العنوان المجتمع الاقتصادي (العدد 1782)
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 60
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 36
السبت 29-ديسمبر-2007
فتاوى وتوصيات لترشيد البنوك الإسلامية
500 مليار دولار حجم الأموال المستثمرة في البنوك الإسلامية!
عقدت في جدة ندوة اقتصادية كبرى شارك فيها عدد كبير من الفقهاء والاقتصاديين والباحثين والمسؤولين عن المؤسسات المالية الإسلامية، والهيئات الشرعية فيها، ناقشت على مدى ثلاثة أيام مجموعة من الموضوعات كانت بمثابة مراجعة شاملة لبعض المنتجات والتطبيقات في البنوك الإسلامية، أو في الفروع الإسلامية التابعة للبنوك التقليدية، فكانت البحوث جادة جدا والمناقشات بناءة وصريحة وجريئة، فكان إجماع الجميع على الأدوار العظيمة التي قامت بها البنوك الإسلامية من المساهمة في البناء والعمران والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى رفع الحرج عن المسلمين الملتزمين بإيجاد بدائل إسلامية في كل مجالات الاستثمار والتمويل.
أهم ميزة للبنوك الإسلامية التزامها بأحكام الشريعة ومقاصدها، فإذا اختل التزامها انتهت مصداقيتها.
الإدارة العليا والتنفيذية والهيئة الشرعية بكل بنك مسؤولة أمام الله تعالى ثم أمام المتعاملين معه.
يأتي هذا في الوقت الذي تشهد فيه الصيرفة الإسلامية تطورًا كبيرًا غاية في الأهمية، فقد بدأ بنك إسلامي واحد في دبي عام 1975م، واليوم هناك مئات البنوك وآلاف من الفروع والنوافذ، والمحافظ والصناديق الاستثمارية التي تصل الأموال المستثمرة فيها إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار.
وكذلك تطورت المنتجات الإسلامية من المرابحة والاستصناع، والمشاركة والمضاربة وبقية العقود الشرعية الأخرى إلى الصكوك الاستثمارية بجميع أنواعها.
ولكن هذا التوسع الهائل يحتاج إلى تطوير الإدارة والكوادر بالشكل الذي يتناسب مع هذا التطور الكبير، وأهم من ذلك هو التزام هذه البنوك الجديدة، أو الفروع بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء ومقاصدها العظيمة، وتعاضد الهيئات الشرعية، والتركيز على هذا الالتزام من خلال مراقبة دقيقة، وتدقيق شرعي داخلي يدقق على الجوانب التطبيقية بشكل كامل.
وفي نظري فإن من واجب الدولة والبنوك المركزية التدخل في هذا الجانب وعدم ترك الحبل على الغارب وعدم الاكتفاء بمجرد شعار الإسلام، وهذا ما فعلته بعض الدول مثل ماليزيا، ومملكة البحرين التي قررت أن آية مؤسسة مالية »بنك، شركة، تأمين« إذا أعلنت التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية، فسيلزمها البنك المركزي بالمعايير الشرعية الصادرة من مجلس المعايير الشرعية.
وفي اعتقادي أن هذا هو ما يقتضيه العدل والإنصاف والمصداقية والشفافية فما دامت المؤسسة أعلنت التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء فهو واجب عليها شرعًا أولًا، وعقدًا والتزامًا ثانيًا، ومصداقية وشفافية ثالثًا. فالناس دخلوا مساهمين ومتعاملين معها على هذا الأساس، فإذا لم يتحقق فقد خالفت التزامها، وخانت عقودها ونقضت عهدها .
ومع الأسف الشديد دخل على الخط البعض فأنشأوا مؤسسات مالية، أو فروعًا إسلامية لكنها لم تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة، فأجازت بعض منتجات فيها »التورق« الذي لا تتوافر فيه شروط الصحة والجواز، و»المرابحة في السلع الدولية« التي لا تحقق أي فائدة للأمة الإسلامية، والوكالة في السلع الدولية مع حق البيع للنفس التي منعتها المعايير الشرعية.
وكذلك أباحت ما يسمى بـ «المرابحة العكسية« التي تتم عن طريق التورق غير المنضبط بضوابط الشرع وقرارات المجامع الفقهية، و»المرابحة الدولية«، و»الوكالة مع حق البيع للنفس«وغير ذلك، حيث يخرج المودع الذي جاء للبنك لأجل الدخول في المضاربة الشرعية والمشاركة، فتعرض عليه المرابحة العكسية، فيخرج من البنك، وقد ضمن رأس ماله، وربحه الواجب دفعه بنسبة مثلاً من خلال المرابحة العكسية التي تؤدي بتطبيقها وآليتها المطبقة في بعض هذه المؤسسات والفروع إلى عدم التفرقة بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية في هذا المجال.
وقد نوقشت هذه المنتجات التي ما زالت في حدود ضيقة ولم تصبح ظاهرة، حيث إن معظم البنوك الإسلامية والفروع الإسلامية التابعة للبنوك التقليدية ملتزمة بأحكام الشريعة ومقاصدها، وبقرارات المجامع الفقهية، والمعايير الشرعية في الندوة الاقتصادية التي تقوم بها في كل عام مجموعة دلة البركة، فكانت هذه الفتاوى والتوصيات:
أولًا: مراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال في العمل المصرفي الإسلامي.
(1) إن مقاصد الشريعة التي تتمثل في تحقيق المصالح ودرء المفاسد بما يؤدي إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال سواء كان ذلك في الضروريات أم الحاجيات أم التحسينيات، جعلها الشارع إطاراً لضمان سلامة الاجتهاد بشروطه، وضبط الاستنباط؛ ليتحقق الغرض المقصود للشارع، وعدم الاكتفاء بمجرد التمسك بالصحة أو الجواز الشرعي بمقتضى الأدلة دون مراعاة مقاصد الشريعة مآلات الأفعال وسد الذرائع للفساد .
(2) إن ما يتطلبه العمل المصرفي من مواكبة للحاجات المتجددة جعل بعض المؤسسات المالية الإسلامية تتسابق إلى مطابقة الممارسات القائمة للاحتفاظ بالمتعاملين معها وتعظيم الربح، وعليه لابد أن يحاط الاجتهاد أو التخريج لإيجاد الحلول والبدائل بمنارات تصون العمل المصرفي الإسلامي من مجاراة الممارسات القائمة لدى البنوك التقليدية بمجرد توفير المشروعية، بالتخريجات الخالية عن مراعاة مقاصد الشريعة والغرض من التشريع الذي هو إخراج المكلف من داعية هواه، ليكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد الله اضطرارًا.
(3) تأكيد الالتزام بالعقود التي ضبطت أحكامها وشروطها وأركانها في الفقه الإسلامي لتلبية حاجات المؤسسات المالية الإسلامية ومتابعة تطبيقها بصورة صحيحة، مع مراعاة ما قرر من ضوابط، والاطمئنان إلى موافقتها لمقاصد الشريعة، وخلوها عن النتائج التي تتعارض معها في المآلات.
(4) إعادة النظر في العقود والشروط المبنية على مراعاة الظروف الاستثنائية التي ساعدت على انطلاق المؤسسات المالية الإسلامية التي لم يعتبر فيها النظر إلى المقاصد الشرعية ومآلات الأفعال باعتبار أنها -بعد زوال الظرف الداعي للاستثناء-تصبح غريبة عن نهج الشريعة، بعيدة عن الميزان العدل الذي بني عليه الكون والأحكام الشرعية، وتتأكد الحاجة لإعادة النظر في المنتجات المصرفية المستحدثة المكونة من عدة عقود وشروط بحيث لا تؤدي إلى مآلات غير مقبولة شرعًا ، لأنه إذا خالف قصد المكلف قصد الشارع بطل قصد المكلف.
ثانيًا: التحوطات البديلة عن الضمان في المشاركة والصكوك الاستثمارية وغيرهما:
إن تحمل المستثمر للمخاطرة هو من أساسيات العمل المصرفي الإسلامي استنادًا إلى قاعدة: «الغنم بالغرم« المستمدة من حديث »الخراج بالضمان« وعليه فلا تجوز أي معاملة استثمارية تقوم على أساس الفصل بين الغنم والغرم بحيث يحصل فيها المستثمر على عائد دون أن يتحمل الضمان، وأي عقد بذاته أو من خلال الشروط المقترنة به أو تركيبه مع عقود أخرى يؤدي إلى ضمان رأس المال المستثمر أو ربحه فهو عقد غير جائز شرعًا
إن تخفيف المخاطرة أو التوقى منها مشروع إذا تم وفقًا للصيغ والعقود والآليات المشروعة، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى أمر ممنوع شرعًا.
تؤكد الندوة القرار الصادر من مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم 30/4) بشأن ضمان الطرف الثالث ونصه:
وليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزامًا مستقلًا عن عقد المضاربة بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم ليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.
4- يمنع شرعًا الضمان من المضارب أو الوكيل أو الشريك الحصة المستثمر في المشاركات أو الصكوك، سواء كان ضمانًا مباشرًا أو ما بمعناه، مثل التعهد بشراء حصة المستثمر بالقيمة الاسمية، أو ضمان مديونية العمليات. وكذلك تمنع شرعًا جميع الحيل التي تؤول إلى ذلك الضمان لأنها وسيلة للممنوع شرعًا.
ثالثًا: تطبيقات الوكالة والفضالة والمرابحة بصفة البنك مشتريات »المرابحة العكسية«
1- تؤكد الندوة ما ورد في المعيار الشرعي للوكالة وتصرف الفضولي الصادر عن المجلس الشرعي«AAOIFI»من أنه يجوز تحديد أجرة عمولة الوكيل بمبلغ مقطوع أو بنسبة من المبلغ المستثمر، ولا مانع من تخصيص حافز للوكيل أو المضارب بإعطائه جميع أو بعض ما زاد من الريح عن نسبة معينة أو عن الربح المتوقع.
2- إن المؤسسات المالية كما تتلقى الأموال لاستثمارها بالمضاربة تتلقاها أيضًا لاستثمارها بالوكالة بعمولة لها، مع استحقاق الموكل جميع الربح إن وجد، والوكالة تقبل التقييد، مثل تقييدها بتوظيف المال بالمرابحة مطلقًا أو بربح لا يقل عن كذا.
والأصل أن يلتزم الوكيل بالقيد، فإذا لم توجد فرصة لتحقيق النسبة توقف عن العمل أو راجع الموكل.مع مراعاة التقيد بقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (12/2-12) بشأن خطاب الضمان المغطى المعتبر وكالة بالدفع بألا تزيد عمولة الوكالة عن أجر المثل، وكذا التقيد بقرار المجمع رقم (108–2/13.2-10/2، 13 - 1/3) بشأن الرسوم المقطوعة عن السحب النقدي ببطاقة الائتمان بألا تزيد عن المصروفات الفعلية.
3- إذا تضمنت الوكالة بالاستثمار عملية التورق التي فيها إلزام الموكل للوكيل بأن يوكله بالبيع فإن ذلك ممنوع شرعًا .
- يمنع في الوكالة بالاستثمار إعطاء الوكيل حق البيع لنفسه والجمع بين الوكالة وضمان الوكيل الأصل في البنوك الإسلامية تطبيق المضاربة والمشاركة ونحوهما من العقود المؤصلة في الفقه الإسلامي، وأن الصورة المثلى أن تكون العلاقة بين البنك وعملائه هي المضاربة.
- إن المتبع في المرابحة أن يكون البنك هو البائع، ولا يجوز قلب هذه العلاقة بحيث يكون المشترى هو البائع في المرابحة »المرابحة العكسية« مع تضمين هذه العملية التزام البنك بأداء النسبة التي قيدت بها المرابحة، والالتزام بالتوكيل في التورق وحق البيع للنفس.
4- الفضالة هي التصرف عن الغير دون وكالة أو إذن شرعي، ومنها بيع الفضولي وشراؤه وهو ينعقد موقوفًا على إجازة المتصرف عنه، فإن أجاز نفذ التصرف »معيار الوكالة وتصرف الفضولي 8/4/2/«8. وعليه فإن المتعامل الحسن النية إذا اشترى سلعة قاصدًا أنها للمؤسسة مع قرائن تدل على ذلك مثل الفواتير وبوالص الشحن، فإنه يصدق في ذلك على سبيل الاستثناء.
ولا يجوز اتخاذ عقد الفضالة وسيلة للتحايل على الربا مثل حالة كشف حساب البطاقة الائتمانية وادعاء أن التعامل تم بالفضالة عن البنك.
رابعًا: ضوابط إجارة الخدمات وتطبيقات الإجارة الموصوفة في الذمة:
إن إجارة الخدمات من المنتجات الجديرة بأن تستفيد منها المؤسسات المالية الإسلامية لتمويل ما يحتاج المتعاملون إلى الحصول عليه بالأجل، بحيث تتملك المؤسسة الخدمة »المنفعة« بأجرة حالة وتتعاقد مع المستفيد منها بأجرة مؤجلة.
وتتيح إجارة الخدمات -بنوعيها- للمؤسسات تمويل خدمات التعليم أو التطبيب أو السفر أو غيرها من الخدمات المشروعة.
وتنقسم الإجارة في الأعمال إلى إجارة منفعة معينة مملوكة قبل إيجارها للغير، أو إجارة منفعة موصوفة في الذمة قبل التملك، ويجب مراعاة شروطهما من حيث المنفعة والأجرة وغيرهما .
يجوز للمؤسسة المالية في تطبيق إجارة الخدمات على أساس المنفعة المعينة الحصول على وعد ملزم من المتعامل، بحيث تحمله الضرر الفعلي عند النكول عن وعده كما يجوز التعاقد مع المقدم الفعلي للخدمة مع خيار الشرط، بحيث تستخدم المؤسسة حق الفسخ إذا لم يتعاقد المتعامل معها. ويسقط الخيار بحصول تعاقدها معه، ولا يسقط بمجرد عرض الخدمة للمتعامل إذا لم يتم التعاقد معه.
يجوز للمؤسسة أن تتعاقد مع المتعامل على أساس الإجارة الموصوفة في الذمة -قبل تملكها للمنفعة- باعتبار ذلك التزامًا في ذمة المؤسسة، مع إضافة التنفيذ للمستقبل، ثم تتعاقد المؤسسة مع مقدم الخدمة فعلًا وتطلب تسليم الخدمة للمتعامل، ولا يشترط تعجيل الأجرة إذا لم تعقد بصيغة السلم، وهذه الطريقة يتحقق بها الارتباط العقدي مع المتعامل قبل حصول المؤسسة على المنفعة فتحميها من التورط في حال تكول طالب الخدمة عن وعده.
من أحكام »آثار« الإجارة الموصوفة في الذمة:
عدم انفساخ عقد الإجارة بتلف العين المؤجرة، بل يجب على المؤجر تقديم عين بديلة بالمواصفات نفسها .
للمؤسسة المؤجرة المستفيد ما أن تحل غيره محله -إذا فسخ العقد مع الأول- بسبب عدم التعيين عند التعاقد.
إذا سلمت المؤسسة عينًا مطابقة للمواصفات فإن المستأجر يثبت له الاختصاص بمنفعة تلك العين، وليس للمؤسسة تغييرها إلا عند التلف ..