; المجتمع الأسري (العدد 1209) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (العدد 1209)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996

مشاهدات 47

نشر في العدد 1209

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 23-يوليو-1996

لمسات في التربية من جدي الشيخ علي الطنطاوي (٤)

في عالم الصغار

كان جدي لطيفًا جدًا معنا -نحن الأحفاد الصغار- ودودًا، يرحب بنا إذا دخلنا غرفته، تاركًا ما بیده مقبلًا علينا، فيجلسنا على ركبتيه، يحاورنا ويمازحنا ويتفاعل مع قصصنا فيظهر السرور لفرحنا والحزن لألمنا، إذا وجد منا فتورًا، بحث عما يدخل البهجة إلى قلوبنا، فتارة يبني لنا بيتًا بمراتب غرفة الجلوس، وأحيانًا يصنع لنا طعامًا خفيفًا نسر بتناوله، ومرة لم تجد أختي ذات الأربعة أعوام من يلعب معها الشطرنج فلعب معها بنفسه مجاملة لها وحرصًا على مشاعرها، وذات يوم لمس منا ضجرًا شديدًا، ومثلًا كبيرًا، ففاجأنا بنزهة لم تنس روعتها إلى اليوم نزل بنا إلى الشارع، ثم اقترح أن يختار أصغر حفيد بيننا الطريق الذي نسلكه يمينًا أم يسارًا أم إلى الأمام، فاختار، ومضينا حتى وصلنا أول تقاطع طرق، فاختار الحفيد الذي يلي بالسن الطريق الذي نسلكه: يمينًا أم يسارًا أم إلى الأمام، وهكذا، كلما وصلنا إلى تقاطع اختار أحدنا وجهتنا، وجدي يسمي لنا الشوارع ويعرفنا الاتجاهات، ويقص علينا بعض الطرائف أو الذكريات التي تذكره بها الأماكن التي نمر بها.

كما دربنا قليلًا على المشية العسكرية، وحذرنا من التهور أثناء عبور الشارع، حتى وصلنا إلى ضفة النهر فاسترحنا قليلًا، وتمتعنا بمراقبة الضفادع وسماع أصواتها، ثم أخذ جدي سيارة أجرة وعاد بنا إلى البيت.

أدخلوا السرور على قلوب أولادكم واحرصوا على متعتهم، ثم وجهوهم من خلال ذلك.

ابتكروا في أساليب الترفيه، مما يشعر أبناءكم بتفوقكم الكبير عليهم حتى في عالمهم فيستجيبوا لكم، ويسهل عليكم قيادهم.

عابدة فضيل العظم

مدير مدرسة «النجاح» في باريس «ضوء» مسكين لـ«المجتمع»:

تعليم اللغة العربية والحفاظ على ثقافته هو خط الدفاع الأول عن هويتنا الإسلامية

حاوره في باريس: محمد الغمقي

تعيش الجاليات الإسلامية في الغرب تحديات جمة على المستوى الثقافي والديني على وجه الخصوص، ومع انتشار الصحوة الإسلامية بدأت هذه الجاليات تبحث عن هويتها وفي مجالات متنوعة تمس بالحياة اليومية للمسلمين المقيمين بالديار الغربية وبمستقبل أبنائهم، ومن أهم هذه المجالات المجال التربوي والتعليمي، حيث برزت مشاريع تعليمية ذات وتسعى إلى الحفاظ على مقوماتها، وكان المسجد هو المحور الرئيسي الذي تركزت حوله كل الجهود، لكن تبين أن المؤسسة المسجدية لا تكفي لوحدها ما لم تكملها مؤسسات متعددة طابع إسلامي بدأت تشق طريقها وسط التحديات المشار إليها، وتعتبر مدرسة النجاح، بضواحي باريس من المشاريع الرائدة في المجال التعليمي لأبناء المسلمين في هذه العاصمة الأوروبية، وتحتفل هذه الأيام باختتام السنة الدراسية الرابعة في نشاطها، وبهذه المناسبة التقت المحكمة بمدير هذه المدرسة السيد ضوء مسكين وأجرت معه الحوار التالي:

  • ما هو تقييمكم للمشروع التعليمي الذي تشرفون عليه على ضوء أربع سنوات من التجربة المتراكمة؟ 

هذه التجربة التي أنهت ٤ سنوات، تعد تجربة إيجابية لاعتبارات ثلاثة الاعتبار الأول: هو العدد التصاعدي للتلاميذ المقبلين على المدرسة، حيث ارتفع عددهم من ۱۳۰ تلميذًا وتلميذة في السنة الأولى إلى ٣٠٠ في السنة الثانية، إلى ٤٠٥ في السنة الثالثة إلى ٥٥٠ خلال هذه السنة، وهي أرقام معبرة بنفسها عن مدى الإقبال على هذا المشروع.

