; المتفوقة .. المشاغبة | مجلة المجتمع

العنوان المتفوقة .. المشاغبة

الكاتب نادية البراك

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

مشاهدات 91

نشر في العدد 1116

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

كنت ولا أزال مولعة بالأطفال والولوج في عالمهم ذلك العالم البريء، الغامض المليء بأنواع شتى من السعادة والحبور والدموع أيضا، فالطفل بطبعه سريع الرضا.. سريع البكاء...

كان من الطبيعي أن أهتم بحالة الطفلة سهير ذات الستة أعوام، كانت طفلة ذكية متفوقة جدا على زميلاتها، لكنها في الوقت نفسه مشاغبة جدا .. كثيرة الحركة داخل الفصل لا تكاد تهدأ .. كثيرة الضرب لزميلاتها وقد كثرت شكوى المدرسات وأولياء الأمور منها.

في لقاء الأمهات الشهري رحت أبحث عن والدة «سهير» فوجدت نفسي أمام امرأة جميلة شابة ليست كويتية كانت الأم تستمع لثناء المدرسات على تفوق طفلتها بفخر واعتزاز و سرور بالغ، جلست بدوري أستمع معها حتى ما انتهى دور المدرسات وجاء دوري .. رحت أحاول بطريقة لبقة أبين لها سلوك ابنتها المشاغب داخل المدرسة، لكنني فوجئت بالأم ترفض الاستماع إليّ بتاتا ثم تنصرف مسرعة بعد ذلك!!

تكررت زيارات الأم للمدرسة للسؤال عن تفوق ابنتها ودرجاتها الدراسية فقط وكلما حاولت الجلوس معها للتحدث حول سلوك ابنتها تتعلل بأعذار شتي.

·  أرجوك ياسيدتي لابد أن أتحدث معك بخصوص ابنتك سهير.. قالت بانفعال:
أنا مشغولة لابد أن أنصرف.

· قلت برجاء: ألا يهمك أمر ابنتك؟
طبعا ... طبعا.

· إذا.. اجلسي قليلا لنتحدث.

لدي موعد هام.

· في كل مرة تعتذرين بذلك

أشاحت عني ساخطة:
أرجوك.. لا تأخريني عن موعدي.

· وهكذا لم تفلح جميع محاولاتي للتحدث مع الأم ومعرفة السبب الذي يجعل ابنتها على هذه الدرجة من العدوانية والمشاغبة داخل فصلها.

مع مرور الأيام بدأت الشكوى من تصرفات سهير، تقل تدريجيا ولم يعد هناك من يشتكي من شقاوتها، بل على العكس من ذلك صارت المدرسات يشتكين من خمولها داخل الفصل بصورة ملحوظة، مما أثار دهشتي، وعلاوة على ذلك فقد قل مستواها الدراسي عما كانت عليه فلم تعد تلك الطالبة التي يشهد الجميع بتفوقها وإن كانت لاتزال تحصل على مستوى جيد من الدرجات.

من جديد... حاولت استدعاء الأم لكنها لم تحضر، وكررت المحاولة دون جدوى، حتى فوجئت بزيارتها المفاجئة لمكتبي ذات صباح، بدا الشحوب واضحا على وجه الأم الخالي من المساحيق.. قالت بصوت واهن:

جئت لأخبرك بأنني مضطرة لدخول المستشفى لمرضي!

· قلت بتعاطف شديد: سلامتك ياسيدتي.
- هزت رأسها بامتنان: الله يسلمك أنا شاكرة لك، لكنني رأيت أن أحضر بنفسي لأخبرك بذلك، ولأوصيك بالاهتمام بابنتي في فترة مرضي، حيث إن فترة إقامتي في المستشفى ستطول ولن أتمكن من مراجعة الدروس معها كما كنت في السابق.

· قلت باهتمام تسعدني حسن ثقتك بي يا سيدتي، وإن شاء الله سأعمل ما بوسعي لكنني بدوري رغبت في رؤيتك قبل اليوم لسبب هام..
- تساءلت باهتمام: ما هو ياترى؟

· أجبتها بهدوء: إنه بخصوص «سهير» بالطبع.
- عادت تلح في السؤال: مالها سهير؟

·  قلت ملاطفة: لقد انخفضت درجاتها كثيرا عما كانت عليه أول العام الدراسي وقد أردت رؤيتك حتى نتفاهم بـ ..
- صاحت ساخطة: ماذا تعنين بقولك إن درجاتها قد انخفضت؟

·  حاولت تهدئتها قائلة: أقصد أنها لا تزال طفلة والأطفال في عـ ....
- صرخت بحدة: لكن ابنتي متفوقة وستظل دوما متفوقة ...

·  أعلم ذلك لكن....
- قاطعتني من جديد لقد كنت مريضة في الفترة السابقة لذلك لم أتمكن من متابعتها كما يجب، كنت أقضي الوقت كله معها أراجع لها دروسها.. هذا لا يمكن لقد منحتها عمري، لابد أن أراها الآن.. الآن.. ناديها لي الآن.

·  حاولت تهدئتها قائلة: أرجوك اهدئي قليلا لنتفاهم...
- صاحت بانفعال: نتفاهم حول ماذا؟ أرجوك.. إنك لا تعلمين شيئا .. نادي «سهير» حالا.. هذا لا يكون.

·  أرجوك اهدئي لنتحدث أولا.
- صاحت غاضبة : لا أريد أن أتحدث مع أحد نادي ابنتي.. ما هذه المدرسة نادي البنت حالا؟

·  يا سيدتي أرجوك....
- أووه... قلت لك نادي البنت.. أريد ابنتي يا ناس.. أريد .. لم تفلح محاولاتي لتهدئة الأم بل كان هياجها يزداد كلما حاولت تهدئتها، لذا لم يكن هناك مفر من استدعاء الطفلة الصغيرة والتي ما إن دخلت الغرفة حتى أسرعت الأم إليها وأمسكت بها من كتفيها وهي تصرخ قائلة:

كيف تنخفض درجاتك.. كيف ؟؟؟ هذا لا يمكن مستحيل.. هل تسمعين؟ لابد أن تتفوقي لابد!!

بان الخوف والهلع على وجه الطفلة الصغيرة التي وجمت أمام صراخ أمها، التي ازداد وعلا في وجه الطفلة الصغيرة.

 أنا بعت عمري لأجلك.. هل تفهمين... لابد أن تكوني متفوقة .. لا أريد أن يتحطم مستقبلك كما تحطم مستقبلي!! لقد كنت أنا أيضا متفوقة لكن مستقبلي كله ضاع حين أرغمني أهلي على أن أتزوج والدك.. هذا الرجل العجوز.. أجل منعني والدي من إكمال تعليمي وزوجني أبي من أبيك وأنا لهذا الزواج كارهة، لقد ضيعت شبابي وأحلامي حين تزوجت هذا العجوز.. لا أريدك أن تصبحي مثلي.. مفهوم.. مفهوم...

استمر صراخ الأم الهائجة ووجه الطفلة الصغيرة يزداد خوفا وهلعا مما اضطرني للتدخل وانتزاع الابنة من بين يدي الأم ومن ثم صرفها إلى فصلها، صرخت في الأم طالبة منها الهدوء والتعقل قلت لها:

·  ألا ترين ماذا فعلت بابنتك؟ كيف تتصرفين وتقولين أمامها هكذا.

- لقد أرغموني على الزواج منه، تركت دراستي وحضرت معه لهذا البلد الغريب بعيدة عن أهلي وصديقاتي .....

تساقطت دموع الأم فقلت بهدوء:

· يا سيدتي لقد حدث ما حدث ولاشك أن أمر ابنتك يهمك الآن، لقد كانت الصغيرة تعاني من قسوتك وشدتك عليها، لذا كانت تتنفس عن ذلك بالمشاغبة داخل المدرسة، أما في فترة مرضك فقد انشغلت عنها وهذا سبب لها ارتياحا كبيرا فهدأت وتحسن سلوكها كثيرا.

أقنعيها بأن تكون متفوقة بأسلوب الحب والحنان وليس بالقسوة التي كنت تستعملينها معها، وأي خير ستجنيه من وراء تفوقها وهي لهذا الأمر كارهة، وفي الوقت نفسه مكروهة من قبل زميلاتها لفظاظتها ومشاغبتها، لاشك يا سيدتي أن كل طفلة تبحث عن الحب والحنان لدى أمها قبل أي شيء آخر، وإني أتمنى أن تكوني لها حقا هذه الأم، إذ يبدو واضحا أن ابنتك تعاني فعلا من قسوتك.

-   قالت بهدوء: أردت لها الخير.

·    الخير قد يأتي عن طريق الحب وليس عن طريق القسوة والإكراه.

-  أرجوك ساعديني.. أنا بحاجة لمساعدتك.

·  وأنا لن أتوانى عن ذلك.. ثقي بي.

تكررت زيارات الأم لي بعد ذلك وبدأت تستجيب لنصائحي تدريجيا ولازلت اتمنى في أن نصل إلى حل فيه مصلحة الطرفين!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

385

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 2

213

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!