العنوان المجتمع الاقتصادي- العدد 1670
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1670
نشر في الصفحة 44
السبت 24-سبتمبر-2005
تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٥م
العالم بين تصحيح العولمة والإرادة السياسية في التنمية
القاهرة:
hafez56@hotmail.com
عندما تم إصدار تقرير التنمية البشرية منذ ١٥ عاماً، كان معدوه يتمنون أن يؤتي ثماره ويحقق نتائج متقدمة وأن يكون هناك التزام دولي بتطبيقه من كل الدول النامية والمتقدمة على السواء، للقيام بالدور المنوط بهما من أجل أن تتحقق أمال العالم في تنمية بشرية أفضل.
وعلى وجه الخصوص النجاح في تحقيق أهداف الألفية الثالثة التي تم الاتفاق والإعلان عنها في عام ۲۰۰۰م والتي تتمثل في خفض نسبة الفقر في العالم إلى نحو ٥٠% وتخفيض نسبة الوفيات بين الأطفال بنحو الثلثين ومكافحة الإيدز، والمساواة بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم، ووجود شراكة عالمية شاملة.
التقرير الجديد الذي صدر في 7 سبتمبر الجاري يضم في تقويمه ۱۷۷ دولة مقسمة إلى ثلاثة مستويات الأول دول ذات مستوى تنمية بشرية مرتفع، يشمل ٧٥ دولة من بينها ٤ دول عربية هي (حسب الترتيب قطر ٤٠ الإمارات ٤١ البحرين ٤٣ الكويت (٤٤ بينما يضم المستوى الثاني الدول المتوسطة في التنمية البشرية ٧٨ دولة من بينها معظم الدول العربية وهي (ليبيا عمان السعودية لبنان تونس الأردن السلطة الفلسطينية سوريا مصر المغرب السودان)، وفي المستوى الثالث منخفض التنمية البشرية توجد ٣ دول عربية (جيبوتي اليمن موريتانيا من بين ٣١ دولة).
عالم أكثر فقراً، ويحدد برنامج الأمم المتحدة لتحقيق هذه الأهداف عام ۲۰۱۵، إلا أن التقرير يقيم فترة الخمس سنوات الماضية بأنها مخيبة للآمال، وأن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو: هل عقدت حكومات العالم النية على الإقلاع عن معوقات تحقيق أهداف الألفية؟ من خلال تعميق حالة اللامساواة فيما بين الدول بعضها بعضاً أو داخل الدولة الواحدة بين رعاياها.
وأمام العالم خياران الأول الاستمرار على الوضع الحالي من خلال اتباع مبداً كله على ما يرام، وسوف يجني العالم ثماراً مرة تهدد أمنه الاجتماعي والاقتصادي من خلال انتشار الجوع وتعميق مشكلات الفقراء الصحية والاقتصادية، والخيار الثاني: اعتبار عام ۲۰۰۵ بمثابة وقفة يعزم فيها العالم على إنجاز أكبر قدر ممكن من خطة أهداف الألفية.
مجموع الدخل لأغنى ٥٠٠ فرد في العالم يفوق دخل أفقر ٤١٦ مليون فرد
كما يحمل التقرير سياسيي هذا العصر المسؤولية التاريخية للخيار بين الأمرين معتبراً أن العقد الباقي يكفي لإنجاز المهام المطلوبة إن توافرت الإرادة السياسية. ويذكرنا هذا بالملاحظة الجوهرية التي أثارها المفكرون مع طرح نظام العولمة في مطلع التسعينيات من القرن الماضي من كون العولمة تفتقر إلى الآليات السياسية الملزمة للأطراف الطاغية التي لا تراعي مصالح الأطراف الأضعف وتلزم الأقوياء بالوفاء بواجباتهم التي تحتمها آليات العولمة الاقتصادية والاجتماعية وذلك لأن النظام الحالي يفتقد هذه الآلية السياسية.
