; المجتمع الأسري (عدد 1231) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (عدد 1231)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

مشاهدات 72

نشر في العدد 1231

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

▪ بحث علمي للدكتور محمود أحمد شوق يرصد: دور التربية في التغلب على التحديات التي تواجه العالم الإسلامي

القاهرة: المجتمع

التربية في الرؤية الإسلامية تعمد إلى توجيه سلوك المجتمع- أفرادًا ومؤسسات- إلى ما يخدم هدف الدولة الإسلامية المنشودة، هذا الهدف الذي لا يعني التقوقع على الذات الحضارية، بل تنميتها وإنتاج المعرفة في كل المجالات في إطار الاحتفاظ بالهوية الثقافية للأمة الإسلامية، والتربية جهد مستقبلي.. يهيئ الأجيال الحاضرة لعبء المستقبل وتحدياته، أو هكذا يجب أن يكون.

هذا الجهد لا يفتقر إلى أدبيات وكتابات مخلصة تحاول تأصيله وتحديد دوره في مجابهة تحديات اليوم والغد، ولا يبقى إلا أن تجد هذه الأدبيات أطرًا مؤسسية تطبق أطروحاتها وتنفذ مقترحاتها بشكل عملي.

من هذه الأدبيات بحث أعده د. محمود أحمد شوق- مستشار رئيس رابطة الجامعات الإسلامية- حول «التحديات المستقبلية التي تواجه العالم الإسلامي ومهمات التربية في التغلب عليها».

هذه التحديات- كما يقول البحث- متعددة ومتنوعة ومتشابكة، سواء كان مصدرها الأوضاع العالمية المعاصرة، أو التقدم العلمي والتقني المعاصر، أو الوضعية الداخلية للعالم الإسلامي، وهي نظام متكامل تحركه قوى الهيمنة عبر تكتلاتها الاقتصادية والعسكرية التي ترى في الإسلام عائقًا أمام استكبارها وهيمنتها، وتسفر عن ذلك في شكل كتابات منظريها التي تجمع على أن الثورة القادمة ستكون إسلامية، مما يحتم تمييع المبادئ والعقائد الروحية التي يؤمن بها المسلمون وعدم ترك الحركة الفدائية لتتخذ طابعًا إسلاميًّا حتى لا تصبح شعلة من نار الحماس الديني، فالفداء إذا تملكته عقيدة دينية تلاشت أمامه كل العقائد الأخرى بما فيها الماركسية.

وبالإضافة إلى هذا الموقف العدائي من الإسلام يواجه المسلمون نمطًا من التغريب والتبعية في كل مجالات الحياة، كما انتقلت إليه بعض أنماط الانحرافات الأخلاقية من العالم المتقدم مثل: المخدرات والشذوذ الجنسي وغيرها.

أما التحديات المتعلقة بالتقدم التكنولوجي فهي حجب التقدم العلمي عن الدول النامية التي تحاول أن تنقل منه ما لا يلائم بيئاتها، والغزو الثقافي الناتج عن احتكار العالم المتقدم لتقنية البث المباشر وضعف الهوية الثقافية، وتراجع العقائد نتيجة السطوة الإعلامية للغرب والصهيونية مع التخلف العسكري، والإنفاق الباهظ فيه لاستيراد معداته بما يؤثر على القرار السياسي للدول النامية، ولا تنبع التحديات التي تواجه العالم الإسلامي من خارجه فقط، بل من داخله أيضًا فمعظم الدول الإسلامية عازفة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، مما يكرس التوجه الغربي فيها والتضامن الإسلامي غائب، كما أن المنتمين إلى الحركة الإسلامية يقع بعضهم في مصيدة الغلو والجمود، وهناك فجوة واسعة بينهم وبين الحكام الذين لا يستفيدون من طاقات أبناء الأمة بالقدر الكافي، كذلك يتسم الإعلام في الدول النامية بالتوجه العلماني وتشيع داخلها الحروب الأهلية، مما يضعف قدرتها- مع غياب التضامن بينها أيضًا- على مواجهة تحديات النظام العالمي الجديد.

▪ استثمار الفرص التعليمية

ويحدد البحث أهم معالم وعناصر السياسة الإعلامية التي تؤهلها لمواجهة التحديات السابقة وغيرها في النقاط التالية:

- اعتبار التربية عملية استثمار ينبغي أن تتفوق مخرجاتها على مدخلاتها، ومن ثم فإن تطويرها يجب أن يلازم جميع خطواتها.

