العنوان المثلية.. وانحراف الأدب
الكاتب د. السيد شعبان
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2021
مشاهدات 63
نشر في العدد 2155
نشر في الصفحة 32
السبت 01-مايو-2021
ملف العدد
- الغزل الحسي بما اعتراه من تصوير فج دون رمز أكثر انتشاراً مقارنة بالقول العفيف.
- خطورة الأدب الغرائزي تزداد حينما يقدم بالسينما أو على التلفاز فيستعين بفنيات الإخراج وطرق المعالجة الفنية.
- الأدب تعبير سام عن العواطف الإنسانية له أدواته التي يعالج بها مثل الرمز والاستعارة.
- الرافعي قدم نموذجاً عملياً لأدب تناول العلاقة بين الرجل والمرأة وتحدث عن المسكوت عنه ببراعة.
يعد الأدب بفنونه مرآة لمجتمعه؛ يكشف عن علله وأدوائه، وقد يقترح في خط سيره دواءه، واهتمام الأعمال الإبداعية بما في المجتمع من صور ومُثل وما يحفل به من تناقضات سلوكية شائنة مدعاة إلى نظرة نقدية لما برز على الساحة من أعمال عالجت تلك السلوكيات؛ دفاعاً عنها تحت دعاوى حرية الإبداع.
الشذوذ سلوك مستهجن خلقياً، ومجرّم قانونياً، ومحرّم تشريعياً دون ادعاء وصاية أو وعظية قصدية، وإذا ما عرضنا لصور العلاقة بين البشر من مثلية بين ذكر وذكر، أو بين أنثى وأنثى، نجد أعمالاً أدبية كتبت عنها، دائرة بين المنطوق به والمسكوت عنه؛ فثمة من تناولوا تلك الأفعال المستقبحة في تعبير شعري أو سردي؛ مثل أشعار أبي نواس في الغزل والمجون، وبشار بن برد في الوصف.. إلخ.
كما تحفل «ألف ليلة وليلة» بتلك الحكايات الماجنة التي تقصها شهرزاد على مسامع شهريار علها تصرفه عن قتلها في محاولة أقرب إلى تحريك الغريزة؛ وهذه الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكذلك ما جاء في بعض فصول «العقد الفريد» لابن عبد ربه من حكايات ماجنة أثارت شهية المستشرقين، ودفعتهم إلى البحث عن تلك الكتابات الشائهة في أدبنا القديم؛ حتى لو على سبيل التفكه والتملح ورواية أخبار المجان والعشاق؛ ما كان له أثر سلبي في بعض الأحيان على قيم المجتمع وسلوكياته.
مجد على أشلاء المجتمع!
لقد عرف في أدبنا شعراء الغزل بنوعيه العفيف والصريح، والحديث عن المرأة بما يغري المستمعين ويحرك خواطرهم ويثير غرائزهم؛ لذا كان الغزل الحسي بما اعتراه من وصف وتصوير فج دون رمز واستعارة أكثر انتشاراً وأوسع دائرة، غير أن الكثير من القول الجميل وما جاء على ألسنة الفقهاء ودعاة الفضيلة وجد صداه في محاضن التربية ومواطن الحكم وقصور الخلافة.
حتى كان عصرنا الحديث ووجدنا هذا الغثاء من الإصدارات التي امتلأت بها أرفف المكتبات وما دفعت به المطابع من إصدارات تحت دعاوى حرية التعبير وما تسرب إلى أيادي المراهقين في غفلة من الآباء والمربين وقصور من المسؤولين؛ جاءت هذه الأعمال تخاطب الغرائز غير آبهة بقيم المجتمع ومُثله وعوامل قوته ومنعته.
هذه رواية «القاهرة 30» لنجيب محفوظ يقدم لنا شخصية محجوب عبدالدايم الذي يجعل من زوجته إحسان شحاتة مطية للوجاهة والثراء في مجتمع مخمور يرضى بأن يشاركه أحد الوزراء زوجته، في معالجة سردية وفنية باهتة تخلو من استقباح للفعل، تبرز صورة شائنة تأباها قيم الرجولة والشرف.
وهذه «عمارة يقوبيان» لعلاء الأسواني، تبرز العلاقة المثلية بين هذه الفئة المرتبطة بالتطبيع من ميوعة وانحلال دون استهجان الفعل وتجريمه، كذلك رواية «وليمة لأعشاب البحر» تناولت المسكوت عنه والرغبة تكمن في إثارة هذه الأشياء، وهذا نزار قباني الذي عبر فأفحش وأقام مجداً على أشلاء مجتمع ماجت فيه الرذيلة وانتشت!
يتملكني العجب من كاتب يُنفق وقته وقلمه لكتابة رواية تتحدث عن «الشذوذ الجنسي»، و»الشواذ» باعتبارهم أصحاب قضية يجب الانتصاف لهم من المجتمع القاسي! ولهؤلاء وأمثالهم نقول قولة العقاد: «يا خفافيش الأدب.. أغثيتم نفوسنا، أغثى الله نفوسكم الضئيلة».
وتزداد خطورة الأدب الغرائزي حينما يقدم في السينما أو على شاشات التلفاز، فيستعين بفنيات الإخراج وطرق المعالجة الفنية من صوت ولون وحركة، حتى أفلح هؤلاء في تخدير جموع من الأمة، شأن أي مخدر صرف الناس عن العمل أو معرفة حجم الكارثة التي أطبقت عليهم، وكاد أن يُنظر إلى المجتمع على أنه ماخور كبير.
ولأن الداء استفحل خطره، انطلقت أقلام مسعورة تزين الرذيلة وتغري بها، فوجدنا من يكتب عن المثلية الجنسية وحقوق هؤلاء في مجتمع يضمن لهم الحياة، وهو تعبير غث استُجلب في حمأة الفحش.
إننا إزاء شياطين تغري وتثير عرام الشهوات، حتى باتت الأقلام النظيفة محاصرة بل متهمة بالرجعية والتخلف!
فالأدب الذي يثير الشهوات ويدفع قارئه إلى عالم التوهم يصدق عليه أدب الفراش، والأمثلة -بالإضافة إلى ما سبق- تند على الحصر لروايات مترجمة أو مؤلفة بلغت بأصحابها حمأة الانتشار.
الأدب الرسالي
الأدب تعبير سامٍ عن العواطف الإنسانية؛ وهذا التعبير له أدواته ووسائله التي يعتمد عليها، والعاطفة غير مستهجنة في إطارها العام الذي تضبطه الشريعة الإسلامية؛ فكثير من النصوص السردية عالجت هذه العاطفة؛ بعضها انصرف إلى التصريح فجاء أدباً فجاً يثير الغثيان، لكن النفس السوية تنجذب ناحية الفضيلة وتبحث عنها، ونحن لا نقصد هنا أن تكون المعالجة وعظية أمرية، أو تعتمد الزجر والتعنيف، فللغة مجازاتها وتراكيبها التي تصل بها إلى عقل المتلقي، وتغمره بفيض من السمو الأخلاقي.
كما أن الأدب يختلف عن غيره من الفنون بأنه يضفي لمسة جمالية على ما يقدم، وتلك اللمسة تعالج بالرمز تارة أو بالاستعارة وغيرها من أساليب المجاز، أما التعبير عن العلاقة بين الذكر والأنثى في تصريح فج فهذا عبث أو هبوط إلى مستوى يصعب على الأديب ذي الرسالة أن يصل إليه.
ولعل المطلع على كتابات الرافعي يجد نموذجاً عملياً لأدب تناول العلاقة بين الرجل والمرأة؛ بل إنه استطاع الحديث عن المسكوت عنه في براعة قلَّ نظيرها، من منا لم يتأثر بحديثه في «وحي القلم» عن فاطمة ابنة سعيد بن المسيب وقصة زواجها من عبدالله بن أبي وداعة؟
وكذلك حديثه في «أوراق الورد» في نموذج بديع لأديب وضع نصب عينيه الفضيلة وكيف تبني المجتمع وتعلي من القيم الفاضلة!
وتزداد الصورة الأدبية نصاعة وإشراقاً حين نطالع كتابات رائدة في مجال السرد؛ مثل محمد عبدالحليم عبدالله في «الربيع العاصف»، و»الضفيرة السوداء»، و»شجرة اللبلاب»، أو نجيب الكيلاني في «ملكة العنب»، و»امرأة عبدالمتجلي»، و»ليل وقضبان».
فهؤلاء الأدباء الرساليون قدموا صورة لنماذج موجودة في مجتمعنا، لكنهم عبروا بأسلوب فني عن العلاقة بين الرجل والمرأة مع الالتزام بمعايير الفن الروائي، قدموا أدباً يسمو بالمتلقي، ويحارب الشذوذ أو الصرع الجنسي؛ ذلك الزيف الذي يغلف حضارة الغرب فينخرها كالسوس، ويأتي بنيانها من القواعد؛ لأنه أدب يتحلل من الضوابط ويصادم الفطرة السليمة، علينا أن نقدم نماذج للأدب الهادف ونبتعد عن تلك الصرعات التي تظهر كل حين، وإن غُلفت بحرية الإبداع، وإن هي إلا نُذر دمار.
فإنه لا يُحجَر على السفيه إلا ضماناً لقواعد المجتمع أن ينال منها، وليست أخلاق الأمة بمعزل عن فنها شعراً ونثراً ومادة مصورة؛ فثمة من يرى انفصاماً بين الفن والدين، ويذهبون في ذلك إلى حجج واهية وأدلة يشوبها البطلان؛ حيث يرون شعر حسان بن ثابت في الجاهلية أقوى وأبين حتى ضعف ولان في الإسلام، على ما يُروى عن محمد بن سلام الجمحي، ويرددون مقولته: «الدين بمعزل عن الشعر»! وتلك مقولة مبتسرة من سياقها؛ فحسان انصرف إلى ما هو خير وأبقى، وإلا فإن شعره في الإسلام قام مقام السيف أو هو أشد.
مما سبق يتضح لنا أن الجنس في أصله غير مستقبح إذا عالجته الأعمال الأدبية في إطار من القيمة التي تنشد الفضيلة، دون ابتسار للنص أو تناسي القواعد الفنية التي تحكم العمل الإبداعي في ملمح عاجل تجعل المثيرات الفنية تتعاطف مع نوعية من الأفلام التي تتحدث عن العلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة، تبرر للمشاهد الخيانة، تستدر عطفه؛ حتى يخيل لنا أن تلك نماذج مجتمعية مقهورة، ومن ثم يتماهى معها القارئ أو المشاهد.. إنها صناعة مزيفة لبطولات شائهة، يكون الأدب وسيلتها إلى قلوب وعقول الناشئة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل