العنوان المجتمع الاقتصادي (1752)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007
مشاهدات 56
نشر في العدد 1752
نشر في الصفحة 52
السبت 19-مايو-2007
مختارات
نظرات في ظلال القرآن الكريم
النظام الاقتصادي الإسلامي مقارنة بالنظام الربوي «الأخيرة»
الزكاة مقابل الربا
سيد قطب «*»
الله سبحانه يَعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح بالأمن والسعادة.. في الوقت الذي يوعد المجتمع الربوي بالمحق والقلق والخوف. وفي الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم والتهديد الساحق لأصحاب منهج الربا ونظامه، يعرض القرآن الكريم صفحة الإيمان والعمل الصالح، وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا الجانب.
وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر نظام الزكاة المقابل لنظام الريا: ﴿َمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة٢٧٧:٢٧٦).
والعنصر البارز في هذه الصفحة هو عنصر الزكاة.. عنصر البذل بلا عوض ولا رد، والسياق يعرض بهذا صفة المؤمنين وقاعدة المجتمع المؤمن، ثم يعرض صورة الأمن والطمأنينة والرضا الإلهي المسبغ على هذا المجتمع المؤمن. إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكافل المتضامن، الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته.
«*» من تفسير في ظلال القرآن ، الآيات ۲۷۷ و ۲۸۰ و ۲۸۱ من سورة البقرة
نمو اقتصادي
وقد بهتت صورة الزكاة في حسنًا وحس الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقًا في عالم الواقع، ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية، فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة، ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية، ويجعل الزكاة قاعدة هذا النظام، في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية، ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي أو التعاون البريء من الربا.
بهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة التي لم تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية، إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي القائم على الأساس الربوي، وشهدت الشح والتكالب والتطاحن والفردية والأثرة التي تحكم ضمائر الناس، فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة، وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات ما لم يكن لهم رصيد من المال، أو يكونون قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية، وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية، فوقر في حس هذه الأجيال أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام، وأن الحياة لا تقوم إلا على هذا الأساس بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحسانًا فرديًا هزيلًا لا ينهض على أساسه نظام عصري.
صناعة الإسلام
ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة وهي تتناول اثنين ونصفًا في المائة «٥,٢٪» من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها، يؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة ويربيهم تربية خاصة بالتوجيهات والتشريعات وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه، وتحصلها الدولة المسلمة حقًا مفروضًا لا إحسانًا فرديًا وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة، حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة، وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان دينًا تجاريًا أو غير تجاري من حصيلة الزكاة.
روح النظام
وليس المهم هو شكلية النظام، إنما المهم هو روحه، فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه متناسق مع شكل النظام وإجراءاته، متكامل مع التشريعات والتوجيهات، ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معًا، متناسقة متكاملة، وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشؤوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى، ولكنها حقيقة نعرفها نحن أهل الإسلام ونتذوقها بذوقنا الإيماني، فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها، فليكن هذا نصيبهم، وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ليحرموا من الطمأنينة والرضا فوق حرمانهم من الأجر والثواب فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وضلالهم وعنادهم يحرمون.
إن الله سبحانه يعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح والعبادة والتعاون بأن يحتفظ لهم بأجرهم عنده ويعدهم بالأمن فلا يخافون، وبالسعادة فلا يحزنون، لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، في الوقت الذي يوعد أكلة الربا والمجتمع الربوي بالمحق والسحق وبالتخبط والضلال وبالقلق والخوف.
وشهدت البشرية ذلك واقعًا في المجتمع المسلم، وتشهد اليوم هذا واقعًا كذلك في المجتمع الربوي، ولو كنا نملك أن نمسك بكل قلب غافل فنهزه هذًا عنيفًا حتى يستيقظ لهذه الحقيقة الماثلة، ونمسك بكل عين مغمضة فنفتح جفنيها على هذا الواقع.. لو كنا نملك لفعلنا، ولكننا لا نملك إلا أن نشير إلى هذه الحقيقة، لعل الله أن يهدي البشرية المنكودة إليها.
إمهال المدين المعسر
أما عن الأحكام المتعلقة بالدين في حالة الإعسار فليس السبيل هو ربا النسيئة بالتأجيل مقابل الزيادة، ولكنه هو الإنظار إلى ميسرة والتحبيب في التصدق به لمن يريد مزيدًا من الخير أوفى وأعلى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ «البقرة:٢٨٠».
إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبشرية، إنه الظل الظليل الذي تأوي إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار.. إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظلل الجميع، ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدي مفهومًا معقولًا في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسهم المتحجر البليد، وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادًا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحتاجين والمنكوبين، أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية، فكلهم سواء.
نحن نعرف أن هذه الكلمات لا تصل إلى تلك القلوب ولكنا نعرف أنها الحق ونثق أن سعادة البشرية مرهونة بالاستماع إليها والأخذ بها ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢٨٠).
تكافل جماعي
إن المعسر في الإسلام لا يطارَد من صاحب الدين أو من القانون والمحاكم، إنما يُنظر حتى يوسر. ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين، فالله يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه إن تطوع بهذا الخير، وهو خير لنفسه كما هو خير، للمدين وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة؛ لو كان يعلم ما يعلمه الله من سريرة هذا الأمر. ذلك أن إبطال الربا يفقد شطرًا كبيرًا من حكمته إذا كان الدائن سيروح يضايق المدين ويضيق عليه الخناق وهو معسر لا يملك السداد، فهنا كان الأمر في صورة شرط وجواب بالانتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء، وكان بجانبه التحبيب في التصدق بالدين كله أو بعضه عند الإعسار؛ على أن النصوص الأخرى تجعل لهذا المدين المعسر حظًا من مصارف الزكاة ليؤدي دينه وبيسر حياته :﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ﴾ (التوبة:٦٠)، وهم أصحاب الديون الذين لم ينفقوا ديونهم على شهواتهم وعلى لذائذهم إنما أنفقوها في الطيب النظيف ثم قعدت بهم الظروف.
ثم يجيء التعقيب العميق الإيحاء الذي ترجف منه النفس المؤمنة، وتتمنى لو تنزل عن الدين كله ثم تمضي ناجية من الله يوم الحساب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢٨١)، واليوم الذي يرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم عسير له في القلب المؤمن وقع، ومشهده حاضر في ضمير المؤمن وله في ضمير المؤمن هول، والوقوف بين يدي الله في هذا اليوم خاطر يزلزل الكيان، وهو تعقيب يتناسق مع جو لأخذ والعطاء جو الكسب والجزاء. إنه التصفية الكبرى للماضي جميعه بكل ما فيه والقضاء الأخير في الماضي بين كل من فيه، فما أجدر القلب المؤمن أن يخشاه وأن يتوقاه.