وثمة أمر مهم يراه التقرير وهو أن العالم إذا أراد أن يصحح مجرى العولمة فعليه أن يجعل العقد القادم عقد التنمية البشرية، وأمام العالم فرصة سانحة كي يعد السياسات والموارد الكفيلة بذلك حيث يمكن أن يمنح ملايين الفقراء من بني البشر الأمل والازدهار والأمن. وإذا اختار العالم مساراً آخر غير هذا فسوف يقاد إلى واقع متسم بالفقر المدقع، ومقسم باللامساواة الحادة ومحدد بالنزاعات المتعددة.
ظلم الممارسات
يرصد التقرير حالات صارخة من الممارسات غير العادلة من قبل الدول المتقدمة والشركات متعددة الجنسيات سواء في حجم وكيفية الإنفاق أو في استغلال الاتفاقيات الدولية لصالح الدول المتقدمة أو تفريغ المعونات المقدمة من مضمونها، بحيث تصب في النهاية في بقاء الدول النامية في حالة عوز ومستحيل أن تخرج البلدان الفقيرة من حالتها البائسة ونشير هنا إلى بعض هذه الشواهد.
مجموع الدخل لأغنى ٥٠٠ فرد في العالم يفوق دخل أفقر ٤١٦ مليون فرد، كما أن هناك ٢.٥ مليار إنسان أي ٤٠% من سكان العالم يعيش الواحد منهم بأقل من دولارين في اليوم ويحققون ٥٪ فقط من الدخل العالمي، بينما يعيش أغنى ١٠٪ في بلدان الدخل المرتفع ويحققون ٥٤٪ من الدخل العالمي. بل المثير للدهشة أن إخراج نحو مليار من البشر من تحت خط الفقر الذي يعيشون فيه بدولار واحد يومياً المستوى أفضل لا يكلف سوى ۳۰۰ مليار دولار، أي ما يعادل ١.٦٪ من دخل أغنى ١٠٪ من سكان العالم.
لو قدر لمن يعيشون بدولار واحد في اليوم أن يحصلوا على ضعف حصتهم من النمو مستقبلاً، فإنه بحلول عام ٢٠١٥ سوف ينخفض عددهم بنحو الثلث أي ما يقرب من ٢٥٨ مليون إنسان.
أهداف التنمية للألفية مقدور عليها مالياً ولكن القضية في النهاية مسألة أولويات سياسية. فالاستثمارات المطلوبة متواضعة للغاية عند مقارنتها بطبيعة الإنفاق في الدول الغنية فحصول نحو ثلثي سكان العالم (٢.٦ مليار (فرد) على مياه نقية للشرب، يتكلف نحو ٧ مليارات دولار، وهو مبلغ يقل عما ينفقه الأوروبيون على العطور، وأقل مما ينفق في الولايات المتحدة الأمريكية على جراحات التجميل الاختيارية ومن شأن إنفاق مثل هذا المبلغ على مياه الشرب النقية أن ينقذ حياة نحو 4 آلاف إنسان يومياً.
حصول ثلثي سكان العالم على مياه نقية للشرب يتكلف ٧ مليارات دولار وهو مبلغ يقل عما ينفقه الأوروبيون على العطور
سكان إفريقيا جنوب الصحراء يبلغ تعدادهم ٦۸٩ مليون نسمة، ومع ذلك تقل حصتهم في التجارة الدولية عن حصة بلجيكا ذات العشرة ملايين نسمة. ولو تمتعت إفريقيا بحصتها في التجارة الدولية التي كانت تحصل عليها في عام ۱۹۸۰م لكانت مكاسبها من العملة الأجنبية موازية لنحو ثمانية أضعاف ما تلقته من معونات عام ٢٠٠٣م.