والاعتبار الثاني: يتعلق بتنوع تركيبة التلاميذ، فهم ينتمون إلى ۱۳ جنسية، وإلى ٥٨ جهة في باريس وضواحيها.

وأما الاعتبار الثالث: فيتعلق بمدى استفادة التلاميذ واندماجهم مع برامج المدرسة.

  • أشار التقرير التعريفي بالمدرسة إلى أنكم تسعون إلى وضع برنامج متكامل ونهائي ينسجم مع ذهنية الطفل المسلم في الغرب وقدراته، إلى أي حد توصلتم لتحقيق هذا الهدف المتعلق بمناهج التعليم؟

 وضع المناهج الدراسية ليس بالأمر الهين حتى في البلاد الإسلامية، إذ يحتاج علماء التربية لوضع الأهداف التي على ضوئها تتم تربية الشباب والأطفال، وبالنسبة للجالية المسلمة في فرنسا، فإن الأمر ليس بالميسور لسببين:

أولًا: تنوع أصول التلاميذ، فمنهم العربي ومنهم الأعجمي، ومنهم الأوروبي، وبالتالي تتفاوت ثقافاتهم وقدراتهم. 

ثانيًا: هؤلاء التلاميذ لا يطمحون لنفس الهدف، فالبعض يريد تعلم العربية والإسلام حتى إذا عاد إلى بلاده الأصلية يتيسر له التكيف مع الواقع الجديد هناك، والبعض الآخر سيعود إلى بلاده الإسلامية لكنها غير عربية مثل السنغال ومالي، وجزيرة موريشيوس، وبالطبع فإن هذا

الصنف تختلف اهتماماته عن الأول، وهناك صنف ثالث من الفرنسيين المسلمين المستقرين نهائيًا في هذه البلاد، تختلف أهدافهم وطموحاتهم عن الصنفين الأولين، وقد قررنا بعد دراسة اعتماد برنامج موحد يتم على ضوئه تعليم اللغة العربية بأساليب مبسطة، وهذا يفيد الجميع. 

  • ما مدى تفاعل أولياء الأمور مع هذا المشروع؟ 

هناك المتحمس الذي يتبنى المشروع ويعتبره جزءًا من ذاته، كيف لا وقد ساعد هذا المشروع على لم شمل العديد من العائلات بعد أن كانت متفرقة لأن الأولياء بقوا في فرنسا، في حين تم إرسال الأبناء -خاصة أبناء شمال إفريقيا- لتعلم العربية في بلادهم الأصلية، وكادت بعض العائلات أن تتفرق فلما وجد هذا المشروع حلت المشكلة. 

  • هل تم تبني الفتيات المحجبات المطرودات من المدارس الفرنسية بسبب الحجاب؟

من ناحيتنا نقبل هؤلاء الفتيات في إطار النظام الحالي للمدرسة أي أيام الأربعاء والسبت والأحد فقط، ليتعلمن العربية والإسلام، ومن تريد منهن تعلم الرياضيات والإنجليزية ومواد أخرى في إطار الدروس المسائية فلها ذلك، لكن لم نستطع بعد الحصول على ترخيص للتدريس طوال الأسبوع على طريقة المدرسة النظامية، وهذا الأمر يحتاج إلى إمكانيات وبناء قاعات جديدة.

  • بمناسبة ضعف الإمكانيات المادية، ما هي أهم العوائق التي تعترضكم في تطوير هذا المشروع مادية وإدارية؟

نحن عاجزون عن بناء قاعات جديدة من أجل تعليم أبناء المسلمين بعض المهن، ولفتح مجال التعليم الدائم الذي يدرس طوال الأسبوع، وهذا المشروع يحتاج إلى إمكانيات كبرى وإلى مصاريف للصيانة والنقل والتدريس، فنحن نسعى لشراء مقر للمدرسة، وإلى إيجاد تجهيزات خاصة تساعد على التدريس مثل أدوات التعليم العصرية ونعمل على توفير المدرسين القادرين، وعلى تطوير البرامج، وإمكانيات المدرسة الآن ضعيفة لا تسمح بذلك، خاصة وأننا قبلنا حوالي ٦٠ تلميذًا بصفة مجانية لأن ظروف عائلاتهم المادية متواضعة، ولا يمكننا الاستمرار في فتح هذا الباب، أما بالنسبة للإدارة الفرنسية فالتعامل يختلف من مستوى إلى آخر، فعلى المستوى المركزي، لم نجد صعوبات مع الإدارة التابعة للولاية، لكن على المستوى البلدي أو المحلي، فقد اعترضتنا صعوبات جمة مع البلدية لأن القائمين عليها ذوو انتماءات شيوعية. 

  • ما هي أهم المشاريع المستقبلية لتطوير عملكم التربوي والتعليمي؟

إننا نطمح إلى تحقيق ثلاث خطوات:

أولًا: إنقاذ أبناء المسلمين العاطلين عن العمل والمعرضين للوقوع في الجريمة والفساد والمخدرات وذلك عبر بناء بعض القاعات للحصول على ترخيص التعليم الشباب العاطل مهن جديدة، فإذا تعلم عملًا وعرف دينه ووجد شغلًا صار مواطنا صالحًا. 

ثانيًا: إيجاد المنهج التعليمي المتفاعل مع الواقع. 

ثالثًا: مشروع المدرسة النظامية الدائم.

  • في تصوركم ما هو البعد الثقافي والحضاري لمثل هذه المشاريع التربوية والتعليمية؟

هذه المشاريع تنمي الوعي لدى الجالية المسلمة بدينها وثقافتها ولغتها، فإذا وعت هويتها استطاعت أن تكون محاورًا ناجحًا للتحاور مع الحضارة الأخرى المستضيفة، أي الحضارة الغربية والفرنسية بالذات فاليوم لا يوجد حوار حضاري بقدر ما هو نوع من السلخ عن الهوية والذات ومحاولة الهيمنة على الآخر، لم نصل بعد إلى الحوار المجدي الذي تستفيد فيه كل حضارة من الحضارة هناك من يرى بأن تعليم اللغة العربية الأخرى، وهذا لا يتم إلا بتوسع مثل هذه المشاريع.

  • هناك من يرى بأن تعليم العربية لا يساعد المجتمع بل يفشل اندماج المسلمين في الفرنسي، ما رأيكم في ذلك؟

لست أدرى ما علاقة تعلم العربية بإفشال ربما يكون هذا الأمر صحيحًا إذا كان المقصود الغربي والانسلاخ عن الهوية، وهذا ما تركز عليه بهذا المشروع الذوبان في المجتمع انسلاخ المسلم من كل القيم الأخلاقية الكثير من أجهزة الإعلام، فالاندماج الحقيقي الذي يمدحونه هو والعادات والثقافات التي جاء بها. 

وهذا المفهوم نرفضه، أما إذا كان المقصود  بالاندماج أن يكون المجتمع جادًا  في هذا عمله ولا يسيء إلى غيره ولا يظلمه ويحسن التعامل معه فلا يمكن ذلك إلا عن الذاتية للشخص، فمن لا تكن  له هوية لا يستطيع أن يكون محاورًا ناجحًا.

  • يرى فيليب عزيز -صاحب كتاب «مفارقة روباي»- بأن تعليم العربية لا يُساعد أبناء العرب على التفوق في دراستهم لأنه في الوقت الذي ينشغلون فيه بهذا الأمر يكون أقرانهم بصدد مراجعة المواد العلمية بالإضافة إلى أن هذه العربية التي يتعلمونها ليست سوى لهجات محلية، ما هو تعليقكم على هذا الطرح؟

لو كانت هذه الملحوظات من خبير من خبراء التربية لاحتاجت إلى التوقف عندها وإعطاء الرأي فيها، أما أن تأتي من صحفي مغرض في القضايا الإسلامية كلها، ومتحامل أشد ما يكون التحامل على الصحوة الإسلامية، ففي ظني لا يحتاج أن يلتفت إلى قوله كثيرًا، إلا أننا نعرج على هذه الأفكار خشية أن تكون انطلت على بعض المسلمين، فنذكر بجملة من المعطيات تجعل الأولياء يتفطنون إلى ما يخطط لأبنائهم المسلمين حتى لا يقع تغريبهم وتنصيرهم فيما بعد.

 المسالة الأولى: أن اللغة العربية هي لغة كبقية اللغات الحية، فما الداعي الآن إلى تشجيع الطلاب في فرنسا على دراسة ثلاث أو أربع لغات بما فيها لغة ميتة كاللاتينية؟ وينظر إلى العربية فقط كمعطل.

