; المجاهرة بالإفطار إثم كبير يستوجب التعزير | مجلة المجتمع

العنوان المجاهرة بالإفطار إثم كبير يستوجب التعزير

الكاتب رجب الدمنهوري

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1332

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

•    أصحاب الأعذار من المرضى والمسافرين عليهم أن يستتروا بعيدًا عن الأعين

•    على غير المسلمين أن يحترموا مشاعر إخوانهم المسلمين حفاظًا على الروابط المشتركة

لم يقف الأمر بالنسبة لبعض المستهترين في رمضان عند استباحتهم للإفطار دون أي عذر شرعي، بل وصلت بهم قلة حيائهم من الله ثم من الناس إلى حد المجاهرة بهذا الإفطار علانية أمام الجميع، مستغلين في ذلك عدم تطبيق العقوبات التعزيرية في حقهم ببلدانهم، فضلًا عن أن بعض المحلات والمطاعم تقدم لهم الأطعمة بحثًا عن الربح المادي، ودون مراعاة أي ضوابط.

وفي هذا التحقيق يؤكد علماء الشريعة أن المجاهرة بالإفطار كبيرة من الكبائر تستوجب التعزير الرادع من الحاكم، والنبذ والاحتقار المطلق من الناس، مؤكدين أن على الدعاة دورًا كبيرًا في التنفير من هذه الرذيلة التي تؤذي النفوس والمشاعر جميعًا.

في البداية يقول الدكتور محمد عبد المنعم البري -رئيس جبهة علماء الأزهر السابق- إن الله عز وجل يقول في قرآنه الخالد: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32) ومن هنا فإن الخروج على نهج الإيمان، إنما هو من شأن النفوس النافرة عن الحق والمعاندة للوحي، وهنا لابد من حماية المجتمع والنشء لاسيما الصغار من أن يروا أمثال هؤلاء المجاهرين بالمعصية، لأن في مثل هذه الصور المنافية للدين والخلق القويم تشجيع لقدوة سيئة، ويجب أن يفهم الطفل أنه لا حرج في سوء التصرف أو في المجاهرة بالمعاصي في أوساط هؤلاء العصاة مادام الإيمان لم يتمكن من قلوبهم.

وهؤلاء العصاة -كما يقول د. البري- أبسط ما يقال عنهم: إنهم فقدوا الحياء واستمرؤوا المخازي وقد قال رسول الله ﷺ: « إنَّ ممَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ، إذا لَمْ تَسْتَحْيِ فافْعَلْ ما شِئْتَ. »(البخاري:3483)، فمن لا حياء فيه لا خير فيه، فهؤلاء خطرهم على النشء والمجتمع لا يستهان به.

وأذكر ذات مرة أنني كنت في سفر ضمن جمع من العلماء وصلينا الظهر والعصر جمعًا، وانصرفنا إلى السوق لشراء بعض المستلزمات، وعندما حان وقت العصر أمرت القافلة أن تستتر وأن تعتزل الشراء؛ لأن العامة قد يغيب عنهم رخصة جمع الصلاتين في السفر وعندئذ من حقهم أن يسبونا، وأن يستبشعوا وقفتنا في السوق والأذان يرتفع. فاتقاء للشبهات أعتزلنا السوق وقت الأذان والصلاة، فما بالنا بهؤلاء الذين لا يبالون ولا يحترمون مشاعر المؤمنين ولا قداسة هذا الشهر المبين؟

ويواصل حديثه: المسؤولية الحازمة في عنق من يملكون حق تأديب المخالفين، فنراهم -للأسف الشديد- يؤاخذون من يسير بسيارته في غير طريقه، بينما يتركون الحبل على الغارب لهؤلاء العصاة، وبرغم أن الدول العربية والإسلامية تأخذ في قوانينها بمبدأ احترام المشاعر الإيمانية، إلا أنه بكل أسف لا تطبق هذه القوانين في بعض الدول.