- التقويم المستمر للعملية التعليمية لتصحيح مسارها أولًا بأول.

- ترسيخ العقيدة الإسلامية والمحافظة على الهوية العقائدية للمسلمين.

- تقوية الانتماء الإسلامي وتعزيز الشعور بالواجب نحو توحيد الأمة الإسلامية لتواجه الكيانات الكبرى.

- دعم حرية التعبير وفق الضوابط الإسلامية.

- حسن استثمار الفرص التعليمية لسد ثغرات الأمية وتنشيط الحراك الاجتماعي، ورفع مستوى الإنتاج كمًّا وكيفًا لتحرير إرادة الأمة من قيد المعونات الخارجية.

- مرونة الحركة التعليمية وتنويع خططها ومناهجها لتتلاءم مع المشكلات القائمة في المجتمع وتوفر للمتعلمين آليات المشاركة في حلها.

- ربط التعليم بالمستحدثات التكنولوجية وحاجات المجتمع والاهتمام بالبحث والتجريب في العملية التعليمية.

- الاهتمام بمناهج الدراسات المستقبلية وتنمية مواهب الطلاب بعد اكتشافها بوسائل علمية وتربوية لتكون ثمرة العملية التعليمية: شخصية فاعلية وكفاءات إدارية ومهارات فنية عالية.

- التنسيق الكامل بين مؤسسات الإعلام والتعليم والأسرة في العناية بالثقافة الإسلامية، وإيجاد التوازن الثقافي بين معطيات الدين والتقدم التكنولوجي.

- التنسيق بين جامعات العالم الإسلامي، خاصة في التخصصات العلمية الدقيقة استثمارًا للخبرات وترشيدًا للإنفاق.

- الاهتمام بإنشاء الأكاديميات التي تعني بالبحوث الأساسية على مستوى العالم الإسلامي، وتتوافر لها إمكانات تؤهلها لمنافسة نظائرها من المؤسسات الأجنبية.

▪ التربية الجهادية

أما بالنسبة لدور المناهج الإسلامية في التصدي للتحديات المستقبلية التي تواجه العالم الإسلامي فيمكن تحقيق أقصى فعالية له بالحرص على مرونة المناهج ومواكبتها للتطورات العلمية المتسارعة وتدعيمها بما يؤهل الطلاب لاكتساب الخبرات والقدرات البحثية على أن يحكم تلك المناهج إطار أخلاقي وانفتاح على تجارب العصر أيضًا.

ومن الأهمية بمكان أن تراعي المناهج قدرات كل من الجنسين وتسهم في إعداده لأداء مهامه المستقبلية بكفاءة، وللمكتبة دور مهم في إنجاح العملية التعليمية على أن يكون اختيار محتواها الثقافي وفق معايير علمية وتربوية تراعي حاجات المجتمع والمتعلمين والمعلمين.

ويجب أن تهتم المناهج التعليمية بالبيئة والوسائل الأمثل لاستثمارها.

وتوظيف المناهج في التربية الجهادية أمر ضروري أيضًا لإكساب الطلاب مهارات الدفاع عن النفس وتهيئتهم لمناخ الحروب وتعريفهم بأساليب الحرب النفسية التي يستخدمها العدو، وهذا معنى من معاني إعداد القوة لإرهابه.

ويجب أن تسهم المناهج في دراسة أسباب مشكلات العالم الإسلامي، وسبل التعاون بين الدول الإسلامية في حلها من خلال البحوث العلمية محلية وعالمية.

وفي مناخ التكتلات العلمانية يجب أن تتضمن المناهج الدراسية مفاهيم الوحدة الإسلامية وآليات تحقيقها لإحداث التكامل بين دول العالم الإسلامي في كافة المجالات.

▪ لِمَ لا تكونين فعَّالة؟

هذه رسالة إلى.. أمي وأختي وابنتي وصديقتي.. أبعث بهذه الكلمات لعلها تكون مفيدة، وأرجو من الله أن تكون خفيفة.

أخيتي.. هل شعرت بمسؤوليتك تجاه الدعوة؟

أخيتي.. هل فكرت في كيفية تنشئة أبنائك؟

أخيتي.. هل تنبهت لما يحاك لك من قبل أعدائك؟

أخيتي.. هل كنت عونًا لزوجك في مشوار الحياة وطريق الدعوة؟

أخيتي أنا لا أنتظر إجابة، فأنت بنت الإسلام، ولا بد أن يكون قد شغلك ما شغلني، ولكني أحببت أن أشاركك في بعض أفكاري، لعلنا نجد فيها الخير لبنات جنسنا اللاتي ركن إلى الحياة، وإن كنت أوجه إليك الخطاب فإنني والله أعني به نفسي قبل غيري، فلا بد يا أخية من وقفة مع النفس والتأمل في حالها.

