العنوان المال .. والترف .. والوقف.. البحث عن الثري المحسن في عالم «محدثي» النعمة
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 49
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 20
الأحد 30-نوفمبر-1997
تدخلت الدولة وحصرت العمل الاجتماعي في الإطار الحكومي.. فخرج الأهالي.
ودائع المصريين في البنوك زكاتها تفوق المعونة الأمريكية لمصر
الأخلاقيات نقطة ضعف.. والفهلوة والكذب والخداع شطارة!
فقراء يقلدون الأثرياء: تليفون محمول لعبة
أثرياء أوائل القرن أوقفوا ملايين الأفدنة للعمل الخيري.. وأثرياء أواخر القرن يتهربون من الضرائب ودفع الزكاة
لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.. ولكن يبدو أن هذا المعنى قد ضاع من أذهان كثيرين في هذه الأيام، فجعلوا همهم جمع المال بأي وسيلة ممكنة، وإنفاقه أيضًا بكل وسيلة ممكنة، دون مراعاة لمسألة الحلال والحرام.
وفيما ينفق هؤلاء بسفه فاحش يعاني آخرون الحاجة -فما اغتنى غني إلا بفقر فقير- فقد ضمرت العلاقات الاجتماعية وانسد معين الخير عند هؤلاء المبذرين المسرفين.
في هذا الموضوع نحاول عرض أسباب هذه الحالة.. ومدى عمقها وتشعبها، ومدى المفارقة بينها وبين ما كان يحمله أصحاب الأوقاف قديمًا من مسؤولية تجاه مجتمعاتهم، بل تجاه المخلوقات جميعًا حتى أنهم أوقفوا طعامًا للحيوانات.. فلنقرأ ونرى.
كان الطريق مزدحمًا وضيقًا ويتسابق فيه شاب مراهق بسيارة فارهة وهو يدير مسجل السيارة على موسيقى غربية صاخبة، مع سائق سيارة تاكسي متهالكة، فوقع احتكاك طفيف بين السيارتين، فما كان من الشاب المراهق إلا أن ترجل من سيارته وخاطب السائق أمام المارة بهدوء يثير الغيظ يا أسطى أنا لو عربيتي تهشمت بابي -أي أبي- سوف يحضر لي سيارة غيرها ولكن أنت من سيحضر لك غير هذه السيارة القديمة؟
هذا الشاب نموذج لطائفة جديدة من الأثرياء الترفيين أو التفاخريين الذين بدأوا غزو العديد من الدول العربية.. وبعضهم أثرى بشكل سريع ومشبوه، ولذلك يصرف أمواله بالطريقة نفسها التي جمعها بها، فلا هم مثل أسلافهم الذين كان الواحد منهم حتى منتصف هذا القرن يوقف كل أملاكه أو نصفها للأوقاف الخيرية وإقامة المشروعات المفيدة ولا حتى مثل أثرياء الغرب الذين يبنون المؤسسات الخيرية وينشئون المستشفيات والمعامل ويدعمون البحث العلمي.
هؤلاء الأثرياء الجدد جلبوا معهم جملة من القيم الفاسدة، وقتلوا بسلوكهم قيمًا أخرى جميلة كانت سائدة في الماضي وبدأ نورها يتضاءل ودفعوا بسلوكهم التفاخري غيرهم من المحرومين للتظاهر بالغنى تارة لجذب الاهتمام لهم والكذب والخداع والنفاق تارة أخرى، وساعدتهم وسائل إعلام اليوم على ذلك.
منذ أسابيع -كما يقول الكاتب الصحفي المصري أحمد بهجت- شوهد رجل يعبر ميدانًا مزدحمًا وهو يتحدث في تليفون محمول، وبسبب انهماكه في الحديث صدمته سيارة، ونقل إلى المستشفى في حالة خطيرة، واتضح أثناء التحقيق أن التليفون المحمول الذي كان سببًا في الحادث من نوع لعب الأطفال، وأن حامله كان يتظاهر بالأهمية، ويبدو أنه انهمك في تمثيل دور الرجل المهم حتى دهمه خطر الطريق!.
ولذلك عندما هممت بسؤال بائع لعب أطفال في مدينة نصر شمال القاهرة عن إقبال الأطفال في مصر على لعبة التليفون المحمول، أقسم أن هناك أشخاصًا كبارًا اشتروا منه أجهزة تليفون محمول كنوع من الوجاهة لأنه أصبح أحد مؤشرات الثراء، إذ إن التليفون يحمله الآن أطفال صغار في النوادي أو الشارع أو السينما، وحتى في يد ربة المنزل وهي تشتري لوازم البيت، بل إن بعضهم يتعمد الانتظار بسيارته في مكان بارز في الشارع ويخرج من السيارة ويتكئ عليها وهو يتكلم في المحمول ليلفت الأنظار إليه.
يقول الكاتب الإسلامي فهمي هويدي واصفًا هؤلاء الأثرياء الجدد إن الظروف التي أحاطت بسياسة الانفتاح الاقتصادي، أتاحت لفئات جديدة الدخول إلى عالم الثراء السريع ويسبب ظروفها الاجتماعية وحداثة عهدها بذلك العالم، فإن تلك الفئات جعلت كل همها إشباع رغبتها في الاستمتاع بالحياة وتعويض الماضي وتأمين المستقبل، ومن ثم فإنها أسقطت المجتمع من إدراكها ولم تلق له بالًا من أي نوع.
وهؤلاء -كما يضيف هويدي- يختلفون عن أثرياء الأزمنة السابقة الذين توافرت لهم ظروف الشبع من البداية أو كانوا عصاميين صعدوا السلم من أوله خطوة خطوة، وأصبحوا أكثر ثقة واطمئنانًا وظلوا على ولائهم للمجتمع من حولهم.
وقد دفع عدم عطاء ووفاء هؤلاء الأثرياء الجدد الذين ظهروا بعد الانفتاح الاقتصادي في مصر أواخر السبعينيات لمجتمعهم وتكاسلهم عن وقف بعض أموالهم أو ممتلكاتهم في مشروعات خيرية تفيد المجتمع، دفع شرائح كبيرة من الكتاب لمهاجمتهم وتذكيرهم بما يفعله الرأسماليون من خدمات وأعمال خيرية لبلادهم رغم عدم تحليهم بالصفات الأخلاقية الإسلامية مثل أبناء العرب وضربت أمثلة في هذا الصدد على المؤسسات الخيرية الكبرى مثل «روكفلر» و«فورد» و«كارينجي» وغيرها التي أوقف أصحابها دخلًا سنويًا ثابتًا للإنفاق منه على المشروعات الخيرية ومشروعات البحث العلمي، وضرب البعض أمثلة بأهل الخير القدامى الذين أوقفوا ملايين الأفدنة الصالح العمل الخيري في مصر وغيرها.
وسوف تناقش في القاهرة خلال أيام رسالة دكتوراه عن الأوقاف المصرية للباحث إبراهيم البيومي غانم غنية بالأمثلة من التاريخ المصري ومن واقع ملفات وزارة الأوقاف المصرية التي تشير إلى مئات من حالات الوقف الخيري التي خصصها أصحابها للتعبير عن وفائهم للمجتمع المصري وولاتهم له مثل الوقف الذي نذره المنشاوي باشا عام 1903م، والذي يبلغ 4645 فدانًا مصريًا إضافة لعقارات أخرى لبناء مدارس ومعاهد دينية ومستشفيات، وإنشاء مشروع للقرض الحسن بدون فوائد، وصندوق أموال لأهالي المتوفين من جنود الجيش المصري، وبناء مساجد وكسوة للعلماء وطلاب العلم وحتى تخصيص مبلغ سنوي الشراء طعام للكلاب الضالة!.
بل إن أقل وقف ترصده الدراسة نقلًا عن ملفات وحجج الأوقاف المصرية المحفوظة لا يقل عن مئات الأفدنة، ويتراوح غالبًا حول الأربعة آلاف فدان غير الأموال السائلة والعقارات الأخرى.
أما أثرياء اليوم فنادرًا ما يتبرعون بأموالهم المشروعات خيرية، حتى لو فعلوها فقد يكون أيضًا الهدف منها هو التفاخر ليس إلا بعض راقصات مصر تسابقن في شهر رمضان لإقامة موائد الرحمن، وتناقلت الصحف تفاصيل كل مائدة حتى أصدر مفتي مصر د. فريد نصر واصل فتوى يحرم فيها الإفطار على هذه الموائد ما لم يكن الصائم لا يعلم من أقامها.
بل إن وزارة المالية لا تشكو سوى من تهرب كبار الأثرياء والفنانين أصحاب الثروات المتضخمة ولا يمر شهر إلا ويحال أحدهم للقضاء بسبب التهرب الضريبي.
التقرير السنوي الأخير الذي أصدره البنك المركزي المصري مؤخرًا يؤكد أن قيمة ودائع المصريين في البنوك المصرية وحدها ارتفعت بنسبة 14,7 % لتصل إلى 200,6 مليار جنيه «59 مليار دولار»، ولو تم خصم زكاة المال 2,5 % من هذه المبالغ سنويًا لتوافرت حصيلة تقدر بحوالي مليار ونصف المليار دولار، ولو أضيفت إليها زكاة بعض الأموال الخاصة بالمصريين والموجودة بالخارج لفاق الرقم قيمة المعونة الأمريكية السنوية لمصر والتي تقدر بمليارين و300 مليون دولار سنويًا.
الأعمال بالنيات
ولكن هل معنى ذلك أن أثرياء الغرب هم بالفعل أكثر خيرًا من أثرياء العرب، وأنهم يتبرعون بهذه المبالغ الخيالية لوجه الله؟
يفسر الأستاذ السيد ياسين -مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام سابقًا- هذا الكرم الغربي طارحًا أسبابًا أخرى فيقول: إن من أخلاقيات الرأسمالية الغربية وأحد تقاليدها عدم الانغماس في الترف.. لماذا؟ لأنها تؤمن بالتراكم الرأسمالي، بمعنى أن تتراكم الأرباح ويتم عمل مشروعات جديدة، وهذه مسألة متعلقة بما يسمى بالأخلاق البروتستانتية حتى إنهم يتسمون بالبخل أحيانًا لتوسيع المشروع الرأسمالي، ويضيف أن الرأسمالية الغربية لديها إحساس منذ وقت مبكر بأنها مطالبة بتحمل المسؤولية الاجتماعية بالمشاركة الإيجابية الخلاقة في الأعمال ودعم البحث العلمي، وكان لدى هؤلاء الرأسماليين الوعي الكافي أنه لتلافي الحقد والصراع الطبقيين ينبغي على رأسمال المال أن يقدم خدماته للمجتمع، ومن هنا وجدت مؤسسات «فورد - روكفلر - كارينجي» الخيرية، وغيرها.
ويعتقد فهمي هويدي أن فكرة نشأة هذه المؤسسات الخيرية نقلها اثنان من الأثرياء الأمريكيين لبلادهم بعد زيارتهما لمصر والآستانة أوائل هذا القرن.
ويضيف د. ياسين أن العديد من أثرياء الغرب تبرعوا لبناء اقسام في المستشفيات ولدعم البحث العلمي وإنشاء الجامعات في إطار الخوف من المشروع الماركسي الذي كان يريد قلب المجتمع الرأسمالي، وكرد فعل -أيضًا- لهذا الخوف نشأ هذا الاتجاه العقلاني -كما سمي- لبناء المشروعات الخيرية ودعم البحث العلمي، إلا أن ياسين يفرق بين هذه الرأسمالية الغربية وأثريائها وبين بعض الأثرياء الجدد في عالمنا العربي، والذين حصل بعضهم على الأموال بطرق غير مشروعة، ومنهم ينبع الاستهلاك التفاخري - كما يطلق عليه في علم الاجتماع، ويقول إن الاستهلاك بغرض التظاهر الاجتماعي يأتي من أفراد «محدثي النعمة»، وليسوا من صلب الرأسمالية الوطنية، فهم حصلوا على أموالهم في الغالب الأعم بطرق غير مشروعة وبالتالي فمن السهل عليهم تبديدها وإنفاقها في أنماط استهلاكية.
ويضيف أن بعض الأثرياء في مصر والعالم العربي لم يرقوا بعد المستوى الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، وأهمية رأس المال، ومن هنا إحجامهم عن المشاركة في تنمية المجتمع والأعمال الخيرية ودعم البحث العلمي، وأن هذه المرحلة مرحلة الثراء حرفي هي مرحلة انتقالية في المجتمع المصري بكل ما تحمله من قلق اجتماعي واضطراب في القيم، إذ إن هناك صراعًا بين قيم كانت مستقرة إلى حد ما، مثل قيم: «الصالح العام - تكافؤ الفرص - نبذ تراكم الثروات»، وحلت محلها قيم: «الرغبة في الثراء السريع - الشطارة - الفهلوة....».
ويضيف أن هناك قيمًا انقرضت وسادت قيم المجتمع المادية بمعنى أن يقاس الشخص بمقدار ما يمتلكه، وأحيانًا لا يسأل أحد من أين لك هذا؟ ويظل يحتفظ رغم ذلك بمكانته الاجتماعية البارزة.
الأخلاق... ضعف!!
وتكشف الدكتورة هبة جمال الدين -الخبيرة في دراسات الرأي العام والبحوث الإعلامية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية- عن أن ظاهرة الثراء الترفي خلفت وراءها أفكارًا غريبة، فأولادي -كما تقول- يتهمونني أحيانًا بالضعف لمجرد أنني أقول لهم الاختيار الأخلاقي! في حين أنهم يريدون الاختيار الواقعي الذي يقدمه الإعلام في صورة «الفهلوي»، والمخادع، والنصاب.
وتضيف أن الأخلاقيات أصبحت أمرًا ينظر لها على أنها ضعف، وأن قيم «الفهلوة» و«الفتاكة» واللا أخلاقيات ينظر لها على أنها قوة و«شطارة» وأن القوة والبطش والسرقة والاستغلال هي التي تأتي بالنفوذ مثل الأفلام الأمريكية التي تركز على الخداع والفهلوة، وتصور سرقة بنك مثلًا أو السطو والقتل نوعًا من الذكاء والتفكير الجديد، وأنه أمر مستحسن.
وتضيف د. هبة أن هناك عداء داخليًا متناميًا لدى الناس بسبب استفزازهم من تصرفات الأثرياء المتفاخرين، فنجد شابًا يتعمد كسر مصباح يضيء الشارع أو يمزق حشوة كرسي في وسيلة مواصلات عامة وكلها مظاهر لنوع من العداء والتنفيس عن الكبت.
وترجع د. هبة الفارق بين أثرياء اليوم وأثرياء الأمس لعامل التنشئة داخل الأسرة وتلفت النظر إلى أن الأبحاث الاجتماعية تكشف عن أن منظومة القيم كلها اختلفت وتغيرت الآن عن الماضي، وبناء عليها تغير تقييم الناس للأمور واختلف بشكل غير طبيعي، فمثلًا كان الناس زمان يسخرون من الشخص الذي تسكن معه في البناية شخصية ذات سمعة سيئة ويعتبرون ذلك «سبة» وحتى حارس البناية يكون متضررًا من ذلك، أما الآن فسوف نجد من يتفاخر بالقول إنه يسكن معه في البناية الحاجة «فلانة» الراقصة كما أن بواب العمارة يؤدي لهذه الراقصة التحية والسبب أنه في النهاية سوف يستفيد ماديًا، وتختم حديثها بالقول إن رؤية الناس للمسائل الأخلاقية اختلفت، فكيف بعد ذلك نتحدث عن قيمة مثل قيمة العطاء والوقف الخيري؟
الفردية هي السائدة
أما د. هويدا عدلي -المتخصصة بالبحوث الاجتماعية بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية- فتربط بين الثراء المترف وارتفاع قيمة «الفردية» في المجتمع وتقول إن سياسات الانفتاح الاقتصادية والتغيرات التي حدثت في المجتمع أدت الارتفاع قيمة الفردية، ففي الماضي كانت هناك حركة وقف خيري عالية بحيث يهب الناس بعض أملاكهم للإنفاق على بعض المشروعات، وكانت هناك روح تكافلية عالية، أما الآن فقيمة الفردية هي السائدة والفرد هو أساس المجتمع.
لماذا لا يتبرع أحد؟
وتلفت د. هويدا النظر إلى أنه لا يجب أن نعمم القول إن لا أحد يتبرع الآن بأموال وأوقاف كما كان يجري في الماضي، فهناك كثيرون يريدون التبرع بأموالهم وهناك أيضًا أثرياء يريدون ذلك ولكن المشكلة لمن يعطونها؟ ولو أعطوها هل ستذهب للجهة التي تستحق؟
باختصار هناك «شك» أصبح موجودًا لدى المتبرعين خاصة أن الدولة بدأت تتدخل في العمل الأهلي وبدلًا من أن تشجع العمل التطوعي في سبيل تنمية المجتمع وتطويره بدأت تصبح قيدًا على هذا العمل فيضطر الناس للعزوف عن الفكرة، أي أن شك المتبرع في وصول تبرعه لمكانه الصحيح يدفعه لعدم التبرع، فلو أعلنا عن برنامج لسداد ديون مصر مثلًا تقول د. هويدا فلن يتبرع الكثيرون لأنهم لا يعرفون إلى أين ستذهب هذه الأموال، ولكن لو أعلنا في حي معين عن بناء بيت للمسنين الذين لا يجدون من يرعاهم ستجد مائة شخص يتقدم للتبرع لأن هذا الأمر ملموس أمامه ويراه ويصدقه ويضمن أين سيذهب المال الذي يدفعه، ثم إن التبرع ليس بالضرورة فرديًا بمعنى أن يتبرع شخص واحد بمليون جنيه، وإنما يمكن أن يتبرع كثيرون بمبلغ رمزي مثل «مشروع القرش» الشهير في مصر في الخمسينيات، فلو قلنا إننا نريد جمع ألف جنيه فقد يصعب الحصول على المبلغ من شخص واحد ولكن لو تبرع كل فرد بجنيه مثلا فسيتم جمع المبلغ والقيام بالعمل الخدمي المطلوب وقيمة الزكاة والصدقة لا تزالان موجودتين في المجتمع المصري ولم تندثرا.
تدخل الدولة أفسد المجتمع المدني
وقد فسر بعض من سألتهم المجتمع أسباب عزوف الأثرياء الآن عن وقف أموالهم في مشروعات خيرية بالقول إن ثورة يوليو حظرت التبرع الأهلي وحصرت الأمر في وزارة الأوقاف وغيرت قانون الجمعيات التي كانت تتولى هذا الوقف بشكل أدى لإغلاق أبواب الخير، كما أن تدخل الدولة في الحقبة الاشتراكية في جميع مناحي الحياة جعلها مسؤولة مسؤولية تامة عن كفالة كل أفراد الشعب.
وإن كانت الباحثة الاجتماعية دعاء إبراهيم ترى أن هناك أكثر من سبب لعدم التبرع بعضها ثقافي وآخر اجتماعي وثالث ديني وغير ذلك وتقول بأن المتبرع الذي يريد التبرع سيفعل ذلك بصرف النظر عن أي اعتبارات أو قرارات.
أحد خبراء العلوم السياسية في مصر التقته المجتمع وتحدث معها ولكنه رفض التصريح باسمه فيقول بدوره إنه لو كان لدى الأثرياء «النية» لإقامة أي عمل خيري أو التبرع فسوف يفعل ذلك ولو بأشكال مختلفة غير الأشكال التي منعتها الحكومة، ويقول إن قرار الجمعيات يتخذه البعض حجة أو شماعة لعدم التبرع، ويذكر سببًا آخر لعدم تبرع الأثرياء فيقول إن الدولة الآن تقدم نفسها على أنها تقوم بكل شيء وتفعل هي بنفسها كل شيء مثل الدولة الاشتراكية ولا تريد من أحد أن يفعل شيئًا وسياساتها المعلنة تؤكد على ذلك، وبالتالي لا تعطي فرصة لمن يريد أن يتقدم بعمل بل تدفعه لأن يتراخى وخاصة أن الحكومة أخذت في وقت سابق أموال الأثرياء وبالتحديد الطبقة التي كانت تقوم بالعمل الخيري سواء بالمصادرة أو التأميم.
الإسلام لا يرفض الثراء
ولا يتردد د. سيد رزق الطويل -من جامعة الأزهر- في إدانة هذا الثراء الترفي، إلا أنه ينبه إلى أن الإسلام لا يرفض وجود الأثرياء في المجتمع إذ نعم المال الصالح للرجل الصالح، وكان كثير من أصحاب رسول الله ﷺ أثرياء وكانوا يوظفون أموالهم في الدعوة وخدمة المجتمع، ويعرف «الترف» بأنه إنفاق المال في أمور لا تدخل في المطالب الضرورية، ويحذر من أن القرآن بين أن الترف هو أساس هلاك الأمة ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) والقرآن قرن الكفر بالترف، ويحدد د. سيد رزق الطويل الترف المفسد المدمر بنوعين: نوع مرتبط بمنبع المال وآخر بكيفية إنفاقه، فبالنسبة للثاني هو يصرف المال في أمور لا علاقة لها بالحاجات الأساسية له، ويضن بها على المحتاجين، أما المنبع «من أين لك هذا؟» فأثرياؤه مصادر المال لديهم مريبة وغير صحية وأتت بطرق غير مشروعة لأن الإنسان الذي يتعب في جمع ماله نجده صاحب مكرمة ويصرف في الخير، أما من يحصل عليه بغير الحلال فينفقه في أمور لا تفيد في شيء.
ويضيف د. رزق أن القضية في المنظور الإسلامي أن الإنسان المسلم يضع في اعتباره أنه محاسب عن ماله فيم أنفقه ومن أين اكتسبه والترف وسيلة من وسائل شيوع الفساد والانحلال، وكذلك الثراء المترف فهو لا يمكن أن يسهم في خير.
ويرجع د. رزق السبب وراء تراجع فكرة الأوقاف الخيرية لشيوع الفكر الغربي والاستعمار إضافة لقرار إلغاء الوقف الخيري في منتصف الخمسينيات في مصر عندما تم حل الأوقاف الخيرية منبهًا إلى أن الوقف الخيري كان يحافظ على المال حتى لا يضيعه السفهاء، أما عن أهم القيم التي كانت تندثر تحت وطأة هذا الترف والأخرى التي تعاظمت في ظله فيعتبر د. رزق أن قيم العطاء والبذل والتضحية وحتى قيم الأسرة نفسها كادت تتقلص وتتلاشى كما أن الإحساس الاجتماعي أو الشعور بالمجتمع نفسه قد ضعف.
أثرياء لا يزالون محسنين
ويختلف هشام جعفر -الباحث في العلوم السياسية- مع ما يقال عن اندثار الأثرياء الجادين وتوقف الأوقاف والأعمال الخيرية في عصرنا الحالي عن بدايات هذا القرن ويقول إنه لا توجد مشكلة في رغبة رجال الأعمال في القيام بدور اجتماعي ما ولكن تظل القضية المطروحة هي: ما الدور الاجتماعي المطلوب من رجال الأعمال القيام به؟ ويضيف أن تكاتف مؤسسات المجتمع مطلوب لبلورة وطرح هذا الدور المتصور لرجال الأعمال، أي أن الوقف موجود كما يقول، ولكن إلى أين يذهب ومن ينظم ذلك؟ ذلك هو الشيء غير الموجود.
ويختلف د. هشام أيضًا مع ما يقال عن ترف كل رجال الأعمال والأثرياء الآن ويقول إن هناك فارقًا كبيرًا بين رجال الأعمال في التسعينيات وبين رجال الأعمال في السبعينيات «فترة بداية الانفتاح» مشيرًا إلى أن الفئة الأولى مثقفة ومتعلمة ولها مشروعات جدية وتدرك ما يحدث من تطورات في النظام الدولي ولديها رؤية للمستقبل بعكس الفئة الثانية التي كانت موجودة في فترة حكم الرئيس السابق السادات والتي حققت أرباحها -كما يقول- من أعمال غير مشروعة وغير منظمة، ولا ينكر أن الرأسمالية الجديدة جزء منها مرتبط بالرأسمالية العالمية وبالتالي تسيطر عليها ثقافة السوق وتعظيم الربح، إلا أنه يلفت الأنظار إلى أن الأثرياء الذين يعيشون في مصر والشرق العربي يتأثرون بلا شك بمنظومة القيم الإسلامية السائدة.
ويشير د. هشام إلى أن هناك بالفعل تجمعات خيرية أنشئت لرجال الأعمال المصريين مؤخرًا، كما أن البعض يتحرك - في مشروعاته الخيرية بشكل فردي ويقول إن هناك مجموعة من رجال الأعمال المصريين قامت بالفعل بإنشاء جمعية للتكافل الاجتماعي.
أما الذين يقومون بأعمال خيرية منفردة فهم كثيرون وقد لا يعلنون عن نشاطهم الخيري ولكنه موجود وملموس.