسحق الأمم الإسلامية الضعيفة.

ثانيًا: ومن ناحية أخرى مرتبطة تمام الارتباط بهذا الحيلولة دون تمكين العالم الإسلامي من بناء حضارته من جديد، ومن إقامة التكنولوجيا الخاصة به وقد ثبت تمامًا أن العالم الإسلامي يواجه مقاومة شديد من أصحاب التكنولوجيا فالعالم الغربي حريص على أن يبقى العالم الإسلامي داخل اقتصاد الاستهلاك والاستيراد «دون أن يمكن من الاقتصاد المنتج للسلعة» وأن يظل خاضعًا للتبعيَّة التكنولوجية أو الاستعمار التكنولوجي، وكما يقول الدكتور أكثم الخولي: إنه يتبين تمامًا أن الاستقلال السياسي الذي حققته بلاد العالم الإسلامي والنمو الاقتصادي لن يكونَا وحدهما كافيين لتحقيق الاستقلال المنشود.

ويشير إلى أن المعارك التكنولوجية اليوم هي سلاح الاستعمار الجديدة وسيلة سيطرة أصحاب هذه المصارف على محتاجيها، ذلك أنه لما كانت الإنجازات التكنولوجية سلع تُبَاع وتشترَى ولها سوقها الدولية التي يجري التعامل فيها بشروط قد لا يتصور كثيرون مدى قسوتها وإجحافها بمشتريها، ويقول: إن العالم الثالث ينهمر عليه سيل دافق بل فيضان جارف من الآراء والأفكار عبر وسائل الإعلام القائمة وهذه القيم الآتية من الخارج والتي تغذِّيها حملات التسويق والإعلان لهذا المنتج أو ذلك بوسائل مؤثرة قائمة على ما اكتسبه الإنسان من معارف بخفايا النفس وطرق التأثير فيها، كل هذا يخلق طلبًا اجتماعيًا على سلع بالذات ويعطيها أولويات، إن كل سلعة تأتي إلينا من مجتمع غريب تحمل في ثناياها «قيم» هذا المجتمع وأسلوب حياته وهو ما عبر عنه أحد المفكرين بقوله: «إن التكنولوجيا تحمل في ثناياها الشفرة الوراثية للمجتمع الذي أنتجها».

«يتبع في العدد القادم»

الرابط المختصر :