العنوان المجتمع الأسري- العدد 1813
الكاتب تيسير الزايد
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008
مشاهدات 71
نشر في العدد 1813
نشر في الصفحة 54
السبت 02-أغسطس-2008
- الأمانة لنا ولأبنائنا
شعور مريح وجميل يعتريني عندما يناديني البائع ليعيد باقي المبلغ الذي أكون قد نسيته عنده، تصرف يدل على أن هناك خيرًا في قلوب أبسط الناس، وهم هؤلاء الذين تشربوا مراقبة الله في أعمالهم منذ الصغر وتعلموا الأمانة في عملهم مهما كانت حاجتهم للمال.. قد نجد إنسانًا بسيطًا، ولكنه حريص على تربية أبنائه بالشكل الصحيح، حفاظًا على أمانة الأبناء الذين وهبهم الله له.. قد نجد إنسانًا عاجزًا ولكنه حريص على تأدية عباداته بالشكل الصحيح حفاظًا على أمانة الدين.. قد نجد إنسانًا ذا علم بسيط ولكنه يحرص على حضور المحاضرات واستماع الخطب ومشاهدة البرامج العلمية من أجل الزيادة في العلم وتطوير ذاته والرقي بها، حفاظًا على تلك النفس التي وهبها الله له.
مفهوم الأمانة التي نشأنا ونحن نحصر معناها في ركن ضيق، نتيجة القصص التي قرأناها عن ذلك التاجر الذي احتفظ بالأمانة لسنين طوال ليعيدها لصاحبها أو قصة الفقير الذي وجد الإناء المملوء بالذهب، وأخذ يبحث عن صاحبه، هذا المفهوم يجب أن نوسع دائرته ليشمل الكثير من مفاهيم ومعاملات الحياة.. فحتى اتباعنا لقواعد المرور، وتقيدنا بالإشارات المرورية يعد أمانة.. ابتعادنا عن النميمة والغيبة أمانة.. الإخلاص في العمل أمانة.. الوفاء بالعهود أمانة.. والصدق أمانة.
وبما أن الأمانة مفهوم واسع تقع تحت مظلته الكثير من الأخلاقيات والمعاملات والعبادات كان من الضروري أن نتحلى به ونعلمه لأبنائنا.
فالطفل الذي ينشأ على تحري الأمانة في كل تصرفاته داخل المنزل سيكون كذلك عندما يدخل معترك الحياة، ويبدأ يتعامل مع الآخرين؛ بل سيعلمهم هذا الخلق بمجرد أن يحتكوا به.
- أساسيات بسيطة
١- راقب نفسك ماذا تعلم لأبنائك؟ هل الأمانة عندك فقط في المفاهيم الكبيرة كعدم الخيانة والحفاظ على الوديعة؟ أم هي تشمل حتى تصرفاتك البسيطة كتبرير غياب ابنك عن المدرسة بأعذار كاذبة، أو استخراج شهادة مرضية له دون أن يكون مريضًا؟ هل تحافظ على قواعد المرور حتى في غياب شرطي المرور؟ هل تخلص في عملك حتى دون أن يكون هناك رقيب؟....
هذا عن أهمية أن تكون قدوة لأبنائك، ونعود لنركز على أهمية القدوة في حياة صغارك.
٢- حتى يدرك الأبناء أهمية الأمانة لابد وأن يقدروا الآثار المترتبة على كل من الأمانة والخيانة، فالخيانة تجرح من حولهم وتؤذي الإنسان في أعماقه، وتترك جراحًا من الصعب أن تبرأ، أما الأمانة فتبعث الراحة والأمن في النفس، وهذا الإدراك لن نصل إليه إلا إذا علمنا الصغار كيف يقدرون ويحترمون أنفسهم والآخرين؟ المنزل يجب أن يكون المكان المناسب ليتعلموا فيه احترام الذات، فهم وإن أخطأوا فما زالوا يتمتعون بحب والديهم، وعقابنا لهم يجب ألا يمس احترامهم لأنفسهم، أو أن يحط من قدرهم.. توقعاتنا لهم يجب أن تكون في حدود مقدرتهم حتى لا يضطروا للكذب من أجل إعطاء أنفسهم صورة أكبر مما هم فيه.
3- وضع المسائل الافتراضية والتحدث مع الأبناء ومناقشتهم فيها وسيلة مفيدةأيضًا، كالتحدث عن شعور الأم إذا أخذ أحد الأبناء مبلغًا من حقيبتها دون علمها، أو شعور الأب إذا اتصلت به المدرسة لتخبره بدرجات ابنه المنخفضة التي كان قد أخبر والده عكس ذلك.
على الأبناء أن يدركوا أنهم وإن يكونوا قد نجوا بفعلتهم في بداية الأمر إلا أنهم في النهاية سيدفعون ثمن تلك الفعلة وحدهم من حساباتهم الدنيوية والأخروية.
٤- الكثير من الصغار يأخذون أشياء ليست لهم ليس بنية السرقة؛ ولكن حبًا في أن يحصلوا على أشياء يحبونها، وما على الوالدين فعله هو أن يعيدوا ما أخذه الطفل معه، وأن يقوموا بتعليمه مفهوم عدم أحقيته في أخذ أشياء الآخرين، ويجعلونه يعيده بنفسه أما إذا كان أكبر سنًا؛ فالحديث معه يجب أن يكون أكثر توسعًا وشدة.
5- قبل أن تحاسب أبناءك على عمل ما، علمهم خطوات هذا العمل، وعرفهم ما تتوقع منهم حتى لا تضطرهم إلى التخبط، ومن ثم الخوف والكذب، وكره تحمل المسؤولية.
٦- علمهم إتقان واجباتهم المدرسية والمحافظة على الكتب والأمانة في عمل البحوث ونقل المعلومة الصحيحة، ولا تشجع فيهم الاعتماد على الغير في حل الواجبات أو شراء البحوث.
الأمانة كأي خلق آخر يجب أن تنبع من داخل الإنسان، ولا نستطيع أن نجبر أبناءنا على تبنيها، ولكننا نستطيع أن نوفر لهم القدوة الجيدة والبيئة المناسبة التي يتعلمون من خلالها خلق الأمانة.
- الأمانة مع النفس
هل لديك خطة معينة لحياتك؟ هل تعلم أولوياتك؟
هل بنيت هرم أهدافك؟
إذا كانت إجاباتك للأسئلة السابقة بنعم، فلا تقرأ الفقرة القادمة فأنت تعرف كيف تتحمل أمانة نفسك.. أما إذا لم تكن متأكدًا، فاقرأ معي النقاط التالية:
١- عين وقتًا خاصًا لك، تستطيع أن تفكر فيه.. ربما بعد الفجر مباشرة قبل أن تستيقظ عائلتك، أو بعد ذهابهم للنوم... بعض الأشخاص يفضلون التفكير وهم يؤدون أنشطة معينة كالمشي أو ترتيب المنزل، حاول أن تجد ما يناسبك.
2- عين موضوعًا معينًا خاصًا بحياتك وتريد أن تطور نفسك فيه كالعلاقات العائلية أو العمل أو عباداتك، وابدأ في البحث فيما ينقصك فيه، وما تريد تطويره وما نقاط قوتك فيه؟ والمهم أن تعرف الهدف الذي تسعى إليه.
3- لتكن أفكارك محددة، وحدد ما قمت بإنجازه، وما تحب أن تنجزه، وما الأشياء التي تزعجك فيه.
4- فكر بواقعية وابتعد عن المثالية.. نعم كلنا يسعى للكمال ولكننا لن نصل إليه هذه هي سنة الحياة ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ولكن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.
5- اكتب كل ما تفكر فيه فالكلمات والرسومات ترتب الأفكار، وتجعلها واضحة
أمامنا، اجلب أربع أوراق واكتب في:
الأولى: نقاط قوتك، ما الأشياء التي تجيدها وما الأشياء التي تحبها.. ما الأعمال التي يمتدحها الآخرون عندما تنجزها؟ واستفد من تلك النقاط للمضي قدمًا في حياتك.
الثانية: نقاط ضعفك، ما الأشياء التي لا تتقنها ولا تحبها؟ وعندما تعرفها، فإما أن تحاول أن تطورها، وإما أن تتركها لتعمل ما تتقنه فمثلًا عندما تعرف أنك لا تجيد السباحة فإما أن تلتحق بدورات تعليم السباحة، وإما أنك تعرف حدود إمكانياتك فلا تحاول أن تسبح في العميق أو تحاول إنقاذ إنسان يغرق.
الثالثة: الفرص، و هي دائمًا تكون ملحقة بالورقة الأولى التي تحتوي على نقاط قوتك والفرص هنا لا نعني بها فرصة الحصول على مال معين ولكنها تعني إمكانية أن تحدث فرقًا فيما حولك، أو أن تحقق أهدافك، أو أن تطور ذاتك فالفرص تأتي عندما تعرف كيف تستغل نقاط قوتك أو أن تطور نقاط ضعفك.
الرابعة: الأخطار.. عندما تعرف ما يهدد نجاحك أو يعترض طريقك ستعرف كيف تتعامل معه، فبعض الأخطار لا نستطيع السيطرة عليها؛ ولكن الكثير منها يمكن التقليل من آثارها أو تجنبها.
٦- حاول أن تجد من تتحدث معه وتثق في رأيه، ودعه يقول رأيه فيك بصراحة فقد يعرفك الآخرون بنفسك أكثر مما تعرفها ولكن لا تعاقبه على أمانته في
النهاية.
7 - اكتب كل ما تفكر أنك تحب أن تقوم به في الخمس أو العشر سنوات القادمة ولا تحذف شيئًا.. فقط اكتب واحتفظ بما كتبت.
8 - ضع أسئلة واكتب إجاباتها مثل: ما الأشياء الأكثر أهمية في حياتي؟ ما الأشياء التي يجب أن أغيرها في حياتي؟ من الأشخاص الذين يضيفون لحياتي أشياء إيجابية ومن الذين لا يضيفون؟
واعلم أنها حياتك وأنك المسؤول عن شكلها، وبالتالي أنت من يقرر من يبقى
ومن يذهب.
9 - الأمانة تقتضي أن تكون صادقًا مع نفسك وترى حقيقتها، وإن كانت تلك الحقيقة مؤلمة.. نعم، ستشعر ببعض الحزن في البداية ولكن التغيير للأفضل سيكون سريعًا ويحررك من حزنك.
ابدأ بالعمل، وتنفيذ ما خططت له، فهذه هي الأمانة مع النفس.
- كيف تكون أمينًا مع الآخرين؟
1- عندما تتطلب الأمانة أن تقول رأيك في شخص معين.. فكر قبل أن تتفوه بأي كلمة وقم بعمل موازنة ما بين قول رأيك و مدى الدمار الذي يمكن أن يسببه هذا الرأي في نفسية من أمامك، ودائمًا يفضل ألا تقدم النصح إلا لمن يطلبه منك.
2- حافظ على ممتلكات الآخرين، أعدها لهم سليمة في الوقت المحدد بينكم.
3- لا تختلق قصصًا عن حياتك وتحكيها للآخرين، دعهم يكتشفون نجاحاتك بأنفسهم.
4- حاول ألا تتصرف بعدم أمانة.. كأن تتظاهر بألا يوجد شيء سيئ في حياتك أو أن تضع اللوم على الآخرين فيما يمر بك من مشكلات ولا تتحمل مسؤولية ما يحدث لك.
5- راجع شريط حياتك وعين مواقع عدم الأمانة فيها؛ فهذا سيدفعك لتجنب مثل تلك المواقف مستقبلًا ومسامحة نفسك.. وكونك اعترفت بأخطائك سيدفعك لتصحيحها.
٦- كن أمينًا حتى في الأشياء البسيطة مثل: عدم تذوق بعض المكسرات عند البائع إلا بعد استئذانه، أو عدم النظر إلى فناء جارك، عدم أخذ مال حتى ولو كان دراهم قليلة دون وجه حق.
7- كثيرًا ما تكون الصراحة والأمانة في قول رأيك في شيء معين جارحة بعض الشيء.. ولكن هذا لا يعني أن تلجأ إلى الكذب الأبيض، كما يطلقون عليه في بعض الأحيان؛ بل علينا أن نجد طرقًا إبداعية لقول الحقيقة دون أن نؤذي الآخرين فمثلًا حاول أن تجد الشيء الإيجابي في الموضوع وتحدث عنه لا تقل: هذا الثوب لا يناسبك؛ بل قل: لماذا لا تجرب الثوب الآخر الذي ارتديته المرة السابقة فهو مناسب لك أكثر.
لا تقل: لا أعلم هربًا من الإجابة بل اعتذر لكونك لا تحب الحديث في مثل هذه المواضيع أو أجّل الحديث عنها في وقت لاحق.
8 - لا تقرر أن تقوم بحجب معلومات عن شخص آخر، فقط كونك ترى أن هذا هو التصرف المناسب، ضع نفسك في مكان هذا الشخص وقرر حينها هل هذه المعلومة ضرورية بأن يعلمها في هذا الوقت بالذات.
التصرف بأمانة ليس فقط هدفًا تحاول أن نصله بل هو منهج حياة.. ربما يكون في بعض أحيانه مؤلمًا بعض الشيء ولكنه الأساس الذي تبنى عليه الشخصية السليمة الواثقة من عملها..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل