العنوان المجتمع التربوي (العدد 1090)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994
مشاهدات 61
نشر في العدد 1090
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-مارس-1994
وقفة تربوية
إعداد : عبد الله الحميد البلالي
ما الفرق بيننا و بينهم؟!
سؤال ألحّ عليّ كثيرًا، وعقدت المقارنة تلو المقارنة، حتى توصلت إلى قناعة تامة أن الفرق البارز بين الدعاة إلى الله وغيرهم من عوام الناس هو الدعوة؛ ذلك لأن عوام الناس قد يكونون أكثر قيامًا وصلاة وقراءة القرآن، وأكثر إنفاقًا، ولكن الدعاة يتميزون عنهم بالإضافة إلى كل ما ذكر أنهم يدعون الخلق إلى ما يريد الله تعالى منهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم.
أما الآخرون فإنهم قد يفوقون الدعاة بعض الأحيان في العبادات ولكنهم يترددون في أمر الدعوة، مؤثرين السلامة على التعرض لما يحبه الناس من الشهوات، ومؤثرين أحيانًا أخرى الدنيا على الآخرة. فإذا ما تقاعس الدعاة عن أداء واجبهم في تبليغ الدعوة للآخرين وتحمل الأذى في سبيل ذلك، فما الفرق بينهم وبين الآخرين؟ لا شيء....!!
أبو بلال
برنامج لرمضان «فاستبشروا الخيرات»
بقلم : د. عصام العريان
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (القصص: 68) وقد شاءت حكمته أن يفضل شهر رمضان على سائر شهور العام، وأن يخصه بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وجعله مهرجانًا للعبادة وميدانًا للتسابق في الخيرات. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها». والعاقل من تدبر لأمره، وأعد للشهر عدته، وهذا اجتهاد بسيط لوضع برنامج للفرد المسلم خلال الشهر الكريم.
برنامج الفرد
الأخ المسلم والأخت المسلمة مدعوان للاستفادة.. كل الاستفادة من هذا الشهر العظيم وفق هذا البرنامج.
أولاً : شهر القرآن
علينا أن نتهيأ خلال هذا الشهر لمراجعة القرآن الكريم، وتتضمن الآتي:
1. مراجعة المحفوظ من القرآن الكريم: فكل منا يحفظ قدرًا لا بأس به، وعليه أن يتعهده بالمراجعة لكي لا يتفلت من الصدر. وأقترح أن يقوم بتقسيم كل محفوظاته على أيام الشهر بالأرباع أو الأحزاب أو الأجزاء، على أن يصلي يوميًّا في بيته منفردًا أو مع أولاده بالقدر الذي يراجعه، ويمكن أن يقوم بمراجعته خلال النهار في صلوات السنن والصلوات السرية.
2. حفظ قدر جديد من القرآن: وهنا يمكن التآخي مع بعض الإخوان للتشجيع على الحفظ، ويستحسن تحديد سورة كاملة تناسب الشهر الفضيل من حيث الطول، ويتم تقسيمها على أيام الشهر مع وضع حساب للمراجعة، ويتم التسميع يوميًّا بين الأذان والإقامة في صلاة العشاء أو العصر.
3. قراءة في التفسير لعدد محدود من الآيات (5 -10) من أحد التفاسير المهمة، ولو حافظ الأخ أو الأخت على ذلك يوميًّا أو حتى أسبوعيًّا لاستطاع قراءة عدة تفاسير إليك في بضع سنوات فقط.
4 - التدبر في آية: حيث نقرأ كثيرًا كيف كان يقف الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أمام آية واحدة يتلونها ويتدبرون فيها، وقد يقومون بها الليل كله أو بعضه، وهذه فريضة مهجورة. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).
5 - التلاوة: حيث يُستحب للأخ أو الأخت أن يختم القرآن مرة أو أكثر خلال هذا الشهر تلاوة مجودة، وهذا سهل ميسور لمن وفقه الله عز وجل. فيستطيع أن يحرص على حضور مقرأة المسجد اليومية فيختم فيها مرة، وكذلك الحرص على صلاة التراويح في مسجد يقرأ بجزء في اليوم فيختم مرة أخرى. وأن يجعل لنفسه وردًا خاصًّا به يقرؤه في بيته منفردًا أو مع زوجته وأولاده أو يستمع إلى التسجيلات القرآنية، فهذه ثالثة. وإذا أكرمه الله بالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أو مصاحبة المعتكفين جزئيًّا على الأقل فيمكن أن يختم مرة أو مرتين إضافيتين.