لماذا لم يتكلم هذا الكاتب عن اللغة العبرية التي تدرس في كثير من المدارس، ولم يقل -وهو يعرف هذه اللغة أكثر من غيره- أنها تعرقل الطلبة من الديانة اليهودية فلا تسمح لهم بالتفوق في دراستهم؟ إذن هذه المفارقة من جهة التشجيع على اللغات بما في ذلك العبرية هي محاولة لطمس العربية لأنها لغة القرآن والإسلام. 

المسألة الثانية: تتعلق بتجربة تمت في معهد بمنطقة سان دوني ضواحي باريس، منذ أكثر من ٥ سنوات وتتمثل في أن طلابًا يهودًا اختاروا العربية كلغة أجنبية لدراستها لأنهم كانوا يعلمون بالانفتاح الذي سيحدث بين اليهود والعالم العربي لذلك فهم يسارعون إلى تعلم العربية حتى يكونوا سباقين إلى الأسواق العربية. 

المسألة الثالثة: لاحظنا أن التلاميذ في مدرستنا الذين كانوا متوسطين في دراستهم في المدارس الفرنسية حصل لهم تحول عندما أقبلوا على تعلم العربية، فقد أعطاهم هذا الأمر نفسًا جديدًا، وشعورًا بهويتهم، واعتزازًا بذاتهم، مما جعلهم أكثر جدية في دراستهم حتى في المدارس الفرنسية، وأكثر تحسنًا في تربيتهم. 

  • ذكرتم لهفة الشباب الإسلامي على التعرف على دينه، وحرصه على تعلم لغته إلى أي مدى يمكن القول بوجود صحوة حقيقية لدى هؤلاء الشباب؟
  • الصحوة الإسلامية في كل العالم ترتبط بتعلم اللغة العربية، ولا أبالغ إذا قلت بأن عدد التلاميذ الذي يتكاثر ليس بسبب دعاية نقوم بها، وإنما بسبب جلب هؤلاء التلاميذ لبعضهم البعض فهم الذين يقنعون بعضهم، وفاق هذا الأمر كل التصورات بما في ذلك المهتمون بموضوع التربية وأولياء الأمور أنفسهم، ولا أبالغ إذا قلت أيضًا بأن الكثير من أولياء التلاميذ في بلاد الغرب إنما تكون عودتهم إلى أصالتهم عن طريق التأثر بأولادهم وليس العكس.
  • يلاحظ نقص في المجال التعليمي لدى الجالية المسلمة في فرنسا، بماذا تفسرون هذا النقص؟ هل بضعف الإمكانيات أم برسوخ عقليات خاطئة؟
  • النقص في المجال التعليمي حقيقة مرة وأظن أن كلمة النقص لا تعبر تعبيرًا دقيقًا عن الواقع، إذ لا يستطيع أحد أن يجزم بأننا وصلنا إلى نسبة ١٠ ٪ من أبناء المسلمين في هذه البلاد ممن يعرفون العربية والإسلام، فإذا كان ٩٠٪ من أبناء المسلمين ضائعين ولا يجدون من يؤطرهم فلا نسمي ذلك نقصًا، وإنما ظاهرة فريدة من نوعها في العالم قيد إليها الناس باختيارهم دون إجبار من أحد، وذلك نتيجة الزخم الثقافي التغريبي، هذا الأمر تفسره عوامل ثلاثة:

العامل الأول: أن الجالية في معظمها جالية أمية جيء بها من شمال إفريقيا إلى فرنسا من الأرياف لكي تشتغل في المصانع، والخلفية التي كانت وراء هذا التوجه هي أن تتوالد هذه الجالية وتكون عاجزة عن تأطير أبنائها فيؤطرهم المجتمع الفرنسي فيكونوا فرنسيين في لغتهم وثقافتهم، وقد نجح هذا الأمر إلى حد كبير. 

العامل الثاني: هو أن الجالية المحدودة الثقافة لا تعير الجانب الثقافي الأهمية المطلوبة، فتجد الأب مستعدًا ليصرف على ولده للباسه وأكله الشيء الكثير، لكن غير مستعد أن يصرف على تعليم ابنه إلا نسبة 5٪ من بقية حاجياته، باستثناء صنف الطلبة كجزء من الجالية والذين جاءوا لإتمام دراستهم ومنهم من استقر لكن هؤلاء تعوزهم الإمكانيات. 

العامل الثالث: أن المسلمين مشتتون ولم توجد بعد المشاريع التربوية التي تجمع المسلمين، وليس بالسهل إيجاد مدرسة إسلامية في فرنسا باعتبار أهمية البعد الثقافي بالنسبة للبلاد الفرنسية.

الرابط المختصر :