والعقوبة التي ينبغي أن توقع على هؤلاء إذا قلنا الجلد عشر جلدات مثلًا أمام مسجد عند خروج المسلمين من الصلاة، فبعض العامة -بل المثقفين- قد يجهلون هذا الحكم، ولا يعرفون حقيقة هذا الحد، وشروط الجلد خمسة كما أشار القرطبي: ألا يجرح جلدًا، ولا يكسر عظمًا، ولا يرى إبط الجلاد «دلالة على عدم رفع اليد عاليًّا قبل أن يهوي بالسوط»، ولا يحل التجريد من الثياب بل يجلد بملابسه الكاملة حتى ولو كانت شتوية، ولا يحل الضرب على الأرجل، والمقصود من ذلك هو الإهانة الأدبية لا الجسمية، فإذا كانت هذه الحقيقة يجهلها المثقفون -فضلًا عن العامة- فإنه ينبغي على الحاكم أن يزجر العاصي بما يراه، وقد علمنا الإسلام أن إقامة الحدود فيها زواجر وجوابر، زواجر تزجر من يقدم رجلًا ويؤخر أخرى في اتجاه المعصية والجرأة على حدود الله وشعائر الإسلام، وجوابر تمحو الإثم عن صاحبها يوم القيامة.

أما فيما يتعلق بالمقاهي والمطاعم التي تفتح أبوابها في نهار رمضان، فيرى الدكتور البرى ضرورة غلقها ثلاثة أشهر رمضان وشوال وذي القعدة، لتكون هذه العقوبة رادعة وزاجرة، وقبل الردع والزجر لابد من التوعية الإيمانية وتكثيف الجرعة الإيمانية وإشاعة الثقافة الإسلامية، لأن هناك من لا يدرك حجم هذه الجريمة وآثارها، ومن هنا لا يكون للعاصي عذر أمام الله وأمام المجتمع.

أما الحكم في شأن غير المسلمين فعليهم أن يحترموا مشاعر إخوانهم، إذ إن هناك روابط بيننا، منها: حق الجوار، وحق المواطنة وحق التآزر والمصالح المشتركة، والأخوة الإنسانية، والرحم، فنحن في مركب واحد، وأي مساس بهذه الروابط يهز الصورة، وليأكل غير المسلم ما شاء، وليشرب ما شاء بعيدًا عن أعين المجتمع.

المجتمع يتأفف

متفقًا مع الرؤية السابقة يؤكد الدكتور السعدي فرهود -رئيس جامعة الأزهر سابقًا- أن المجاهرة بالإفطار إثم كبير، وعلى من يكون لديه العذر في الإفطار أن يستتر، لأن المجاهر يعكس صورة سيئة في السلوك، وهذا السلوك قد ينتقل بالعدوى، والمفروض أن يكون المسلم قدوة طيبة لغيره من المسلمين خاصة الشباب والأطفال.

والمجاهرة بالإفطار دون عذر فيه معصية لله سبحانه وتعالى ؛ لأننا أمرنا أن نصوم لله بإخلاص، ومظهرية الصوم ليست مطلوبة، لأنها تدخل في دائرة النفاق ونربأ بالمسلم أن يكون منافقًا.

وفيما يتعلق بالعقوبة يرى الدكتور السعدي أن القانون وضع عقوبة للذين يجاهرون بالمعصية وعلى من يضبط مرتكبًا لهذا الإثم أن يُقدم إلى العدالة، وقد تكون العقوبة محدودة أو كبيرة وهذا من شأن القضاء.

إضافة إلى ذلك فإن الذين يجاهرون بالإفطار، فإن المجتمع يتأفف ويتقزز من أفعالهم، ومن ثم يلفظهم ولا يتعامل معهم وهذه عقوبة معنوية مؤثرة. أما الأماكن التي تقدم المأكولات والمشروبات لقاصديه جهارًا نهارًا فهي واقعة في الإثم، لأنها تعين الناس على ارتكاب المعصية، ومن ثم على الشرطة أن تلاحقها وتوصد أبوابها وتحدد لها أوقات العمل، وأولى بالمسلم أن يحافظ على شريعته، وأن يبتعد عن الشبهات حتى لا يقع في الحرام.