6 - الشرح والتعليم: إذا كنت ممن أكرمه الله بفهم القرآن والقدرة على توصيل معانيه للناس، فلا بأس عليك أن تقوم يوميًّا بشرح آية أو مجموعة آيات للتدبر فيها مع رواد المسجد، إما في الترويحة في صلاة القيام أو التهجد أو درس مسجدي عقب صلاة مفروضة لكي تشرح للناس أسرار القرآن الكريم.
ثانيًا: شهر الصلاة والقيام
هذا شهر جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعًا، وعلينا أن نتواصى بهذه الفضائل والفرائض في الشهر العظيم.
1- الحرص... كل الحرص... على صلاة الجماعة في المسجد في الفروض أو على الأقل صلاة الجماعة في المسجد أو العمل في وقت العمل. وعلى الأخوات أن يحاولن حضور الجماعات في هذا الشهر العظيم دون الإخلال بواجباتهن المنزلية. وعلينا أن نحرص على اصطحاب أولادنا وبناتنا إلى المسجد خلال رمضان لتعويدهم على آداب المسجد وشهود الخير مع المسلمين وتعريضهم معنا لرحمات الله عز وجل.
2- الحرص على الإكثار من النوافل في شهر رمضان، حيث إن الحديث ثبت أن من أدى فيه فريضة فكأنما أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير فكأنما أدى فريضة فيما سواه.
لذلك علينا أن نحرص على الأقل على أداء 12 ركعة، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة» رواه مسلم.
وهذه الركعات يمكن ترتيبها كالتالي: ركعتا الفجر، ركعتا الضحى، أربع ركعات قبل الظهر وبعد الظهر، أربع ركعات قبل الظهر وبعد العشاء، ركعتان بعد المغرب؛ فيكون المجموع أربع عشرة ركعة أي بزيادة ركعتين.
- الحرص على صلاة القيام (التراويح)، فمن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهنا نُنبه على مراعاة التالي:
- أن يكون لك قيام خاص ولو ركعتين فقط يوميًّا لمراجعة ما تحفظ من القرآن ومعايشة كاملة مع التدبر لآيات الله عز وجل، فلا يعرف لذة القيام منفردًا إلا من جربها.
ولا بأس أن يكون هذا القيام مع أهل بيتك لتوثيق الروابط واللقاء على الله عز وجل.
- أن تحسن اختيار المسجد الذي تصلي فيه صلاة القيام، حيث يكون الإمام حسن الصوت، جيد التلاوة، متقن الحفظ، خاشعًا في صلاته. وحبذا لو اخترت مسجدًا يصلي بجزء يوميًّا لتنعم بصحبة القرآن طوال الشهر الفضيل.
وعليك بالمبادرة إلى صلاة القيام وعدم التأخير لتكون في الصفوف الأولى مما يزيد خشوعك وتدبرك.
- احرص على صلاة ركعتين قبل الفجر في الثلث الأخير من الليل بعد تناولك للسحور أو قبل نزولك لصلاة الفجر.
- اعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خص صلوات الصبح والعصر والعشاء باهتمام خاص، فلا تهمل صلاتها في المسجد أبدًا.
ونحن نحتاج إلى رسم برنامج بسيط للفرد والأسرة والمسجد خلال شهر رمضان، وها هو برنامج الفرد استطال، ولنا عودة بمشيئة الله تعالى.
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
المشكلة: ضعف تكوين القيادات
تعريف: هذه مشكلة تمس جميع وحدات العمل في الحركة الإسلامية في البلاد الإسلامية وخارجها، وهي عجز النظام الحالي للمؤسسة أو القيادات عن تكوين قيادات جديدة تقود العمل من بعدهم في حالة انتقالهم إلى مجالات أخرى أو بلدان أخرى، أو انتقالهم إلى بارئهم...
الأعراض
1 - الضعف المفاجئ لنشاط منطقة ما أو مؤسسة ما بعد أن كانت في قمة النشاط.
2 - عدم الوصول إلى الأهداف.
3 - صعوبة تحقيق الوسائل.
4 - تخلي الصفوف المؤيدة للمؤسسة عن المؤسسة.
5 - تفلت الأعضاء واحدًا تلو الآخر.
6 - كثرة الاختلافات والانتقادات.
7 - وقوع المؤسسة في أخطاء كبيرة تؤدي إلى فتن عظيمة.
8 - التأخير والتردد والتخبط في اتخاذ القرار.
الأسباب
1 - عدم وضع هدف رئيسي تسعى إليه المؤسسة.
2 - الانشغال بتحقيق أهداف أخرى.
3 - المركزية في العمل.
4 - التساهل بشروط عضوية المؤسسة.
5 - فقدان المسؤولين خاصية القيادة.
6 - غلبة الطبيعة التنفيذية على الطبيعة التكوينية.
7 - نقص المنهج في هذه الناحية.
8 - التركيز على جوانب يُعتقد أن لها الأولوية.
9 - عدم وضع خطة لاكتشاف وتنمية القيادات.
الحل
1- تضمين الخطة ما يساعد على اكتشاف وتنمية المواهب القيادية في أفراد المؤسسة.
2- التركيز على تنمية القيادات من قبل القائمين على مؤسسات الدعوة.
3- تدريب القياديين على مهارات التكوين القيادي.
4- فسح المجال لجميع الاقتراحات والأفكار والانتقادات وإعطاء فرصة أكبر لها حتى يتسنى للقائمين على المؤسسات الدعوية اكتشاف الطاقات القيادية.
5- فتح المجال واسعًا للمناقشات سواء بين الأفراد أو بين القيادات والأفراد.
6- تخصيص مجموعة في المؤسسات مهمتها اكتشاف القياديين ورعايتهم.
7- تنويع المكلفين بالأمور الدعوية، وعدم التركيز على البارزين فقط.
8- تغيير المسؤولين بين فترة وأخرى لإعطاء أكبر قدر من الفرصة لاكتشاف الطاقات القيادية.
كيف نقرأ القرآن؟؟ «*»
بقلم الرئيس البوسني: علي عزت بيجوفيتش
لقد قرأت القرآن الكريم مرات ومرات ولكنني لم أتساءل قبل اليوم كيف يجب أن نقرأ القرآن فعلاً؟ وهذه المسألة دفعتني إلى التأمل؛ لذلك سأعرض هنا بعض تأملاتي حول هذا الموضوع بحسب تسلسل ورود الخواطر.
يجب أن نضع نصب أعيننا، قبل كل شيء، أن القرآن الكريم كلٌّ لا يتجزأ. كل آية قرآنية منفردة أو مقتضبة من السياق العام لا تقدم حقًّا كاملاً، بل إنما جزء منه، لأن القرآن فقط إذا أخذ كاملاً يعطينا الحق كاملاً.
إن سرد بعض الآيات منفردة أمر لا مفر منه، ولكن لا بد أن ندرك أن تأثير هذا التصرف يظل محدودًا، فالأمر شبيه بلوحة الفسيفساء، لأن القطعة السوداء أو الحمراء تعني ما تعنيه في انسجام مع بقية قطع اللوحة فقط، وأما إذا أخذنا كل قطعة على حدة فإنها لا تقدم إلا جزءًا أو لا تقدم شيئًا من جمال اللوحة التي تتشكل منها. ومن أجل مزيد من الإيضاح سأضرب بعض الأمثلة.
آية قرآنية تشرع القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: 178)، وآية أخرى تدعو إلى العفو والصفح: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40). أو آية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: 87)، وآية أخرى تقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (طه: 131)، إلى غير ذلك من الأمثلة.
إن من يقرأ القرآن قراءة عابرة قد يخيل إليه وقوع التناقض في القرآن، بينما الأمر ليس كذلك قطعًا، بل على عكس ذلك، وحقيقة الأمر أن المسألة تتعلق بأبدع وأرفع ميزة يمتاز بها القرآن والإسلام، وهي التجانس التام بين الأوامر التي تظهر متناقضة لأول وهلة، لأن القرآن لا يطالبنا بأمر واحد، بل يطالبنا بأمرين معًا، فهو لا يريد منا القصاص فقط لأنه يطالبنا بالعفو أيضًا، والعكس بالعكس. كما لا يفرض علينا السعي للآخرة وحدها لأنه يريد منا السعي لهذه الدنيا أيضًا، أي لا يطالبنا أبدًا بالسعي لحياة دون أخرى. لذلك لا يتحقق كمال الإيمان في المسلمين الذين لا يعرفون غير العقاب ولو كانوا على الحق لأنهم لم يعفوا، كما لا يتحقق كمال الإيمان في الذين لا يعلمون غير العفو ولا يجازون على سيئة بسيئة مثلها. إذن، فالمسلم الكامل هو الذي يعرف مقدارًا معتدلًا للأمرين معًا.
وهذه النتائج التي استخلصناها سابقًا يمكن التوصل إليها فقط إذا أخذت من القرآن الكريم كاملاً وليس باقتضاب بعض الآيات. لذلك أرى أن هذا الأسلوب هو أفضل وسيلة ترتقي بنا إلى مستوى فهم كامل بمعنى الإسلام وخلاصة رسالته.
والمسألة الأخرى هي: المداومة على تلاوة القرآن مع فواصل زمنية ضرورية طبعًا، وهذا أضمن طريق لاكتشاف ما يمكننا تسميته بـــ«إشعاع النور القرآني»؛ لأن كل قراءة جديدة للقرآن الكريم ستكشف لنا شيئًا جديدًا. طبعًا، بقي القرآن الكريم كما هو دونما تغيير ولكن تغير شيء ما؛ تغيرنا نحن، تغيرت الظروف المحيطة بنا أو تغير العالم الذي نعيش فيه، وهذه التغيرات الطارئة مكنتنا من الغوص في معانيه.
عمق جديد غفلنا عنه تمامًا أثناء قراءتنا السابقة للقرآن الكريم، وأصبحنا فجأة نسمع في أعماق قلوبنا صدى لآيات كنا قد غفلنا تمامًا عن معانيها سابقًا. ويمكن لكل منا التأكد من ذلك بنفسه، ولكنني سأسوق هنا بعض الأمثلة من تجربتي الشخصية.
منذ زمن بعيد، في مقتبل عمري أثناء قراءة القرآن الكريم كنت أتوقف عند آيات تتحدث عن العمل والجهاد والعدالة، وخير دليل على ذلك عندي هو دفتر صغير - شاءت إرادة الله له أن ينجو من بين دفاتري الأخرى. كان قد امتلأ بمثل هذه الآيات والمقتطفات من القرآن الكريم. أذكر جيدًا أن آية وجوب رد العدوان والاستبداد كانت قد ملكت عقلي، عندما يتحدث القرآن الكريم عن شخصية المسلم السوية يذكر، من بين ما يذكره ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39). وكنت أنتهز كل فرصة للحديث عن الآية المذكورة.
ولكن اليوم، تستحوذ عليَّ الآيات التي تتحدث عن الله سبحانه وتعالى وبهرجة هذه الدنيا وسرعة زوالها، أي الآيات التي تحث على التأمل وليس على الحركة. أذكر جيدًا أن الآية التي تدل على زوال كل شيء ما عدا وجه الله عز وجل أثرت في تفكيري تأثيرًا بالغًا، لأنه وحده سبحانه هو الحقيقة التي لا تنقضي: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26-27)، أي أن الله وحده كان قبل النجوم وهو باقٍ بعدها فهو الحق وحده والحقيقة الوحيدة.
وعندما انتقلت أمي إلى رحمة الله وكان قلبي يعتصر ألمًا وحزنًا، كنت لا أفارق سورة الفجر وأقف دائمًا عند هذه الآية البديعة: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27-30). ففي كل مرة كانت عيني تذرف دمعًا، ولكنني لم أجد سلوانًا خيرًا من هذه الآية الكريمة وكنت أتساءل: من يمكنه أن يقدم للإنسان كلمة عزاء أبلغ من هذه الكلمات إذا قُدر له أن يقبل وجه والده الميت؟
إذن فالقرآن الكريم شريعة وتكبيرة جهاد في ظرف ما، وفي ظرف آخر سلوان لما لا مفر منه من نوائب الدهر. فبناء على حالتنا الشخصية سيجذب انتباهنا شيء ما، وفي حالة أخرى شيء آخر غير الأول. كما يتعلق هذا الاكتشاف لأعماق وأصداء قرآنية مختلفة بأحوال الإنسان الخاصة، كذلك يتعلق بظروف تاريخية على مستوى المجتمع.
وحينئذ ترتكز أنظارنا على إبراز بعض الآيات القرآنية المتعلقة بذلك، ففي المجتمع الذي تمزقه التفرقة العنصرية تعطي الأولوية للآيات الدالة على مساواة جميع الناس والنشأة المشتركة للإنسانية مثل الآية الأولى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1).
وفي مجتمع تُنتهك فيه الحقوق الدينية أو تنخر فيه تفرقة من أي نوع كانت، لا بد أن تبرز هذه القاعدة الصارمة المكونة من ثلاث كلمات فقط: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256). نحن المسلمين لا نفرق بين الآيات القرآنية، ولكن غير المسلمين يكادون يجمعون على أن هذه الآية القصيرة عن التسامح الديني هي أرفع وأبدع آية قرآنية.
وهكذا يمكننا مواصلة التأمل في هذا الاتجاه، ولكنه يخرج عن إطار هذه المقالة القصيرة.
وإذا كنا في معرض الحديث عن كيفية قراءة القرآن الكريم، فإنه لا بد لنا أن نشير إلى ما يعرف بترتيل القرآن الكريم، أو الاستماع إلى تلاوة القرآن. يرى بعض الناس أن مثل هذا الأمر قليل الفائدة، نظرًا إلى أن أغلبية المسلمين لا يفهمون ما يُتلى عليهم. أراني ملزمًا بالقول بأنني لا أوافق على هذا الرأي، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر حادثة لا أظنني سأنساها أبدًا.
لقد أتيحت لي فرصة المشاركة في مؤتمر دولي قبل عدة سنوات ناقش موضوع مشاكل وعوائق النهضة الإسلامية، وعقد المؤتمر في إحدى مدن أوروبا الكبرى. وشارك فيه عدد كبير من العلماء والمفكرين الذين قدموا بحوثًا وآراء عن تجديد الفكر الديني والإسلامي. كان كل يوم عمل يُفتتح ويُختتم بتلاوة من آيات القرآن الكريم يتلوها أحد أشهر قراء القرآن في العالم.
كان الحضور يستمع باهتمام إلى كلمات المحاضرين والعلماء، ولكننا كنا نشعر بوجود مئات الحاضرين في القاعة، هذا يتهامس مع من يليه، وهذا يحرك كرسيه وهذا يتصفح أوراقه، وهكذا.. ولكن بعد لحظات من شروع القارئ في تلاوة الآيات القرآنية توقفت الحركات فجأة وهيمن الهدوء، أثناء توقف القارئ للتنفس لم يكن يسمع شيء بل خيل إليّ أن جميع الحاضرين توقفوا عن التنفس أيضًا. هذا هو ذاك الهدوء الذي فيه يستمع الناس إلى خفقان قلوبهم بشكل متزن وكانت كلمات القرآن التي خرجت من فم هذا القارئ أشبه بنهر جار يجري هادئًا وصامتًا حينًا، ثم لا يلبث أن تتحول إلى شلالات تأتي لتأخذك وتحملك بعيدًا.
ولكن قمة الحدث الذي لا يوصف كان في اليوم الأخير عندما عزم القارئ أن يتحفنا بهدية خاصة قبل الفراق. لذلك اختار تلاوة سورة الرحمن، هذه السورة البديعة المشهورة بجمال أسلوبها وتناسقها. أظنني إلى الآن عاجزًا عن وصف الحالة التي كنت فيها. لم أكن أعرف معنى آيات هذه السورة غير الآية المتكررة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ولكنني شعرت بأني أفهم آياتها تمامًا، أنا وجميع المنصتين إلى التلاوة.
بعد الانتهاء من التلاوة في كل مرة، أيام المؤتمر، وجدت نفسي أقرب فأقرب إلى الآخرين، وكنت أقرأ هذا الإحساس من وجوه الآخرين كذلك، كأنهم يريدون القول: «ألا ترون ألسنا إخوة في الإسلام؟» بعد هذه الواقعة لن أجرؤ على تقليل أهمية الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم بدون فهم، لأن قلوب جميع المسلمين تفهم القرآن بشكل أو بآخر.
وأود إنهاء هذه المقالة القصيرة بتذكير بأن قراءة القرآن أشبه ما تكون بسفر في بلاد معروفة ومجهولة يسلك رجلان طريقًا واحدًا ويكون أحدهما متأثرًا بانطباعات السفر، ويشعر الآخر كأنه قطع مدة سفره مغمض العينين، لأن الأمر لا يتعلق بالمناظر والمدن التي مرا بها. بل يتعلق بهما وحدهما، إذن، فكل إنسان سيجد في القرآن من المعاني بقدر منزلته وإيمانه.
- نقله إلى العربية وأعده لـــ «المجتمع» حسين عمر سيباهيتش