في جولة الدوحة تعهدت الدول المتقدمة بتخفيض الإعانات المالية لمزارعيها، لكنها عملت منذ ذلك الحين على تقديم نحو مليار دولار سنوياً معونات للزراعة في البلدان النامية وفي الوقت نفسه تقدر نحو مليار دولار يومياً من الإعانات المالية لمزارعيها. ومن هنا من الصعوبة بمكان أن تنافس المنتجات الزراعية للبلدان النامية المنتجات الزراعية للبلدان المتقدمة وتلمس هذا من خلال صورة واقعية تعكس ممارسات الدول المتقدمة.
من بين ۱۷۷ دولة شملها التقرير حصلت ٢٢ دولة على تصنيف مستوى تنمية بشرية منخفض. وقد عانى كل من هذه الدول مأساة النزاعات العنيفة سواء كانت داخلية أو بينية مع جيران لها منذ عام ١٩٩٠م وحتى الآن. ومن اللافت للنظر أن عدد الوفيات نتيجة النزاع في الكونغو الديمقراطية يفوق مجموع خسائر بريطانيا في الحربين العالميتين.
إخراج مليار شخص من تحت خط الفقر لا يكلف سوى ٣٠٠ مليار دولار .. أي ما يعادل ١٫٦% من دخل أغنى ١٠% من سكان العالم.
يذهب التقرير إلى أن الرابحين من العولمة لم يضعوا مساعدة الخاسرين منها موضع الأولوية حتى إن كانوا سيكسبون من ذلك. ويدلل التقرير على صحة هذه النتيجة بأن الدول الغنية تعترف بأهمية المعونات غير أن أفعالها لا تضاهي أقوالها، فمجموعة البلدان الصناعية الرئيسة الثماني هي الأدنى من بين ۲۲ بلداً في لجنة المساعدات الإنمائية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث حصص الناتج القومي الإجمالي. وشاهد آخر هو أنه في الوقت الذي زاد فيه متوسط دخل الفرد في البلدان الغنية ليصل إلى ٦٠٧٠ دولاراً في العام نجد أنه حدث العكس على صعيد المعونات المقدمة فانخفض نصيب الفرد منها بمقدار دولار.
تمارس الدول المتقدمة صوراً عدة لتقييد حركة الدول النامية في التعامل معها سواء على صعيد الصادرات الصناعية أو نقل التكنولوجيا أو من خلال الحد من تدفقات الهجرة. فالتقديرات تشير إلى أن السماح بتدفقات طفيفة في حركة العمال المهرة وغير المهرة إلى الدول الغنية سوف يدر نحو ١٥٧ مليار دولار سنوياً للدول النامية.
شروط النجاح
ينتهي التقرير إلى أن أداء السنوات الخمس الماضية في مضمار التنمية البشرية على المستوى العالمي، ليس بالضرورة مؤشراً على فشل التجربة ولكن بالإمكان الوصول للأهداف المرجوة، وأن التجربة على الرغم من سلبياتها تحمل مؤشرات إيجابية أخرى أهمها أن التقدم السريع ممكن وذلك من خلال تجربة أفقر بلدان العالم في أوغندة وبنجلاديش وفيتنام، بشرط أن تقدم البلدان الغنية يد المساعدة بدفع النفقات الأولية لإطلاق تنمية بشرية في مختلف أرجاء الكرة الأرضية، وأن تكون هناك قواعد عادلة تنظم حركة التجارة الدولية، تراعي ظروف البلدان النامية، ولم يفت التقرير أن ينبه إلى أهمية تبني رؤية جديدة للمعونات المقدمة للدول النامية بحيث لا تكون مشروطة، ويكون للبلدان النامية حرية اختيار الأسواق التي تستورد منها احتياجاتها، وليس بالضرورة أن تكون أسواق الدول المقدمة للمعونة.
ويشدد التقرير على أهمية توفير الشفافية في عمل الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في مجال المعادن، حيث تعتبر هذه الشركات طرفاً في إذكاء النزاعات وتمويلها، ومن جانب آخر مراقبة دور هذه الشركات في ممارسات الفساد التي تقوم بها على المستوى العالمي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل