العنوان المؤتمر القومي الإسلامي وتضميد الجراح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 49
الأحد 30-نوفمبر-1997
تضميد الجراح ليس بالأمر الهيِّن، ولكنه ممكن، وجمع التشرذم الثقافي والفكري صعب، ولكنه ليس بالمستحيل، وتوحيد القوى المبعثرة، والعزائم المتناثرة عصي، ولكنه مستطاع إذا خلصت النيات، وصفت القلوب، واستشعرت التبعات الجسام، وكانت فكرة جمع القوميين والإسلاميين في مؤتمر واحد تتلافح فيه الأفكار، وتتحاور فيه الآراء، وتتناصح في أروقته الاتجاهات، وتتعاون في جلساته الفعاليات لوقف التدهور في الأمة، ومنع التشرذم في الثقافة، وإيقاف الهزائم في مواجهة العدو، كان ذلك عملًا رائعًا بكل المقاييس، حيث أكد هوية الأمة الإسلامية، ورسخ نظامها الشورى، ووحد فكرها الجهادي، وضمد كثيرًا من الجراح بين المثقفين التي عمل المستعمر وأعداء الأمة على إيقادها وتفاقمها زمنًا كبيرًا. وجعلها مرضًا من أمراض الأمة المستعصية، وعلة من عللها القاتلة، حتى صار السوء والانحدار سمة لازمة لا فكاك منها، لخصها بعضهم مثل د. عصام نعمان، بقوله: كنا منذ قرون في عجز، وصرنا في عجز أكبر، إنه سجل للانحطاط والانحدار.. فأين القرار؟
قبل عقد أو عقدين، كنا نتحلى بقدر من المكابرة، نرفض الإقرار بالعجز، وإن كنا نمارس مفاعيله المخزية، واليوم نتحلى بقدر غير قليل من المفاخرة به، نعترف بالعجز ويدعو بعضنا المترع بدعاوى الغرب إلى التسليم بأبديته، بل إلى التسليم بأن ثمة ثمنًا يُقتضى دفعه بلا تسويف، وفي غمرة هذا الانحدار برزت وانتعشت دعوة الواقعية في السياسة، وما السياسة الواقعية؟ إنها فن تقسيط التنازلات.
نحن محكومون بأن ندفع ثمنًا باهظًا لجلادينا المحليين والأجانب، فلنكن إذن بارعين في تقسيط التنازلات على أطول مدة ممكنة، مسموح لنا أن نتأخر قليلًا في تسديد الدين، وغير مسموح لنا الانصراف إلى ثروة تفيض عن مقدار الدين، فالإثراء غير المشروع مسموح، والتثمير المشروع ممنوع.
ولا يكف أعداؤنا في غمرة عجزنا عن ابتزازنا بل هم يسعون إلى تدويم حال العجز، ذلك لأن ديمومة العجز تكفل ديمومة الابتزاز، ومع ذلك تهون نتائج العجز بالمقارنة مع فهمنا القاصر الذي يبرز ذلك فيقال تبريرًا: العجز الذي نرتع فيه نابع حسب هذا المفهوم من خارجنا، ساع إلى داخلنا، فالخلل ليس فينا بل هو صادر عن الآخر الذي يتربص بنا، كأنه ليس المطلوب منا وفق هذا المفهوم القاصر، إصلاح الذات القومية والإسلامية، والارتقاء بها وتدريبها على مواجهة أعدائنا، بل المطلوب هو تكيف الذات، رغم ضعفها لتقديم المزيد من التنازلات، لقد بات همنا هو إرضاء العدو، وليس إرضاء النفس، إرضاء العدو كي لا يطالبنا بدفع الثمن دفعة واحدة فيرهقنا، وقد يدفعنا إلى المزيد من العمل بلا أمل، أليست هذه هي فلسفة التسوية والتراجع من «كامب ديفيد» إلى «أوسلو»؟
هكذا سلكنا نهج التراجع أمام أعدائنا بلا هوادة، إنه تراجع شبه مبرمج يغذى بامتياز صناعة الانحطاط، ثم ما هو الانحطاط؟ أليس هو الإدمان على التراجع والتنازل؟ ولهذا ينبغي للأمة ومثقفيها أن تتبنى مشروعًا للنهضة يكون واضح المعالم، وقادرًا على البعث الفكري والحركي والعلمي للأمة، مشروع يحمل الجانب العملي، ويقوم به رجال أقوياء مدربون على الأفعال، أمناء على المبادئ والتعاليم «الأقوياء الأمناء»، فهؤلاء هم المؤهلون لحمل التبعات، لقد تعبت الأمة ممن يعتبرون الكلام أفعالًا، حتى أصبح الكلام في قاموس الممارسة العربية، ليس تعبيرًا عن فعل، بل هو الفعل نفسه، أنا أتكلم إذن أنا أفعل!
فليس هناك من فارق بين الأقوال والأفعال في تقاليد الانحطاط العربي، فالأقوال هي أفعال صوتية، ولهذا قد شخّص بعض الباحثين الشخصية العربية بقوله: «العرب ظاهرة صوتية» ولهذا فمن يخرج عن هذه الظاهرة أو يتمرد على هذه الطبيعة، يتهم أو يباد إن أمكن حتى لا يفسد الذوق العربي الناعم بالانحطاط، فإذا تمردت حماس على الأقوال وجنحت إلى العمل، فالويل كل الويل لها، وهي إرهابية، أضاعت مناخ الاستسلام، وعكرت صفوه، ولابد من عقابها وعقاب كل من ينتمي إليها او يساندها، واي حركة تتجرأ، أو يشم منها رائحة الجد فالويل والثبور، فالمحاكم العسكرية جاهزة، والسجن والسجان ينتظران، والمقاصل مستعدة، تقول: هل من مزيد؟!.
ولهذا يستطيع كل مراقب لأحوال الأمة أن يقرر بسهولة ما يلي:
أولًا: أن الانحطاط كامن في أعمالنا وحالل فينا، ونابع من تصرفاتنا، وليس كل جراثيمه وافدة من خارجنا، وإذا ظلت نفوسنا بلا علاج أو إصلاح تجذر هذا الخلل، وتحوّل إلى طبيعة وقابلية مفتوحة على مزيد من الأمراض الوافدة.
ثانيًا: أصبحنا بفعل الكثير منا أعداء أنفسنا بامتياز، نحطم أنفسنا بأنفسنا، سلطة وشعوبًا وممارسة، فالسلطة عندنا ليست نابعة من طاعة الرعية. بل من خضوعها وقهرها، والشعوب عندنا ليست سندًا للسلطة بل متربصة بها، إلا من رحم ربك.
ثالثًا: النهضة عندنا وفي مجتمعاتنا أخفقت لأنها كانت محاولة تغيير من خارج وليس من الداخل، والنهضات ليست صناعة أوروبية أو أمريكية أو شيوعية تفرض نفسها علينا، وتدعونا إلى الامتثال لها، بل هي دائمًا تكون صناعة وطنية، تبدأ من التغيير الذاتي النابع من الهوية والثقافة الروحية والاجتماعية، لهذا وغيره يجب على مثقفي الأمة وعلمائها ومفكريها لم شمل الفعاليات العربية والإسلامية وتضميد الجراح التي نتجت عن المعارك الوهمية التي أوقدها الاستعمار ليباعد بين الفريقين عن المعركة الحقيقية، وليستأصل كل منهما الآخر.
وكانت لفتة قيمة وهي إقامة صرح يجمع مثقفي الأمة على كلمة سواء لقراءة حالها، ومواجهة التحديات التي تعوق مسيرتها في الداخل من الاستبداد والظلم والكبت والفساد، وفي الخارج من دفع للعدوان على أمتنا، ومنع نهب حقوقها ومقدساتها، والاعتداء عليها عسكريًا، واقتصاديًا، وحضاريًا، حيث بلغ تجرؤ قوى الطغيان الغربي علينا ذروته في تلك الحملة المنظمة لتشويه حضارتنا الإسلامية، وقيمها العليا التي ازدهرت في كنفها ووصمتها بالإرهاب تارة، وبالعدوانية تارة أخرى إلى آخر الأوصاف العدائية التي أثقلت النفوس بالهموم والأسى، وحفزت كثيرًا من الطلائع الثقافية، والنخب الفكرية إلى الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة هذا الطوفان الأسود، والحقد اللعين، بالعمل والجهد والكفاح، واستدعاء الصحوة الإسلامية لتكون في الطليعة، حيث ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنها هي فارسٍ الحلبة، وراية الأمة، وعِزمِها: ولتنادِي من جديد ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ: 49) ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ﴾ (آل عمران: 103) والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.