العنوان المؤسسات اللا ربوية والتحديات المعاصرة
الكاتب الدكتور مصطفى الزرقا
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
مشاهدات 58
نشر في العدد 843
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
أسرة التحرير
عندما ظهرت إلى الوجود فكرة
المؤسسات الاقتصادية الإسلامية وفي طليعتها ما يسمى بـ«البنوك الإسلامية» فوجئت بالاستغراب
وعدم الترحيب من قبل السلطات في البلاد العربية وانعكس هذا في عدد من العراقيل أمام هذه البنوك.
فالمسؤولون في كثير من الحكومات
لم يألفوا فكرة البنك الإسلامي وليسوا قادرين على تصور مثل هذه البنوك في ظل الأنظمة
الاقتصادية السائدة في الدول العربية والمرتبطة بمفاهيم الاقتصاد الغربي.
وعلى هذا فإن عملية إنشاء البنك
الإسلامي في بعض الدول قد واجهت مشكلة قانونية في البداية تتمثل في عدم إعطائها الصيغة
القانونية المناسبة لممارسة نشاطاتها، فلم يكن من المعقول أن تخضع البنوك الإسلامية
لذات القوانين التي تحكم البنوك الربوية السائدة لأن طبيعة النشاط الاستثماري للبنك
الإسلامي مختلف تمامًا عن ذاك الربوي.
- مشكلة قانونية
فالبنك الربوي يعتمد على أسلوب
الإقراض والاقتراض، الإقراض بنسبة أكبر والاقتراض بنسبة أقل والفارق يكون لصالح البنك
وغالبًا ما تلجأ البنوك في بلادنا العربية لعملية إعادة الائتمان في بنوك الدول الغربية
والصناعية، لذلك فإن نفعها للاقتصاد المحلي قليل.. ولا تسمح القوانين الموضوعة للبنوك
الربوية بممارسة الأعمال التجارية.
ولكن هذه الأعمال وأسلوب الاستثمار
المباشر يأتي في صلب نشاط البنك اللاربوي (الإسلامي) ولا شك أن إخضاع البنك الإسلامي
لقوانين البنوك الربوية سيخلق صعوبة كبيرة أمامه، وقد تم التغلب على هذه العقبة في
بعض الدول العربية بينما تعذر ذلك في دول أخرى.
فالبنك اللاربوي (الإسلامي)
يستقبل الودائع من زبائنه ويجعلها في مشاريع استثمارية مباشرة ومتنوعة فيكون رأس مال
من المودعين والعمل من البنك والربح مشترك بينهما، ولهذه المضاربة نتائج جيدة في الغالب
ويمكن أن تحقق للمودعين أرباحًا أكبر من تلك التي توزعها البنوك الربوية.
فإذا كان البنك الربوي يقدم
5% كفائدة ربوية ويحتفظ بباقي الأرباح الفعلية فإن البنك الإسلامي وفي ظل اقتصاد مزدهر
يستطيع تقديم أرباح أكبر بكثير، وفوق ذلك فإن هذه الأرباح هي من الناحية الشرعية حلال
وبعيدة عن شبهات الربا.
لذلك فإن البنوك الإسلامية لدى
تأسيسها حظيت بإقبال كبير من قبل المودعين الذين تدافعوا لشراء أسهمها ودخلت في حساباتها
ودائع بمبالغ كبيرة جدًا، فمن الناس لا يريد أن يحقق ربحًا أكبر مما تحققه البنوك الربوية،
وفوق ذلك فهي أرباح حلال.
- عدم القدرة على الاستيعاب
ولكن هذا بحد ذاته خلق مشكلة
جديدة لهذه البنوك، فقد كانت هذه المبالغ الكبيرة أكبر من الطاقة الاستيعابية لها،
وتمكنت معظم تلك البنوك وفي ظل الانتعاش الابتدائي ووجود اقتصاد ملائم من تقديم أرباح
كبيرة نسبيًا وصلت في بعض تلك البنوك إلى ١٥% وفي الأردن ٧% وهنا في الكويت حوالي %۱۲. ولكن ما لبثت هذه النسبة أن بدأت في التناقص الأمر الذي تسبب في
خيبة أمل المتعاملين مع البنوك، فوجود ودائع كثيرة مقابل فرص استثمارية متراجعة وتدهور
اقتصادي في بعض الأقطار، كل هذا تسبب في إخراج بعض البنوك الإسلامية وعطل قدرتها في
الاستمرار في تقديم أرباح جيدة، وبالتالي سخط بعض المتعاملين وإلقاء اللوم على إدارة
بعض هذه البنوك، دون أن يكون لهذه الإدارة حيلة في هذا التراجع.
فهذه من السلبيات الأساسية التي
واجهت البنوك الإسلامية.. وأحب أن أشير هنا إلى أنني أحبذ استخدام «بيت تمویل» أو «بیت
استثمار» عوضًا عن مصطلح «بنك إسلامي».
- التحرك في الاتجاه الخاطئ
الأمر الذي يمكن أن يلام عليه
القائمون على هذه المؤسسات الإسلامية الهامة هو أخذهم بطريق جانبي في إدارة الأعمال
الاستثمارية وتركهم للطريق الرئيسي والطبيعي.
وأعني بذلك أنه عندما تأسست
«بيوت الاستثمار» كان أمامها طريقان أن تنزل إلى السوق وتنفذ مشاريعها الاستثمارية
بصورة مباشرة فتدير أعمالها بنفسها أو بالمشاركة في مؤسسات تجارية عاملة في مجالات
التجارة والصناعة وهو الطريق الرئيس المطلوب منها.
والطريق الجانبي هو «المرابحة».
والمقصود بالمرابحة أن يشتري
«بيت الاستثمار» سلعة ما بطلب من أحد العملاء ويبيعها له بربح مع تأجيل الثمن، فيكون
«بيت الاستثمار» في هذه الحالة في موقع التاجر الذي يشتري البضاعة ويبيعها بربح مع
تأجيل الثمن.
أو أن يستورد البنك بضاعة من
الخارج لصالح طرف ما ويبيعها له بربح وتقسيط وهذه الطريقة تناظر أسلوب الاعتمادات المستندية
التي يتعامل بها بعض التجار مع البنوك الربوية.
هذان الأسلوبان هما ما يقصد
به بالمرابحة.
لقد بدأت «بيوت الاستثمار» بالطريق
الأول الطبيعي وهو الاستثمار المباشر لكنها ما لبثت أن انحرفت عنه إلى طريق المرابحة،
والسبب في ذلك أن القائمين على بعض تلك البيوت الاستثمارية لا يريدون تحمل مسؤوليات
العمل الاستثماري في السوق، فالمرابحة طريقة مريحة للبنك وتتم في المكاتب وعلى المناضد
المريحة وبدون مشقة، فالعميل يحدد المصدر وجهة الشراء ووظيفة البنك الشراء وممارسة
الأعمال الورقية المكتبية.
وكان من سلبيات ذلك عدم الحصول
على الفرص الاستثمارية الممتازة التي يقتنصها من يمارس الاستثمار المباشر وتراجع الإيرادات
والأرباح بسبب ذلك الكسل.
- ملاحظة شرعية
ومع الأسف فإنه من ذلك فإن بعض
بيوت الاستثمار تلك لم تطبق أسلوب المرابحة بالطريقة التي قررها الفقهاء، فعلى سبيل
المثال فإن المرابحة يجب أن تتم في عقدين: عقد يشتري فيه البيت الاستثماري البضاعة
المطلوبة ويتحمل كافة مسؤوليات الشراء تجاه البائع، ثم يقوم هو ببيع البضاعة لطالبها
الأصلي ويتحمل مسؤوليته كبائع تجاه المشتري وبعقد جديد.
ما تفعله بعض بيوت الاستثمار
أنها تختصر العقدين في عقد واحد بل ويطلبون من العميل التوقيع على وثيقة تلزمه بتحمل
جميع المسؤوليات والمصاريف بل وحتى التأمين على البضاعة.
فهذا الاختصار الذي أرادوا به
الراحة وعدم تحمل المشقة أوقعهم في ملاحظات شرعية وانتقاد من العملاء الذي شكك بعضهم
بالفرق بين هذا الأسلوب في المرابحة وبين ما تفعله البنوك الربوية العادية.
وإذا أحببت أن أقول في ترشيد
العمل المصرفي الإسلامي وأن أوجز فإنني أحب التأكيد على صواب فكرة بيوت الاستثمار الإسلامية
والحاجة الملحة لها كبديل للبنك الربوي، وعلى القائمين على بيوت الاستثمار هذه مراعاة
دقة الالتزام للأحكام والضوابط الشرعية مع حسن التعامل مع الناس.
فالناس ترضى بالحلال القليل
وتريد أن تصون دينها، ولا ينبغي أن نستغل شعور الناس بعدم الرضا بحرام البنوك الربوية
وأن تلزمهم بالتعامل معنا في بيوت الاستثمار وبالصورة السلبية لبعضها والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل