; المجتمع الأسري ( العدد1210) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري ( العدد1210)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996

مشاهدات 92

نشر في العدد 1210

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 30-يوليو-1996

لمسات في التربية من جدي «الشيخ علي الطنطاوي»(5)

الجرأة في الحق 

عندما انتقلت إلى المرحلة الإعدادية في «دمشق» كانت ساعات الدوام تبدأ بعد أذان الظهر بقليل، وتنتهي قبيل المغرب بدقائق، إلا أني- مع ذلك- لم أجد في شعبتي طالبة واحدة تصلي في المدرسة.. وكنت كلما صليت ضحكت مني التلميذات، وسخرن من اهتمامي الشديد بالصلاة، ونصحنني- لشدة جهلهن- أن أجمعها مع صلاة المغرب، ثم منعت رسميًا من الصلاة داخل غرفة الدرس.

شكوت لوالدتي ما لقيت، وسألتها: هل يجوز أن أجمع الظهر مع العصر كل يوم؟ فأفتتني أنه لا يجوز، ثم شجعتني على الصلاة في المدرسة بإصرار واستمرار وكل يوم.. مستهدية بإرشادات جدي «الذي كان مسافرًا» حيث علمها وأخواتها الجرأة في الحق، وألا تخاف في الله لومة لائم، فعلي أنا أيضًا ألا أخجل من أحد ما دمت أعمل لرضاء الله، وقصت عليَّ بعض المواقف التي تعرض لها جدي، وكيف خرج منها منتصرًا؛ لأنه طلب رضاء الله وعمل لذلك، ثم ذكرتني بأن من اشترى رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وأشارت عليَّ بأن أحمل معي بساطًا خفيف الوزن، صغير الحجم، ثم أصلي فوقه أمام الجميع في الساحة المخصصة للاستراحة، فاقتنعت، وقررت التمسك بالصلاة وعدم الاهتمام بسخرية الطالبات.

بعد مدة قصيرة تحولت بعض نظرات الاستغراب والاستهزاء إلى نظرات احترام، مما أشعرني بالقوة والفخر والسعادة «ومن اشترى رضاء الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس»، وشجع ذلك طالبات صالحات من شُعَبٍ أخرى على الصلاة في المدرسة،  فصرنا نتناوب على الصلاة الواحدة تلو الأخرى، لعدم اتساع البساط.

إني أعتبر «الجرأة» من أعظم ما تعلمته من جدي لأنها تدفع الظلم، وتحفظ الحق، ولو تحلى المسلمون بهذه الصفة لتخلصوا من كثير مما يعانون منه، وإني لأعجب كيف استطاع جدي زرع هذه الصفة في شخصية أمي وأخواتها؟ وكيف استطاعت أمي- في غياب جدي- نقلها لي بكل وضوح؟.

عابدة فضيل العظم 

إلى الأخت الداعية:

كيف ندعو داخل المساجد؟

بقلم: زينب الغزالي الجبيلي

قالت لي ابنتي التي أحبها كثيرًا، لأنها تُذكرني بشبابي في حماستها المتدفقة، وطاقتها المتجددة: لدي مشكلة يا أستاذتي العزيزة، وأرجو أن أجد لديك من الوقت المناسب لأطرحها عليك، حتى أجد الحل المناسب، فقلت لها: لك منِّي كل وقتي وطاقتي، فقد وقفت حياتي لله ولدعوته، وأرجو أن يقبلها الله مني، فما هي مشكلتك يا ابنتي الحبيبة؟ قالت: باختصار أتاح الله لي فرصة العمل داخل المساجد عن طريق إعطاء دروس دينية للسيدات والفتيات، وفكرت كثيرًا في أفضل الوسائل والسُّبل التي تعينني على تحقيق أفضل طريقة لنجاح مجهودي.. هل أتحدث في العقيدة، أم في السيرة؟ هل أتناول أبواب الفقه، أم جوانب الأخلاق والأدب؟ هل أبدأ في التفسير، أم أشرح الأحاديث؟ هل أتحدث عن شخصيات العلماء، أم أتناول موضوعات معينة؟ هل أعد دروسي من كتب الأقدمين، أم أعدها من كتب المحدثين، وهل أتحدث بطريقة الوعظ، أم بطريقة الدرس والمحاضرة؟ هذه هي مشكلتي التي تؤرقني وأبحث لها عن حل، ولذلك لجأت إليك وكلي ثقة في نصحك وخبرتك الطويلة في هذا الميدان.

قلت لها: يا حبيبة قلبي ونبض فؤادي.. أدعو الله أن يرزقك التوفيق والسداد.. وأن يعينك على هذا الجهد والجهاد، وأن يبارك في عملك وأن يتقبله خالصًا لوجهه، فما أحوجنا إلى الدعاة الواعين، الذين ينيرون طريق الأمة، ويخرجونها من الظلمات إلى النور، ويبعثون في جسدها الروح الوثابة، والعزيمة القوية، والشوق إلى النصر أو الشهادة.

إن وظيفة الداعية هي تقوية الإيمان في النفوس، وترسيخه في الوجدان، حتى يتحول إلى طاقة إيجابية متدفقة بالخير والعطاء، سواء من خلال الوعظ أو المعلومة أو القصة أو التجربة أو السلوك العملي، وتقوية الإيمان يبدأ من تصحيح المفاهيم الإسلامية لدى الناس أولًا، وتصحيح النظر إلى الحياة، ودور المسلم في إعمارها وقيادتها إلى طريق الله، فالداعية هو مرشد الناس إلى الخير سواء في الدنيا أو في الآخرة.. إنه محل ثقتهم من خلال رؤيته الصائبة، ونظرته العميقة، وتحليله الشامل، وثقافته الواسعة، وقبل ذلك حسن صلته بالله، وارتباط القول لديه بالعمل.

الداعية عليه أن يكثر من القراءة قدر استطاعته في كافة العلوم الإسلامية، وفي العلوم الإنسانية كذلك حتى يكون قادرًا على الشرح والإقناع وامتلاك القلوب والعقول.. إنه مسؤول عن بعث النهضة في الأمة، وتلك أمانة كبرى ومهمة عُظمى تحتاج إلى جهد كبير وتوفيق من الله.

وأول مهام الداعية في المسجد أن يدرس جمهوره جيدًا: ثقافته، ومستوى معيشته، ومتوسط أعماره، ومدى تجاوبه مع اليقظة الدينية... إلخ، وهذه الدراسة هي التي تحدد كيفية التعامل لتحقيق أقصى استفادة، وعلى سبيل المثال إن كان جمهور المسجد قليل الهمَّة ضعيف الإرادة، فالحاجة مُلحة إلى تقديم نماذج عملية تدل على أثر الإيمان في تغيير النفوس، ودوره في حياة الإنسان من خلال النماذج الموجودة في كتب السيرة، وكذلك من واقع الناس الآن، والحاجة تكون مُلحة إلى تأكيد الثقة بالله وبالنفس، ودعم الإرادة والعزيمة، وإلقاء الضوء على مكانه المسلم ومسؤوليته عن هداية البشرية المعذبة.

ودراسة جمهور المسجد هدفها كذلك أن يبدأ الداعية مما هو موجود، وليس من الصفر، وألا يكرر نفسه، بل يسعى إلى الاستزادة والإيجابية، وتقديم الصورة العملية المطلوبة، مثل الحث على صلاة الفجر، وتتبع نسبة التغيير الإيجابية فيها، فالناس تحتاج إلى من يوجهها توجيهًا إيجابيًّا عمليًّا، ويدفعها إلى الثقة بالنفس وحب التغيير للأفضل، وبالتالي يمكن للداعية أن يمزج بين أكثر من موضوع في درسه أو خطبته أو محاضرته أو خاطرته، فإذا تناول السيرة يدعمها بالقرآن والحديث والفقه والواقع المعاصر، وإذا تناول الأخلاق يمكنه أن يدعمها بالعقيدة والآداب وعلوم التربية المعاصرة وهكذا... المهم أن يخدم الموضوع الذي يتحدث فيه من جوانبه المتعددة، حتى يستقر في قلوب المستمعين، ويكون بداية لتغيير سلوكهم إلى الأفضل.

إن عصرنا عصر المعلومات، والداعية يجب أن يعتمد عليها في تدعيم فكرته وتقوية منطقه، ولا بأس من استخدام وسائل الإيضاح والتقريب في الشرح والتوجيه، إن الداعية صاحب رسالة، عليه أن يبذل ما في وسعه كي ينجح فيها بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

المسؤوليات الاقتصادية للمرأة في الإسلام 

بقلم: د. حسين شحاته(*)[1]

كما أعطى الإسلام للمرأة حقوقًا فإن عليها مسؤوليات وواجبات حددها الإسلام وبينها لما لها من عظيم الأثر في المجتمع المسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها...» (متفق عليه).

ومن أهم المسؤوليات ذات الطابع الاقتصادي الملقاة على المرأة في الإسلام ما يلي:

أولًا: مسؤولية المرأة عن تدبير شؤون المنزل المالية

على المرأة أن تتولى مسؤولية تدبير شؤون المنزل ومنها المالية من تحديد نفقات البيت المطلوبة مثل المآكل، والمشرب، والملبس، والمسكن، وغيرها من النفقات اللازمة لتحقيق المقاصد الشرعية وهي: حفظ الدين، والعقل، والعرض، والنفس، والمال، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك فقال: «إذا أنفقت المرأة في طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب، وللمخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا» (رواه الطبرني).

كما يجب عليها كذلك المساهمة في تنمية موارد المنزل بأن تحوله إلى وحدة إنتاج، حيث تستطيع أن تصنع الكثير من الأشياء، وتستغني عن شرائها مصنعة، كما من مسؤولياتها كذلك التعاون مع الزوج في إعداد ميزانية البيت لتكون خطة للنفقات والإيرادات.

