; المبادرة الجيبوتية.. بارقة أمل للمصالحة الصومالية | مجلة المجتمع

العنوان المبادرة الجيبوتية.. بارقة أمل للمصالحة الصومالية

الكاتب مصطفى عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 25-أبريل-2000

  • جاءت في ظروف ملائمة يتقلص فيها دور الفصائل المسلحة وحدة العصبية القبلية ويتنامى الوعي الوطني والشعور بأخطار الفراغ السياسي

  • تشرك العقل الصومالي في تحديد برنامج المصالحة وتخاطب المجتمع بصورة مباشرة وتشعره بالمسؤولية عن حل أزمته

  • لأول مرة حصلت على دعم قوي وعلني من المنظمات الدولية والإقليمية فالكل يرغب هذه المرة في حل الأزمة قبل أن تتحول إلى بركان يحرق القرن الإفريقي 

  • الفصائل الصومالية أصبحت قوية عندما اعترفت بها الأطراف الدولية وفرشت لها السجادة الحمراء لأول مرة 

 

على الرغم من أن جميع الجهود المحلية والإقليمية والدولية المبذولة لتحقيق مصالحة صومالية منيت بانتكاسات متكررة، إلا أن المبادرة الجيبوتية ظهرت في أجواء سانحة وظروف مواتية، وهي تنطلق من منهجية جديدة في تعاملها مع الأزمة الصومالية، وتتبنى أطروحات جديدة في كيفية حل المعضلة، وتمتاز بخصائص ومميزات تخالف بها المشاريع التصالحية السابقة.

وقد حدد الرئيس الجيبوتي أن مبادرته في المصالحة الصومالية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة:

أولها: أن ينظم ويسهل المجتمع الجيبوتي للمجتمع الصومالي الجلوس على طاولة مستديرة للتشاور في إخراج الصومال من محنته وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وانتشاله من كبوته الحالية.

ثانيها: أن المجتمع الصومالي هو الذي يملك القرار الأخير والذي يتمخض عن المشاورات الواسعة التي تشارك فيها بمختلف فئاته وشرائحه.

ثالثها: توحيد جهود المجتمع الدولي في حل القضية الصومالية بدل الجهود المتوازية على الصعيدين الدولي والإقليمي التي اشتهرت بها الفترة الماضية مما أضر بالقضية الصومالية، وأن يركز المجتمع الدولي دوره على مساعدة الصومال وإعادة تعميره بعد أن ينجح الصوماليون في تحقيق وفاق وطني فيما بينهم.

 الفرص المتاحة للمبادرة

تزامنت هذه المبادرة مع ظروف ملائمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فعلى الصعيد الداخلي يلاحظ بصورة جلية تقلص دور الفصائل المسلحة وبروز قوى الخير في المجتمع، وتقلص حدة العصبية، وتنامي الوعي الوطني والشعور بأخطار الفراغ السياسي. 

فقد أصاب الفصائل المسلحة الضمور وأفل نجم زعاماتهم الجبهوية بعد أن فشلوا على مدار عقد من الزمن في تحقيق المصالحة، وإخراج البلاد من مستنقع الحروب الأهلية، وبرز دور قوى الخير وعلا صوتها في الساحة الوطنية والمحافل التي تناقش فيها القضية الصومالية، وقد نمت وتصاعدت قوتها السياسية والاجتماعية منذ بداية الأزمة وهي تشكل اليوم قوة فاعلة ومؤثرة، بل حلت محل الجبهات المسلحة في معظم المحافظات، وفعلًا بدأ العالم يتعامل معها بكل جدية.

وتقلصت حدة العصبية القبلية نسبيًا، ومنيت بانتكاسة شديدة بعد أن باءت بالفشل الذريع في جميع المشاريع السياسية القائمة على فرض هيمنة القبائل بعضها على البعض الآخر، وذلك بعد أن فشلت القبائل التي اعتبرت نفسها قوى عظمى في حسم الصراع المسلح لصالحها، ونتج عن ذلك رفض شعبي عام ضد مغامرات تجار الحرب.

وقد تزايد الوعي الوطني وأدرك الشعب الأخطار الناجمة عن الفراغ السياسي لمدة عشر سنوات وغياب حكومة ترعى شؤونه وتؤمن له أساسيات العيش وضروريات الحياة، ولقد رأى الصوماليون أمام أعينهم الاعتداءات العسكرية على الأراضي الصومالية ولا إدانة دولية واحدة، كما أن الثروة الوطنية مهددة بالانقراض بسبب غياب السلطة ووجود شركات عالمية ومحلية تستغل هذا الوضع الشاذ.

وعلى الصعيد الخارجي يظهر المجتمع الدولي رغبته -أيًا كانت الدوافع- في إيجاد حل للأزمة الصومالية قبل أن تتحول إلى بركان يحرق لهيبه منطقة القرن الإفريقي والمناطق المجاورة لها.

إضافة إلى ذلك هناك عوامل عديدة تجعل جيبوتي أفضل مرشح لقيادة مسيرة المصالحة منها العلاقات الوثيقة بين الشعبين الصومالي والجيبوتي، وهذا يوفر للمبادرة قدرًا كبيرًا من العاطفة والشعور الأخوي، ويؤهل جيبوتي لأن تفهم المعضلة الصومالية أكثر من غيرها، وكذلك حرص الحكومة الجيبوتية على استقرار الصومال نظرًا لأهميتها الاستراتيجية وارتباط مصير جيبوتي بوجود صومال قوي ومزدهر، كما أكد بذلك الرئيس الجيبوتي إذ قال: «تنطلق المبادرة الجيبوتية من الانتماء المشترك الذي يربطنا بالمجتمع الصومالي تنطلق من الضمير الإنساني والشعور الأخوي الذي يحترق أسى وألمًا من الأزمة والكوارث التي تواجه المجتمع الصومالي الشقيق الذي وقف جنبنا في وقت كنا في أمس الحاجة إلى مساعدته». 

وأضاف: «تنطلق هذه المبادرة الجيبوتية من قناعتنا الراسخة بأن الأزمة الصومالية تهدد وجودنا ومصالحنا القومية على المدى القريب والبعيد».

ويقوي هذا الدور العلاقات الطيبة لجيبوتي بأطراف الصراع الإقليمية، وعلى رأسها مصر وإثيوبيا، وكونها دولة عربية وإفريقية في آن واحد، وهذا في حد ذاته يخلق نوعًا من التوازن ويضمن لتلك الأطراف التي فشلت بدورها أن تنفرد بالقضية، أن تساهم وتشارك بطريقة متوازنة في مشروع المصالحة.

ومن هنا يعتقد كثير من المراقبين والمحللين أن هذه العوامل والأسباب توفر أجواء مناسبة، وتهيئ ظروفًا ملائمة، وتخلق فرصًا سائحة لنجاح المصالحة في هذه المرة، وتقلل احتمال أن تأخذ طريق مثيلاتها السابقة.

تتمتع المبادرة الجيبوتية في المصالحة الصومالية بخصائص ومميزات انفردت أو كادت تنفرد بها، وقد تكون هذه الخصائص أهم المقومات الذاتية التي تؤهلها لحل المعضلة الصومالية، ومن ذلك:

- أنها خاطبت المجتمع الصومالي بصورة مباشرة وأشعرته أنه المعني بالأمر، ومن ثم هو المسؤول عن حل أزمته وإعادة كيان حكومته. 

- توسيع دائرة المشاركة في المؤتمرات التصالحية، حيث لا يكون مؤتمر المصالحة الوطنية المزمع عقده بجيبوتي خاصًا بزعماء الفصائل المسلحة فحسب -كما كانت العادة- وإنما يشترك بجانبهم طبعًا فاعليات المجتمع المدني، وشيوخ العشائر، وشخصيات دينية وفكرية ووطنية وغيرها.

- وضع الجبهات المسلحة في موقعها الطبيعي من الخارطة السياسية، حيث أشارت إلى ماضيهم الإجرامي، وفتحت باب التوبة بأن يشاركوا في المصالحة الوطنية كأفراد فقط، وأي رفض من قبلهم سيجعلهم أمام محكمة كمجرمي حرب. 

- إنها عملية تتكون من جملة من الخيارات والمراحل وتمتاز بالتدرج في الخطوات تتكون من ثلاثة خيارات واحدًا تلو الآخر، فإذا فشل الخيار الأول تنتقل المبادرة إلى الخيار الثاني، وإذا فشل الثاني تنتقل إلى الثالث، ومؤتمر المصالحة الوطنية المزمع عقده بجيبوتي ليس إلا خطوة في الخيار الأول، سبقته خطوات من مؤتمرات استشارية ولقاءات تمهيدية وبعده خطوات أخرى من أعمال وواجبات تنبثق منه كل ذلك ضمن الخيار الأول وإذا فشل المؤتمر -لا قدر الله- فإن المسيرة لن تتوقف، بل تنتقل إلى الخيار الثاني.

- يبدأ مؤتمر المصالحة الوطنية أعماله باختيار نواب المجالس البرلمانية قبل تشكيل الحكومة التنفيذية، إدراكًا لضرورة إيجاد المرجعية اللازمة التي يرجع إليها الجهاز التنفيذي بعد تشكيله كل ذلك للابتعاد عن أن ينفرد شخص بالسلطة دون مرجعية، أما المصالحات السابقة فكانت تهدف إلى اختيار الرئيس الذي يعين رئيس الوزراء الذي يشكل الوزارة بدوره، وكانت الاتفاقات السابقة بسبب غياب المرجعية تحت رحمة عدد قليل من الأفراد وإذا لم يروا مصالحهم من ذلك الاتفاق تنصلوا منه بدون أي مبرر.

- تمتاز هذه المبادرة بالتحضير الجيد والابتعاد عن الارتجالية والعفوية ودراسة القضايا المعقدة قبل العمل، وذلك بإشراك العقل الصومالي من خبراء ومفكرين وشخصيات تقليدية في وضع وتحديد معالم البرنامج التصالحي قبل تنفيذه، مما يعطي المبادرة مصداقية ووضوحًا. 

- حصلت المبادرة على دعم قوي وعلني من الدول والمنظمات على الصعيد الإقليمي والعالمي ابتداءً من مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة إيقاد الإقليمية ودول الجوار والدول المهتمة بالقضية الصومالية، ولم تجتمع هذه الدول والمنظمات على تأييد مشروع واحد في المصالحة الصومالية من قبل إضافة إلى الترحيب الذي تلقته المبادرة من المجتمع الصومالي بمختلف شرائحه وفئاته.

الخيارات والمراحل

تتكون المبادرة -كما أسلفنا- من جملة من خيارات ومراحل متتالية وكل خيار له بداية ونهاية وقد بدأ الخيار الأول بإعلان المبادرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر ۱۹۹۹م وينتهي بتعمير الصومال بعد إعادة حكومته ولابد من أخذ خطوات متوازنة لينجح الخيار الأول والمفضل للمبادرة.

وبعد دراسة الوثائق المنشورة والتي تحدد معالمه وتفصل برامجه، يمكن تلخيص مكوناته كالتالي:

تفعيل الدبلوماسية الجيبوتية وآلياتها لكسب تأييد إقليمي وعالمي للمبادرة، وقد استهل الرئيس الجيبوتي ذلك بجولة له على دول إفريقية وعربية منذ منتصف يناير الماضي، ومازالت مستمرة. 

جمع الاقتراحات والتصورات التي يقدمها المجتمع الصومالي بمختلف فئاته وشرائحه من داخل الوطن وخارجه، وترتيب تلك الاقتراحات، وقد كونت لجنة فنية جيبوتية لهذا الغرض. 

عقد لقاءات ومؤتمرات استشارية لتنقيح المقترحات والتصورات المقدمة وبلورتها وصياغتها في مقترحات عملية متكاملة، وخطوات متوازنة.

وفي هذا الصدد فقد عقد مؤتمر للمثقفين والخبراء والمفكرين شارك فيه أكثر من ستين شخصية صومالية من رجال العلم والفكر داخل الصومال وخارجه ما بين ۲۱- ۳۰ مارس الماضي، ثم عقد مؤتمر للأعيان والشخصيات الوطنية والاجتماعية المرموقة، ثم لقاء لرجال الأعمال ويجري حاليًا لإعداد المؤتمر للنساء وآخر لشيوخ العشائر والذي يأخذ القرارات اللازمة من المقترحات المقدمة من المؤتمرات واللقاءات السابقة، ومن المقرر أن ينعقد مؤتمر المصالحة الوطنية بعد ذلك التمهيد والتحضير الجيد، وأن تنبثق منه حكومة صومالية من مجالسها البرلمانية وأجهزتها التنفيذية والقضائية.

موقع الزعامات الجبهوية

يعتقد المحللون أن هذه المبادرة قد وضعت الزعامات الجبهوية في موقعهم الصحيح، بعد أن نفت عنهم صفة التمثيل والوكالة عن الشعب واعتبرتهم أفرادًا يمثلون أنفسهم فقط، ولا يمثلون أحدًا آخر، ولهم أن يشاركوا في المسيرة التصالحية بهذه الصفة لا أكثر، ومن جانب آخر ترفض المبادرة إقصاء أحد أو طرف معين.

وقد أكد ذلك الرئيس الجيبوتي في خطاب له، فقال: «نحن نسعى اليوم إلى مصالحة وطنية شاملة، ونرحب بكل من يساهم ويساعدنا على ذلك. ونحن لا نقصي أحدًا ولا نرفض أحدًا، نرحب بكل زعيم الفصيل مسلح مادام هو مستعد لنبذ العنف، وعدم التخلف عن المسيرة التصالحية، وسيشارك في مؤتمر المصالحة الوطنية المزمع عقده وهو عضو في مجتمعه، وأي زعيم عنده طموحات سياسية لنيل كرسي الحكم أو دونه، فالكلمة الأخيرة للمجتمع الصومالي من خلال مؤتمره التصالحي إذا اختاروه فعلى الرأس والعين»، وأضاف الرئيس في خطابه «ولكن كل من تجمد على الزناد وتمادى في ضلاله وغيه واستخدم الجماجم والأشلاء لتحقيق مأرب شخصية أو أهداف سياسية، فهيهات أن يسمح له بذلك».

وقد انزعج عدد من زعماء الفصائل المسلحة ورؤساء الإدارات القائمة من هذا الموقف الجريء واعتبروه سحبًا للبساط من تحت أقدامهم، وقد أعلن بعض منهم رفضه لهذه المبادرة.

العقبات

هناك عقبات عديدة تواجه المبادرة وتتصدرها الأطراف الصومالية الرافضة لمشاركة مؤتمر المصالحة الوطنية، ورغم أن غالبية الشعب الصومالي رحبت وأيدت هذه المبادرة إلا أن عددًا من زعماء الفصائل ورؤساء الإدارات رفضوها. 

ففي المحافظات الشمالية الغربية «أو ما يعرف بجمهورية أرض الصومال» هناك نسبة كبيرة من سكانها ترفض هذه المبادرة، كما ترفض الإدارة برئاسة محمد حاج إبراهيم عجال المشاركة في مؤتمر المصالحة الوطنية المزمع عقده بجيبوتي، بيد أن السيد عجال لم ينتقد المبادرة بصورة علنية واضحة حتى الآن. 

وفي محاولة من جيبوتي لإقناع تلك الإدارة أن تشارك في المؤتمر، أرسلت وفدًا رفيع المستوى يوم الثالث عشر من أبريل الجاري إلى هناك ولكن عجال رفض استقبالهم، بل تمت إعادتهم من مطار هرجيسا إلى جيبوتي، وصرح نائب رئيس البرلمان الجيبوتي السيد إدريس حرب والذي كان يترأس الوفد -بعد إعادتهم إلى جيبوتي- بأنهم ما كانوا يتوقعون هذه المعاملة العنيفة.

وتبرر إدارة إبراهيم عجال موقفها هذا بأن جمهورية أرض الصومال جمهورية مستقلة عن بقية الصومال، ومن ثم لا يخصها المؤتمر، بل هو خاص بالصومال الجنوبي!

أما المحافظات الشمالية الشرقية «ولاية بونت لاند» فإن شعبها أيد المبادرة تأييدً منقطع النظير.

وعبر عن ذلك بمسيرات وتظاهرات حاشدة، إلا أن إدارة تلك الولاية ترفض أن تشارك في مؤتمر المصالحة الوطنية، مما أدى إلى اصطدامات دامية بين الشرطة والشعب، وبعد إعلان العقيد عبد الله يوسف -مسؤول ولاية بونت لاند- رفضه للمبادرة في الثالث والعشرين من مارس الماضي نظم الشعب مظاهرات احتجاجية ضد موقفه، وفي بعض منها أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين مما أدى إلى قتل مواطن وجرح تسعة آخرين في اليوم التالي أمام مقر إقامة عبد الله يوسف. 

أما المناطق الجنوبية فليس لأغلبها إدارات تحكمها بعد أن تقلص دور الجبهات المسلحة، وقد أيد سكان تلك المناطق المبادرة تأييدًا واسعًا، وزار وفد جيبوتي رفيع المستوى مقديشو في الثالث عشر من أبريل الجاري، واستقبلته قيادات شعبية في العاصمة، ولم يظهر زعماء الفصائل المسلحة في الساحة.

وعلى كل حال فعلى الحكومة الجيبوتية أن تحاول إقناع الأطراف الرافضة بالمشاركة.

وأما على الصعيد الخارجي، فلا تبدو عقبات تذكر من الدول المعنية بالقضية الصومالية، بيد أن تصرفات بعضها يعتريها شك رغم تأييدها العلني للمبادرة.

وفي الختام: تخضع هذه المبادرة للتجربة والاختبار وأمامها ألغاز المعضلة الصومالية العويصة والمعقدة والتي تنتظر منها فك طلاسمها.

فهل ينجح الرئيس الجديد في هذا الاختبار الذي فشل فيه الآخرون؟

وهل تنجح الأخت الصغيرة، جيبوتي فيما فشل فيه الكبار؟!

رئيس المجلس الصومالي للمصالحة:

الفصائل المسلحة إلى زوال.. وليست لها قوة ذاتية تعينها على الاستمرار

 في ملتقى المثقفين الصوماليين الذي عقد للاستشارة في مسيرة المصالحة الصومالية، والذي نظمته جيبوتي التقت المجتمع الأستاذ عبد الرحمن معلم عبد الله -رئيس المجلس الصومالي للمصالحة- وهو متخصص أكاديميًا وعمليًا في شؤون الصومال، وحاورته عن مبادرات المصالحة السابقة ومستقبل الصومال مع المبادرة الجديدة: 

  • ما الأسباب التي أدت إلى فشل الجهود المبذولة في المصالحة الصومالية على الصعيد الإقليمي والدولي والمحلي في الفترة السابقة؟

إذا حاولنا أن نتكلم عن فشل مبادرات المصالحة الصومالية السابقة في السنوات العشر الماضية، فيمكن إسناد ذلك الفشل إلى أسباب عديدة وعوامل متراكمة، قد يكون من أبرزها تركيز المصالحة على زعماء الفصائل فقط، وذلك يعني أن المصالحة في الماضي لم تكن مصالحة صومالية بمعناها الحقيقي، إنما كانت مصالحة بين فصائل وجبهات متحاربة بين أفراد قلائل تتصارع على الحكم، ولم يكن صراعهم الأساسي صراعًا على المبادئ والقيم، أو على الأفكار والسياسات، ولذلك كانوا يناقشون في أي مؤتمر يعقد من أجل المصالحة الصومالية اقتسام المراكز العليا للدولة على أساس عشائري، فكانت النهاية الانتكاسات المتكررة التي منيت بها تلك الجهود لأن بناء الدولة الصومالية الحديثة على اقتسام السلطة بأسس عشائرية وقبلية لم يكن يؤدي إلى نتيجة محمودة، كان هذا عاملًا رئيسًا للفشل.

ومن جانب آخر فإن الوعي الصومالي الوطني لم يكن بالمستوى المطلوب، بل كان هناك شعور قبلي قوي، كل هذا أدى إلى أن المرحلة الماضية كانت مرحلة فشل ولكن الآن بدأت مرحلة جديدة لها ملامحها الخاصة وأطروحتها الجديدة.

  • ما الجديد في المبادرة الجيبوتية مقارنة بنظيراتها السابقة؟

أولًا يجب أن نشكر الرئيس الجيبوتي والشعب الجيبوتي على إعلان هذه المبادرة في مرحلة وصلت الحالة الصومالية فيها إلى أزمة خطيرة بعد فشل المبادرات التصالحية السابقة وفي مرحلة بدأ التدخل من قبل القوى المجاورة للصومال على الأراضي الصومالية، واستقطاب واضح لكافة قيادات الفصائل وتمحورها حول محاور أجنبية، وأصبحت الصومال في تلك المرحلة ساحة الصراع دولي بين قوى متصارعة، في هذه المرحلة برزت مبادرة الرئيس إسماعيل عمر جيلي وحصلت على تأييد شعبي شامل. 

ثم بعد ذلك نقول إن هذه المبادرة ترتكز على أسس واضحة، وهذه الأسس لم تكن موجودة في الماضي، ومن أهمها أن الشعب الصومالي وقياداته الشعبية وفاعلياته السياسية والاجتماعية كلها تشترك في صياغة مستقبل الدولة الصومالية، ولن تكون المصالحة الصومالية مقصورة على مجموعة من بضعة أفراد يتنازعون على السلطة، هذا هو المفهوم الجديد للمصالحة، بالإضافة إلى أنها حصلت على تأييد واسع من الأسرة الدولية.

  • ما أبرز نقاط القوة في المبادرة؟

نقاط القوة في هذه المبادرة نقطتان رئیستان: الأولى هي أنه لا يمكن احتكار المصالحة الصومالية من قبل أفراد، من قبل قيادات الفصائل هذه نقطة، والنقطة الثانية أن المشاورة الصومالية تبدأ من العقل، من المثقفين والمفكرين الصوماليين، وهذا واضح في المؤتمرات التحضيرية قبل مؤتمر المصالحة وعلى رأسها المؤتمر الأخير الذي عقد في جيبوتي ويشترك فيه أكثر من ستين أستاذًا ومثقفًا ودبلوماسيًا من جميع أنحاء الصومال. 

لقد بدأنا من الأساس، وهو أن ننظر إلى الأسس العقلية والأسس المنطقية لإعادة الكيان الصومالي بدلًا من أن ننظر إلى القضية من منطق اقتسام السلطة والتنازع السياسي، أظن هذه من أهم نقاط القوة في المبادرة الجيبوتية.

  • ما فرص نجاح المبادرة، ألا يمكن أن تأخذ طريق المبادرات السابقة؟ 

في رأيي فرص النجاح لهذه المبادرة قوية جدًا، أولها تنامي الروح الوطنية عند الإنسان الصومالي سواء في المهجر أو داخل الصومال، وثانيها بروز دور المجتمع المدني الذي يقود مسيرة الوعي الوطني، وبروز قيادات شبابية وطنية جديدة في مؤسسات المجتمع المدني بالإضافة إلى أن جميع شرائح المجتمع المدني الصومالي في الخارج والداخل أيضًا أكثر تنظيمًا وأكثر قوة الآن من أي وقت مضى، وكل هذه فرص لصالح المبادرة، وكذلك التأييد المطلق الذي حصلت عليه محليًا وإقليميًا ودوليًا، لأن الشعب الصومالي يؤيدها والعالم يؤيدها، سواء الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبي، أو جامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة إيقاد كلها تؤيد هذا المشروع. وبدأ المجتمع الدولي يتوحد أكثر فأكثر بعدما فشل الجميع في إعادة الكيان الصومالي لصالحه، كما أن جيبوتي مصممة وعازمة على إنجاح المبادرة، والشعب الجيبوتي والشعب الصومالي شعب واحد كل منهما امتداد للآخر، والكل يعرف أن جمهورية جيبوتي ليست لها مصالح غير أن يكون للصومال وجود، ومصالح جيبوتي وأمنها مرتبطان بوجود دولة صومالية قوية، كما يعتمد أمن المنطقة كلها على ذلك، لذلك فرص نجاحها قوية جدًا، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في ذلك.

  • يرفض عدد من الفصائل المسلحة المبادرة التصالحية وبعض الغيورين على المبادرة يبدون تخوفهم من أن ذلك قد يؤدي إلى الفشل، في حين أن بعضًا آخر لا يحسب للفصائل حسابًا، فما الحجم الحقيقي لهذه الجبهات المسلحة حاليًا؟

أنا أكرر دائمًا نقطة مهمة هي أن علينا ألا نخطئ في فهم الفصائل والجبهات الصومالية، يجب ألا يكون عندنا فهم خاطئ في أن نفترض أن الفصائل الصومالية تشبه الأحزاب السياسية أو الجبهات المسلحة في العالم، يجب أن ندرك أن أفراد الفصائل والجبهات الصومالية ليسوا منظمين بحيث إنهم يحكمون أرضًا أو شعبًا أو منطقة معينة وليسوا أيضًا قبيلة معينة، وليسوا حزبًا سياسيًا أو جناحًا مسلحًا لحزب سياسي، إنما هم أفراد ينتمون إلى قبيلة معينة وعندهم ميليشيات، وأرى أن الفصائل أصبحت قوية عندما اعترفت بها القوات الدولية ووضعت لهم السجادة الحمراء، واجتمعت معها في الفنادق الراقية، وبكل هذا الاهتمام أصبحوا معروفين في العالم، لكن داخل الصومال ما كانوا أبدًا أقوياء.

أما الآن عندما يفقدون هذه الصفة والدعم العالمي والاستقطاب العالمي فليس لهم قوة ذاتية في أن يستمروا في داخل الصومال كقوة منظمة، لذلك أرى أن نجمهم قد أفل وأنهم زائلون مادام ليس هناك من يساعدهم ويقويهم بالمال والسلاح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 360

98

الثلاثاء 26-يوليو-1977

ماذا في السودان؟

نشر في العدد 712

97

الثلاثاء 09-أبريل-1985

لماذا السودان الآن؟