نعم يا أختاه.. لا بد لك من وقفة مع نفسك وسؤالها.. لم لا أصبح داعية؟ لم لا أقدم مصلحة الأمة الإسلامية على مصلحتي الذاتية؟ أتذكر الله في عملي وقولي، فالوسائل متاحة وفي الوقت متسع والمقصرون نحن، آخر ما نفكر فيه هو إبداء النصيحة، جعلنا أكبر همنا هو الدنيا وملذاتها، وبعدنا عن الهدف الأسمى والذي خلقنا من أجله ألا وهو العبادة، نسينا ما السبب في هلاك الأمم السابقة، نسينا أنهم كانوا لا يتناصحون فيما بينهم، ترك بعضهم بعضًا يتخبطون في الظلمات فهلك الجميع، نعم يا أختاه لقد خطط الأعداء لإفساد حياتك ونجحوا.

وها أنت ترين المرأة تأخذ دون فكر، وتقلد دون وعي، فما هو واجبنا والحالة تلك؟ أنسكت فنكون من الشياطين الخرس؟ أم نغض الطرف حتى يحيق بنا غضب الله؟

واجبك يا أختاه أن تدعي إلى الله، وأن تدعي إلى العودة إلى السعادة بطاعة الله وإلى الطمأنينة بترك معصيته، ولا يتم لك ذلك يا أخية إلا بعلم نافع يضيئ لك الطريق، فتكوني قدوة للمسلمات، داعية خير ومربية أجيال.

واحذري من الأخطاء ولا تجعليها لك كابحًا، بل اجعليها لك حافزًا وكوني صبورة على أخطاء غيرك، كما كان غيرك صبورًا على أخطائك، غيورة على دينك بليغة القول فصيحة اللسان في دعوتك، فإنها مقومات نجاحك بعد إخلاص نيتك، وكوني كالنحلة العاملة لا تأكل إلا طيبًا وتنتج طيبًا، وإذا حطت لا تخدش ولا تكسر، ولها شوكة على أعدائها، ولا تلجئي إلى التبرير عند تقصيرك، وكوني ذاكرة لله ليذكرك، واجعلي لباسك الاقتصاد، ومشيك الاستحياء، وزينتك النظافة.

نعم يا أختاه، لم لا تكونين فعَّالة، لو نظرت للدنيا على أنها زائلة، ولو تيقنت بأن ما عند الله خير وأبقى لأعطيت دون حساب، ولجعلتِ القرآن دستورك، والرسول قدوتك ونهجك في الحياة، ولأمكنك ذلك من تربية نفسك وحثها على الدعوة، وأن تعدي أبناءك للدعوة منذ صغرهم، وذلك بالقدوة التي يرونها فيك والتوجيه لهم، كذلك لا بد أن تهيئي لزوجك الجو المناسب فكوني له سندًا ومشجعًا، لا تقدمي مصلحتك على دينك، حاولي أن تجعليه يسير في ركب الصالحين والدعاة، لا تتذمري من غيابه للدعوة وحفزيه إذا خمل وذكريه إذا نسي، وحاولي أن تنشغلي بما ينفعك دينًا لا دنيا، اتصفي بحسن المعاملة والتواضع لأي كان في عملك أو بيتك صغيره كان أو كبيره، رئيسه أو مرؤوسه، ولا تكوني اتكالية، واختلطي بالناس ولا تكوني متقوقعة، وابتعدي عن العجب والتكبر، فالعجب بالنفس مهلكة والكبر محبط للعمل.

والمؤمن يا أخيتي بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل بقي لا يدري ما الله قاض فيه.

▪ لمسات في التربية من جدي الشيخ علي الطنطاوي (١٥)

▪ تقبُّل النقد

مرَّ جدي بظروف مختلفة: فقد حظي عند ولادته وفي نشأته الأولى بعناية خاصة ورعاية كبيرة، لأنه بكر أبويه، فكان مدللًا مرفهًا، يُخدَم ولا يخدِم، ويُجاب إلى طلباته ورغباته، وإذا أخطأ عُفي عن خطئه فلا يكاد يُعاتب أو يُعاقَب!

لكن الحال تغير فجأة بوفاة والده.. ثم والدته.. فصار هو كبير البيت وعائله ولم يتم عامه العشرين، فتحمل مسؤولية إخوته كاملة، وقام على تربيتهم والعناية بهم والإنفاق عليهم.

كل ذلك وهو ما زال شابًا صغيرًا لم يكمل دراسته، فإذا به يرى من الحال غير ما كان ألف، ويعاني من صعوبات الحياة ما لم يكن يعرف، ولكن الله من عليه بالعزيمة ووهبه مزايا كثيرة وأعطاه علمًا واسعًا، فما لبث حاله أن انقلب إلى خير والمؤمن كل أمره له خير، وصار من أعلام الخطابة والكتابة ومن أعظم علماء هذا الزمان وفقهائه.

لقد كان ينبغي لمن نشأ مثل تلك النشأة ثم انتهى إلى مكانة كهذه أن يتملكه العُجب ويظن في نفسه الكمال «كما يفعل كثير من المتعالين وأنصاف وأرباع العلماء»، لكن الظروف التي مرَّ جدي بها والمكانة التي وصل إليها لم تمنعه من أن يتواضع لنا- نحن الصغار- في بعض الجلسات العائلية وفي ساعات الصفاء فيطلب منا أن نعينه على نفسه فننقده ونهدي إليه عيوبه، كان ذلك يشعرنا بالحرج.. إذ كيف لنا أن نفعل، وجدي كبير العائلة سنًّا وقدرًا، ونحن نحبه جدًّا ونحترمه ونُقدِّره غاية الاحترام والتقدير؟ وهو لم يكن بغير عيوب؟ ومَن من الناس يملك أن يكون بلا عيوب؟ وكنا ندرك بعضًا من ذلك ونهم ببيانه ثم نحجم أدبًا ورهبًا ونخجل ونسكت لكن جدي كان يصر على سماع انتقاداتنا وينتظر جوابنا، حتى إذا طال سكوتنا يشجعنا ويسعى إلى إقناعنا بقوله: «لا يوجد كمال في الدنيا، ولكل امرئ عيوبه وأخطاؤه»، لذلك قالوا: «كفى المرء نبلًا أن تُعدَّ معايبه».

وأي إنسان- مهما كان منصفًا- لا يستطيع أن يعرف نفسه تمامًا، فلا بد من مساعدته ليعرف نقائصه حتى يحاول التخلص منها، وخير للمرء أن يبصر بعيبه في الدنيا مرة أو مرات فيسعى إلى تداركه وإصلاحه من أن يحمله عمره كله ثم يحاسب عليه في الآخرة.

فكنا نتحمس ويشجع بعضنا بعضًا، ونذكر- على استحياء، وبأدب- بعض ما نعرفه، فيشكرنا ويعدنا بأنه سيبذل جهده لتقويم العيب وتصحيح الأمور، وإذا اتفقنا كلنا على انتقاد ما يقول: «اشهدوا جميعًا، سوف أحاول من اليوم أن أتغلب على هذا الأمر وأصلحه، وأرجوكم أن تنبهوني كلما نسيت وعُدت إليه».

ثم يسري جو من المرح في هذه الجلسات ويتطور النقد من التعبير بالكلمات إلي التعبير بالحركات إذ أن عندنا في العائلة حفيدين إحداهما من الجيل القديم الذي شهد معي كل ما أكتبه والآخر من الجيل الجديد يملكان القدرة على محاكاة وتقليد هيأة جدي وتصرفاته فكان يشجع كلًا منهما على ذلك فيترك مكانه الذي يجلس فيه دائمًا ليقوم حفيده بتمثيل ما يراه فيه تمثيلًا حيًا بدلاً من التعبير الشفهي وكان يأخذ الأمر بروح رياضية ونفسية مرحة بل ويضحك من بعض المواقف الطريفة التي يقوم بها الحفيد.

لقد قالوا قديمًا من شب على شيء شاب عليه وأنا ادركت جدي وعمره ستون عامًا، فهل استطاع التغلب تمامًا على كل عيوبه؟ بالطبع لا، لكن اهتمامه ببيان هذه العيوب وحرصه على إصلاحها وتقبله للنقد وسعيه نحو الأفضل كل أولئك كان يجعله في نظري أكبر وأكبر ويزيدني به إعجابًا وله احترامًا وتقديرًا.

عابدة العظم

الرابط المختصر :