; المؤامرة في مرحلتها القادمة: هل تقود المنطقة إلى دول الطوائف؟ | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة في مرحلتها القادمة: هل تقود المنطقة إلى دول الطوائف؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1984

مشاهدات 56

نشر في العدد 679

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 17-يوليو-1984

تناقلت وكالات الأنباء في الآونة الأخيرة أخبارًا عن حسم الصراع بين القوى المتصارعة على السلطة في دمشق، وذلك بإبعاد كل من «رفعت أسد» - قائد سرايا الدفاع -، و«علي حيدر» - قائد القوات الخاصة - إلى خارج سوريا، وحل سرايا الدفاع، ودمجها في الجيش، وتوزيع مسؤولياتها عن حماية المطار إلى الجيش، ومسؤولياتها عن حماية رئيس الجمهورية إلى الحرس الجمهوري.

ومن المعروف أن سرايا الدفاع تشكل في مجموعها حوالي (۳۰) ألف مقاتل، مجهزة بأحدث الأسلحة الثقيلة والمتطورة، وأفرادها ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى طائفة واحدة معروفة، وكان لها الدور الأكبر في مجزرة حماة الدموية، وفي مذبحة سجن تدمر.

• ماذا وراء الأكمة؟

وللوهلة الأولى يبدو وكأن هناك تغييرًا جوهريًّا طرأ على الوضع الداخلي في سوريا، ومن ثم على السياسة الخارجية بعد برقية التهنئة التي أرسلها أسد إلى الملك حسين، وبعد زيارة هاني الحسن - مستشار عرفات - إلى دمشق، ومن بعده «فاروق قدومي» - مسؤول الدائرة السياسية في منظمة التحرير -، والتصريحات المتفائلة التي أعقبت ذلك عن قرب زيارة عرفات إلى دمشق، وتوقع مصالحة ثلاثية بين كل من عمان ودمشق والمنظمة، وما تلا ذلك من أنباء عن اعتقال «أبو صالح» في دمشق أو تحديد إقامته... إلخ.

• لعبة الخلاف:

وبدأ الناس يتوقعون انفراجًا في العلاقات العربية عمومًا، والعلاقات السورية العراقية خصوصًا، يكون من نتيجتها إنهاء حرب الخليج، التي طال أمدها.

كما توقع أناس آخرون أن يكون الانفراج في العلاقات العربية توطئة للتسوية القادمة مع اليهود بعد نجاح حزب العمل، الذي أصبح شبه مؤكد، وبعد انتخاب «ريغان» للمرة الثانية، وبالتالي يكون أقدر على الحركة وعمل شيء ما بالنسبة للشرق الأوسط يترك له أثرًا طيبًا في الولايات المتحدة وفي العالم.

ولكن الرسائل الخاصة التي وردتنا من داخل سوريا ولبنان، ومن مصادر منظمة التحرير الفلسطينية تنحو في تحليلها لما يجري في سوريا ولبنان منحى آخر مختلفا تمامًا.

فسرايا الدفاع التي كانت قوة متميزة أدت دورها في البطش بالجماهير، وإخماد أنفاسها، ثم اكتشفت فيما بعد أنها أصبحت قوة مواجهة مع

الجيش، الذي لا يزال في غالبيته من المسلمين، وهذا يشكل خطرًا على طموحات الطائفة، التي تنتمي إليها السرايا في المدى البعيد.

ولذلك رأى المجلس الملي للطائفة - كما تقول المصادر- أن يفتعل خلافًا بين سرايا الدفاع والقوات الخاصة، وكلتاهما من نفس الطائفة، ثم بعد ذلك يجري توزيع إحداهما، وهي سرايا الدفاع، أي: انتشارها داخل الجيش وتسليم اختصاصاتها، وهي الهيمنة على دمشق العاصمة، وحماية رئيس

الجمهورية إلى القوات الخاصة.

وبذلك تكون الطائفة قد أمنت نفسها من جهة، وبدأت الخطوة التالية لمزيد من الهيمنة على الجيش، وعلى بقية أرجاء سوريا باسم الوحدة الوطنية من جهة أخرى، وربما كانت هناك طموحات أبعد من الحدود السورية باسم القومية العربية. 

فإذا لم تفلح في ذلك لأمر أو لآخر، فهناك البديل وهو الدولة الطائفية في اللاذقية.

• ترجحات:

ولعل زيارة «رفعت أسد» لموسكو قبل «إبعاده» من سوريا تعني أن موسكو تبارك هذه الخطوة أو المخطط بكل تفاصيله، باعتبار أن موسكو تنطلق من منطلق عقائدي أممي شعوبي، ونحن لا ننسى أجهزة إعلامها التي أطلقت على الشعب العراقي اسم «الشعوب العراقية» أيام حكم عبد الكريم قاسم، ولا مانع لديها من أن تكون هناك وحدة بين الشعوب على أساس طبقي، وليس على أساس قومي، ولعل الحوار الذي جرى بين «خروتشوف» و«عبد الناصر» حول الأساس الذي ينبغي أن تقوم

عليه الوحدة العربية يوضح هذا المعنى.

ثم إن «رفعت أسد» مقرب من الأمريكان، ومن المعروف أنه باع قصره في فرنسا، واشترى بدلًا منه قصرًا في الولايات المتحدة، وأجرى هناك اتصالاته بالإسرائيليين.

ثم إنه مقبول عند بعض الأنظمة العربية، ونعني بذلك أن كثيرًا من المسؤولين العرب يرتاحون إليه، ويرون فيه خلفًا محتملًا لشقيقه المريض. 

وأخيرًا، فإن رفعت أسد على علاقة ببعض أطراف القيادات الفلسطينية، ودائمًا ما يبدي تعاطفه معهم، وهو الذي دعا «أبو عمار» يوم طرده من سوريا، ويوم وضع الكمين القاتل في الطريق. 

وتقول المصادر المطلعة: إن «رفعت أسد» أوفد موفدًا إلى مسؤولين كبار في المنظمة يعتذر لهم عما حدث في طرابلس، وعن طرد ياسر عرفات من دمشق، ويعتبر ذلك إهانة شخصية له!!!.

• توزيع القوى:

إن المدقق في توزيع قوات المجموعة الطائفية الفاعلة في سوريا يلاحظ أنها الآن موزعة على النحو التالي:

- مجموعة تتبع رئيس الجمهورية. 

- مجموعة تتبع «رفعت أسد» انتشرت في الجيش مؤخرًا.

- مجموعة تتبع نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام.

وبالنظر لمرض رئيس الجمهورية، والتهديد المستمر للنوبة القلبية، فإن الأقوى لخلافته هو شقیقه رفعت، وأما خدام باعتباره ليس من الطائفة فسيجد أنه محاط بأنصار وما هم بأنصار، أما إذا انقلبت الموازين فسيكون هناك البديل الطائفي في اللاذقية.

ولعل مهندس الوضع في سوريا هو نفسه مهندس الوضع في لبنان، فالخلاف بين أطراف «الجبهة اللبنانية» خلاف مفتعل ومدروس، كما أن الخلاف الذي ظهر مؤخرًا بين الكتائبيين أنفسهم هو خلاف من هذا الطراز.

- فهناك جناح «فادي أفرام»، وله علاقة مع أمريكا. 

- وهناك جناح بالغ التطرف، وله علاقة مع إسرائيل.

- وهناك جناح آخر له علاقة بسوريا.

 وقادة هذه الأجنحة يرتبطون بعلاقة مصاهرة مع «بيير الجميل» - مؤسس حزب الكتائب - فهم أزواج لبناته، وأما أولاده «بشير» و«أمين» فكانا يمثلان تيارين مختلفين، فالأول: كان يمثل التطرف والاتصال بالإسرائيليين. والآخر: يمثل الاعتدال والاتصال بالعرب، وبالتحديد بعض قادة فتح. 

والقارئ في غنى عن الحديث عن كيفية وصول الأول إلى رئاسة الجمهورية، ثم خلافة شقيقه له بعد مقتله.

والدروز كذلك فريقان:

- فريق يتجه نحو إسرائيل.

- وفريق يتجه نحو سوريا.

وإذا كانت شخصية «كمال جنبلاط» قد هيمنت على الفريقين فيما قبل، فإن الفريقين ظهرا للعيان بعد خلافة «وليد جنبلاط». 

ولعل الطوائف الأخرى ليست بعيدة عن هذا التوزيع، فالمهندس واحد. تبقى الأغلبية العربية المسلمة انتماء وعقيدة أنها الوحيدة المستهدفة من وراء هذه الهندسة الطائفية الرهيبة. 

وإذا كان الفلسطينيون في مجملهم ينتمون إلى هذه الفئة، فلا بد من تحطيمهم وتشتيتهم وإذلالهم؛ «ليخلو الميدان الحميدان». 

إن الوفاق الوطني في لبنان ما هو إلا لقاء طائفي بكل معنى الكلمة، وما الكانتونات القائمة حاليا إلا مشروع دويلات طائفية، تكون بديلا عن هيمنة طائفة معينة على لبنان وربما غير لبنان، وإذا كانت الأقليات المذهبية في الوطن العربي قد وجدت من ينفخ فيها؛ لتصبح لها الهيمنة على غيرها، فإن فشلت تكون لها السيادة داخل حدودها، فإن المطلوب من كافة العرب الأصلاء والمسلمين الحقيقيين أن ينتبهوا، فالمؤامرة على تجزئة الوطن العربي وإذلال المسلمين مستمرة.

إن دول الطوائف قادمة، بل هي قائمة، وما لم يصح الذين انبهروا بالفكر الأممي الإلحادي أو بالفكر القومي اللاديني، فسيكتشفون بعد فوات الآوان أنهم كانوا ضحية وهم كبير. وأما الذين اهتموا بالمظهر دون الجوهر، وانشغلوا بالمسائل الخلافية عن المسائل الوفاقية والتوفيقية، فسوف تجرفهم الريح الطائفية إلى هوة سحيقة، ثم يهال عليهم تراب النسيان.

إن من واجبنا أن ننبه قبل فوات الآوان: يا مسلمون اتحدوا، ويا عرب أفيقوا، وإذا كان الله قد وهبكم أبصارًا فادعوه أن يهبكم البصائر، وإلا 

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (سورة المائدة: ٥٤).

الرابط المختصر :