 

الضرر يتعدى

ومن الزاوية نفسها يتناول الدكتور أحمد يوسف- أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة الموضوع قائلًا: المجاهرة بالإفطار كبيرة من الكبائر لمخالفة أمر الشرع في الصيام إذ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٣- ١٨٥).

والمجاهرة بالفطر معصية كبيرة يوقع على مقترفها العقاب في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة لمخالفة أمر الشرع وتعدي حدوده، وأما في الدنيا فعلى ولاة الأمور تعزيره، والتعزير يقدرونه بحسب الشخص المجاهر، فالقاضي أو المسؤول أن يعاقبه بالسجن، أو الضرب أو الغرامة أو التوبيخ والتعنيف، وفي كل هذه الأحوال ينبغي أن يمنع من ارتكاب هذه المعصية أمام الناس، وإذا أراد أن يتوب ينبغي الإمساك طوال هذا اليوم.

والعلماء لهم قولان: إما أن يقضي اليوم الذي أفطره ويصوم ٦٠ يومًا متتابعة، والرأي الثاني: هو الأليق في عصرنا -وبخاصة- إذا كانت المجاهرة بدون عذر وفي هذه الأيام القصيرة، فالراجح أن عليه كفارة صيام شهرين متتابعين، أو أن يطعم ٦٠ مسكينًا وهذا رأي الحنفية والمالكية فيمن أفطر متعمدًا، فما بالنا بمن يجاهر، فقد نهى عن المجاهرة بالمعاصي، لأن ضرر ذلك يتعدى إلى الآخرين، فقد يراه غيره ويقتدي به أو يقلده فتشيع الفاحشة والمنكرات، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة «النور» ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: 19).

ويوضح الدكتور أحمد يوسف: أن فتح المطاعم وأماكن تناول المشروبات في بلد إسلامي في نهار رمضان أمر يسيء إلى مظهر وشكل الدولة الإسلامية، والمفروض أن تغلق أبوابها طوال شهر رمضان نهارًا، وتفتح قبيل المغرب بوقت يتيح لها أداء مهمتها حتى الفجر، فإن هذا السلوك يمنع من تسول له نفسه الاعتداء على حرمة شهر رمضان من جهة، ويغلق الأبواب أمام المجاهرين بالمعصية من جهة أخرى، ويعطي انطباعًا طيبًا للزائرين أن هذه المدينة تحترم قيم دينها، لأن من لا يحترم أصوله وشعائره لا يحترمه أحد.

وأما أصحاب الأعذار وغير المسلمين فلهم أن يأكلوا ويشربوا بعيدًا عن الأنظار، وهناك الكثير من غير المسلمين لا يأكلون ولا يدخنون أمام المسلمين.

 

استتروا

أما الدكتور عبد العظيم المطعني -الكاتب والأستاذ بجامعة الأزهر- فيقول: لا شك في أن بعض الناس يكونون من أصحاب الأعذار التي تبيح لهم الإفطار في نهار رمضان كالسفر أو الأمراض المزمنة التي يحددها الثقات من الأطباء، وهناك بعض المستهترين الذين ينتهكون حرمة هذا الشهر ولا يخشون الله ولا الناس، كما أن هناك في كثير من المجتمعات الإسلامية أقليات غير مسلمة وهؤلاء ينبغي أن يحترموا المظهر العام للصيام، فأصحاب الأعذار وغير المسلمين يمكن أن يتناولوا ما يشاءون بمعزل عن الأماكن العامة، أما المستهترون الذين لا عذر لهم فينبغي أن نطبق عليهم عقوبات تعزيرية تتناسب مع حجم المخالفة.

أما السائحون غير المسلمين فاستقبال المطاعم والفنادق لهم لا حرج فيه، شريطة أن يراعوا شعور الصائمين، فليتناول السائحون ما شاءوا من الأطعمة، أما أن يتخذوا منها مظهرًا لإحراج المسلمين ومضايقتهم في الشوارع، فهذا لا يليق، ويمكن للمطاعم والمقاهي التي تستقبلهم أن تسدل الستائر.

الرابط المختصر :