ثانيًا: مسؤولية المرأة في التأكد من الكسب الحلال 

على المرأة أن تحرص على الكسب الحلال، وتجنب زوجها من الكسب الحرام، وأن تساعده في أن يبحث عن العمل الطيب والكسب الحلال، وقد أكد الله عز وجل على ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (البقرة: 172)، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (الأعراف: 157).

وعلى المرأة أن تستشعر مسؤوليتها في ذلك ومؤازرتها لزوجها ناصحة له مدركه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به» (رواه الترمذي)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يكسب عبدًا مالًا من حرام فينفق منه فيبارك فيه: لا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده في النار، إن الله يمحو السيئ بالسيئ ولكن الله يمحو السيئ الحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».

ولقد أوصت إحدى الصالحات زوجها عندما خرج للعمل سعيًا وراء الرزق، فقالت له: «إياك وكسب الحرام، فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار».

ثالثًا: مسؤولية المرأة في الاقتصاد في النفقات

يقوم الإسلام على الوسطية في كل شيء ومنها الاعتدال في الإنفاق، دون إسراف أو تقدير، لأن الإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان: 67)، وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (الإسراء: 29)، فعلى المرأة الاقتصاد في النفقات متجنبة الإسراف والتبذير والتقتير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفقت المراة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا» (متفق عليه).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما عال من اقتصد»، ويقول كذلك: «لقد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافًا وقنعه الله بما أتاه».

وعلى المرأة أن تتجنب كل إنفاق لا يقابله منفعة مادية أو معنوية مشروعة، وكل ما يغضب الله عز وجل، بل على المرأة قبل أن تهم بإنفاق أي مبلغ أن تنظر وتدقق وتتحرى هل هذا الإنفاق يتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية أم لا؟ فإذا كان فلتمضي ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا...﴾ (الأعراف: 32)، وإن كان غير ذلك فالتمتع عندئذ يزيد الكسب ويتضاعف ويبارك الله فيه، ويفيض على الحاجة ليدخر ويستثمر لوقت الحاجة أو للأجيال القادمة.

إن على المرأة أن تعلم أن الإنفاق يكون لتحقيق المقاصد الشرعية الآتية:

أ-الضروريات: وهي ما ينفق لقوام الناس ولا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها مثل نفقات: المأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن، والصحة، والزواج، والأمن، والعلم.

ب-الحاجيات: وهي ما ينفق على ما يحتاجه الناس لجعل حياتهم ميسرة وتخفيف مشاق الحياة ومتاعبها، ولا ينفق على الحاجيات مثل استيفاء الضروريات.

جـ- التحسينات: وهي ما ينفق لجعل الحياة رغدة طيبة وأحسن حال من حالة الضروريات  والحاجيات وكله يتعلق بالمقاصد الشرعية.

وبالتالي لا يحق للمرأة أن تنفق على التحسينات إلا بعد نفقات الضروريات والحاجيات.

رابعًا: مسؤولية المرأة في الموازنة بين الكسب والإنفاق

يجب على المرأة أن لا تكلف زوجها ما لا يطيق، وأن تدبر النفقات في حدود الكسب المتاح والأدلة الشرعية على ذلك كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ (البقرة: 286)، وقوله عز وجل: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (البقرة: 236).

ولقد أوصت سيدة صالحة ابنتها فقالت: «لا تكلفي زوجك إلا ما يطيق طبقًا للأحوال، وارفعي بيدك عنه مواطن الضعف والضيق، فحمل الصخور أخف من حمل الديون، ويقول أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: «إني أبغض أهل البيت الذي ينفقون رزق أيام في يوم واحد»، ويقول معاوية رضي الله عنه: «حسن التدبير نصف الكسب وهو نصف المعيشة».

خامسًا: مسؤولية المرأة في الادخار للمستقبل

على المرأة أن تستشعر أن مسؤولياتها الادخار للأجيال القادمة لأن لهم حق في أموال الأجيال الحاضرة، ويكون ذلك على طريق تنمية الكسب والاقتصاد في النفقات، فالكسب الحلال الطيب، والإنفاق المقتصد في ضوء الأولويات الإسلامية يمكن من الادخار.

ولقد ورد في الأثر: «رحم الله امرءًا اكتسب طيبًا، وأنفق قصدًا، وقدم فضلًا ليوم فقره وحاجته»، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر الصديق: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس أعطوهم أو منعوهم».

وعلى المرأة أن تعلم أن البيت المسلم يمر بحالات من الرخاء والسعة في الرزق، وكذلك يمر بحالات من الشدة والضيق، ولذلك يجب عليها أن تأخذ من وقت الرخاء لوقت الشدة، وأن تعلم وتؤمن أن الفرد لا يعلم ماذا يكسب غدًا، وهذا أمر جلي واضح: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لقمان: 34).

يتضح من البنود السابقة أن على المرأة مسؤوليات جسيمة إذا قامت بها تحقق في البيت بجانب الأمن والحب والمودة الاستقرار المالي وتجنب المشكلات المالية التي أحيانًا تسبب انهيارًا وتفككًا في العلاقات الأسرية.

(*) أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر

الرابط المختصر :