; المجتمع التربوي (1129) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1129)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

وقفة تربوية

الاتزان في حياة الدعاة

روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: آخى نبي الله بين سلمان، وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة ملابسها «خلقة بالية» فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدراء فصنع له طعامًا، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم فنام فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن فصليا جميعًا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فاعط كل ذي حق حقه، فأتي النبي فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ «صدق سلمان». (صحيح الترمذي)

إن المشكلة التي يعاني منها الكثير من دعاة وداعيات الحركة الإسلامية الممتدة في أصقاع العالم هي انعدام الاتزان بين هذه الواجبات التي ذكرت في الحديث، ومن النادر أن ترى داعية يوازن بين هذه الأمور؛ فما نراه في حياتنا الدعوية أنماطًا من الدعاة بعضهم يهتم بدعوة الآخرين، ويشغل معظم وقته حتى لا يترك وقتًا لتربية أبنائه أو رعاية زوجته، وفي المقابل نمطًا آخر يقضي معظم وقته مع أبنائه وزوجته، ولا يعطي إلا الفتات من وقته للدعوة، وآخرين يهتمون كثيرًا في تربيتهم الإيمانية وتكون على حساب التحصيل الشرعي، أو على حساب العمل الحركي، أو على حساب رعاية الأبناء.

 إننا نريد دعاة يعرفون فن التوازن ونقول لهم ما قاله سلمان - رضی الله عنه - لأخيه أبي الدرداء إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا فاعط لكل ذي حق حقه.

ابو بلال

حاجة المربي إلى: وقفات فكرية وإيمانية لتصحيح الاتجاه

بقلم: عبد العزيز القصار

لعل العنوان ولأول وهلة يبدو غريبًا، وذلك لأننا كثيرًا ما نخاطب المربي كيف يربي أفراده ويوجههم، ولكننا قليلًا ما نخاطب المربي كيف ينتبه إلى تربية نفسه أثناء تربيته لأفراده؟ الذي دفعني لهذا المقال ما رأيته من بعض المربين، إذ إنهم كانوا في بداية طريقهم في التربية شعلة متوقدة من العلم، والمعرفة، والنشاط، والحركة؛ فلم يلبثوا فترة من الزمن حتى خبت تلك الشعلة، بل تكاد تنطفئ فيظل المربي يردد ويعيد نفس المعلومات والمعارف التي اكتسبها في فترة تربيته وتحصيله فينعكس أثر ذلك على أفراده، فلا يتقدمون ولا يرتقون.

المراجعة الفكرية والإيمانية

 ولهذا كان لابد من مراجعة دورية وثابتة للأخ المربى، يعيد ترتيب أوراقه ويكمل تحصيل ما فاته، ويضيف إلى مكتبته ما صدر جديدًا في مكتبة الدعوة والتربية. 

ولابد من المراجعة الإيمانية المستمرة، وأن لا ينشغل بأفراده عن نفسه إيمانيًا، وينسى قلبه وروحه اللذين هما المحرك الأول لذلك كله. فيتهاون في قيام الليل وصلاة الفجر وقراءة القرآن بحجة العمل من أجل الأفراد.

فنقول: إن محمدًا قد جعل لنفسه أعمالًا زائدة عن ما كلف به أصحابه، فكان يقيم كل ليلة حتى تتفطر قدماه من جراء ذلك، وكان يصوم ويواصل الصوم حتى يظنه الناس أنه لا يفطر.

وهذا يدل على أن النبي الله لم يكن يومًا غافلًا عن تربية نفسه قبل أن يربي أصحابه. وتتابع المربون على مر التاريخ بهذا الشعور، فنرى الإمام الزاهد أحمد بن حنبل . رحمه الله - عندما فتن بخلق القرآن، قيل له: عرض فإن لك في المعاريض مندوحة. 

فقال: انظروا إلى خلف هذا الجدار وإذا بآلاف الطلبة يحملون الورق والأداة ينتظرون ماذا يقول الإمام، فقال هؤلاء ينتظرون ماذا يقول أحمد فكيف أضلهم. 

وهو فقه جليل من مربٍ عالم له مكانته السامية في فقه الدعوة.

القدوة في حياة المربى

فالمربي في نظر الأفراد قدوة، فإن لم تكن القدوة في مستوى التطلعات، فما أهون سقوطها. وآخر ما نتكلم عنه في هذا المقام، أنه لابد للأخ المربى من جدول محاسبة يضعه لنفسه يلتزم به قبل أن يلزم أفراده به حتى يقوم مسيرة نفسه ولا تنزل عن مستوى القدوة. 

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: لو كان شرب الماء البارد يسقط مروءتي لما شربته. 

وأترك لك أخي المربى التعليق على هذه العبارة بينك وبين نفسك. وأذكر لك بعض الكتب التي قد تحتاجها في هذا الموضوع:

  • الزهد لأحمد بن حنبل 
  • إحياء علوم الدين للغزالي 
  • الرقائق للراشد 
  • البناء التربوي للدكتور عجيل النشمي

من آفات القلوب وأمراضها
بقلم: مطر الحارثي
اعلم رحمك الله أن لهذا القلب أثرًا في حياة الإنسان بالسلب أو بالإيجاب فهو - أى القلب – الموجه، والمخطط، والأعضاء، والجوارح تنفذ ما يمليه عليها القلب.
يقول أبو هريرة - رضي الله عنه -: «القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث القلب خبثت جنوده ثم اعلم رحمني الله وإياك أن النفاق من أخطر هذه الأمراض وأشدها فتكًا بالإنسان وأفدحها عاقبة في الآخرة».
وهذا ابن مليكة - رحمه الله تعالى - وهو سيد من سادات التابعين يقول: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول النبي كلهم يخشى النفاق على نفسه» ويلي النفاق في الخطورة الرياء، بل قد يكون أشد منه خطورة، ذلك لأنه مرض خفي وقل من يسلم منه يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غیري تركته وشركه» «۱»
ومرض آخر قد عرفه الناس وصعب عليهم التخلص منه إلا من أعانه الله ووفقه ذلك هو سوء الظن، فنجد من الناس من لا يحسن الظن أبدًا، بل ولربما وصل به الأمر أنه يسيء الظن حتى بربه أن يرزقه وفى الوقت نفسه قد تجده يثق بما في أيدى الناس أعظم من ثقته بما عند الله.
فعلينا أخي الحبيب أن نحسن الظن بالله، فالله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به، قال الرسول الله فيما يرويه عن ربه - جل وعلا- «أنا عند ظن عبدي بی فلیظن بی عبدی ما شاء» «۲»
ولا تنس أن تحسن الظن بالآخرين فإن من أدمن سوء الظن كان جزاؤه في الدنيا الوسوسة وفي الآخرة العقوبة قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن  بعض الظن إثم» «۳»
ثم يأتي عقب ذلك الحسد والغيرة ومن منا من ينجو منهما، يقول الرسول الله : «إياكم والحسد فإن الحسد ياكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» «٤»
ومن أعظم الآفات خطرًا على المؤمن الكبر والتباهي ين والإعجاب بالنفس وفى المقابل احتقار الآخرين والاستهزاء بهم، ولا يخفى عليك أنه قد كثر في زماننا هذا احتقار الآخرين وانتقاصهم والتعالى والتكبر عليهم والانشغال بعيوبهم عن عيوب نفسه فنجد أحدهم يحتقر فلانًا أو يلمزه ويغمزه لا لشيء إلا لأنه أقل منه مرتبة أو لأنه فقير أو لأنه من قبيلة كذا وهلم جرا.
وقد حذرنا الرسول الكريم لله بقوله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» «٥» أما هنا أخي الحبيب رعاك الله فقف.. فإن أمامنا مرضًا عضالًا قد فتك بغيرنا فاحرص أن تنجو منه.. أعرفته.. إنني أعرف أنك عرفته!! أجل إنه الحقد والغل... وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل إكرامًا لأهل الجنة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾  «٦»
وهذا دليل على أن من سلم من الغل والحقد فهو في نعيم وراحة لا تماثلها راحة. 
ولا يخفى عليك أخي الحبيب قصة الرجل الذي دخل الجنة بسلامة صدره في عهد الرسول.
وحذاري وحذاري أيها الأخ الكريم من تمكن الهوى وسيطرته ومحبة غير الله والانشغال به فإنه موصل بصاحبه إلى الهلاك ومفض به إلى البوار وتأمل معى في هذه الآية الكريمة ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ «۷»
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًاأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾
فالواجب أن تردع أنفسنا إذا رأينا أن الهوى قد هوى بها في أمر لا يحمد عقباه، والواجب كذلك أن يكون حبنا وبغضنا وفعلنا وتركنا لله سبحانه وتعالى.
الهوامش
۱- رواه مسلم.
2-رواه أبو داود.
3- الحجرات: ١٢
٤- رسالة أمراض القلوب الشيخ الإسلام
5- رواه مسلم
٦ - الحجر: ٤٧
۷ - محمد ١٦
8- الفرقان: ٤٤٠٤٣

الإنفاق المقبول
بقلم: محمد الجاهوش
للوسائل في الإسلام حكم المقاصد والمؤمن مطالب بنبل الغاية، وسمو القصد، وهو مطالب كذلك بطهارة الوسيلة، ونظافة الأسباب.
والإنفاق وسيلة لغاية عظمى وهدف سام إنه الفوز برضى الله - عز وجل - ونيل رحمته وأن يبلغ هذه الغاية إلا من سلك إليها الطريق القويم، وجعل الأسباب النظيفة المشروعة وسيلة لبلوغ هدفه، وتحقيق مبتغاه.
أسباب قبول الصدقات
شرط قبول كل عمل في الإسلام أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، وأن يأتي موافقًا للكتاب والسنة، ومما يزكي الإنفاق جملة أمور: 
أولًا: أن يكون الدافع الأساسي قصد وجه الله تعالى، وابتغاء رضوانه، دون انتظار جزاء من أحد ولا ثناء ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الانسان:9)
ثانيا: أن يكون ما ينفقه من كسب طيب لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وقد حذرنا - سبحانه وتعالى - من الكسب الخبيث وبين لنا أن السعي لنيله من إضلال الشيطان ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 168)
كما جعل الإسلام طلب الحلال واستعماله علامة على تقوى الله - عز وجل .
﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ۸۸)    
كما حرم الله تعالى كسب الخبيث، فقد حرم إنفاقه، والتصدق به 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾  (البقرة: ٢٦٧: ٢٦٨)
نعم، إنه واسع عليم لا تعرب عنه خطرات القلوب، ولا خفيات الصدور، يعلم ما كسبتم وفيما أنفقتم، فاحذروه. 
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود – رضي الله عنه - إن النبي قال: لا يكسب عبد مال من حرام فينفق منه، فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث، هذه قواعد الإسلام ومبادئه، وقوانينه التي أرسل بها رسوله وأنزل بها كتابه، فمن شاء الاستقامة فليحسن السلوك، وليقف حيث وقف القوم، وليحذر ما نهى الله تعالى عنه. 
ثالثاً: أن يكون مما تحبه نفس صاحبه وتتعلق به حتى يكسر شهوة الطمع والميل إلى الشح، وليكون دليلًا على صدق العبودية وحسن الطاعة، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (ال عمران:۹۲)، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ۸).
ولما نزلت هذه الآية تسابق الصحابة - رضوان الله عليهم - يعرضون على رسول الله أنفس ما يملكون، وأحبه إلى قلوبهم يضعه حيث يشاء. 
روى الإمام أحمد بإسناده عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالًا، وكان حب أمواله إليه بير «حاء» وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، قال أبو طلحة يا رسول الله إن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وإن أحب أموالي إلى بير «حاء»، وإنها صدقة أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي بخم بخم ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة فعل يا رسول الله، فقسمها  في أقاربه، وبني عمه  «أخرجه الشيخان». 
وفي الصحيحين أن عمر - رضي الله عنه قال يا رسول الله، لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: احبس الأصل وسبل الثمرة. 
وسلك هذا المسلك كثيرون، فلبوا نداء ربهم، وانتصروا على شح أنفسهم وكانوا أسوة لمن بعدهم. 
رابعًا: أن يقدمه عن سماحة وطيب نفس متحببًا إلى من يعطيهم، غير مستكثر لما يدفع -وإن عظم- ولا ممتنًا به على أحد ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر:6) ليستحق مكانة الصادقين من المنفقين ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٢٦٢)، وإن المانَ بصدقته كمن يروي الصخر ليورق فلا ماء أبقى ولا الصخر أورق، فما كان أحراه أن يبحث عن تربة خصبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىَ﴾ (البقرة:264)
خامسًا: أن يخشى من حبوط عمله وعدم قبول نفقته، وهذه من صفات المؤمنين الذين ارتبطت قلوبهم بالله وملكت خشيته عليهم جوانحهم، أولئك الذين قال الله تعالى فيهم  ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٠). 
سادسًا: أن يحرص على إخفاء صدقته وإسرارها، فإن ذلك أدنى لقبولها وهو عامل تهذيب للنفس وارتقاء بمشاعرها، فإن للإنفاق في الإسلام هدفا تربويًا، ومفهوما تهذيبيًا فهو معنى جمالي، وقيمة إيمانية، لا تنحصر فائدته في مساعدة أهل الحاجة، وتخفيف معاناتهم، أو سد عوزهم.
إن الأمر فوق هذا، إنه مبدأ الإحساس بالمسئولية، وتحقيق الأخوة، ونفعه يعود على المعطي بالدرجة الأولى، فهو يهذب نفسه ويطأ من كبريائها، ويحد من غلوائها، تنتصر فيه النفس على الشح، وتسمو للقيم السامية عن الإخلاد إلى الأرض والركون إلى متاعها.
إنه إيقاظ لغافيات الضمائر، وزيادة في شفافية الحس الإيماني لدى المسلم فتراه يبحث عن حاجة أخيه من حيث يخفي مكانها، ويشعر أنها كالقذى في عينه حتى يسدها وينقذ صاحبها.
ومن هنا كان مبدأ إسرار الصدقة خيرًا من إعلانها، وأدعى لقبولها، وأرجى لإجزال ثوابها، لما في ذلك من البعد عن الرياء، وزهو النفس، وصيانة وجه الأخذ عن الذلة والابتذال فتتوثق عرى المحبة، وتقوى روابط الأخوة ويزداد المجتمع الفة وتماسكا، فضلا عما في إسرار الصدقة من استجابة لنداء الحق - عز وجل - في كتابه الكريم ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة: ۲۷۱)
لا يخفى عليه من أمركم شيء، مطلع على خفيات النيات والبواعث فجدير بكم اتباع هذا الهدي الإلهي، لتكونوا ممن بشرهم النبي بأنه يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، لقد صان نفسه عن الهلاك ببعده عن الرياء والبطر، وصان إخوانه عن مواقف الذلة والمهانة، وأسهم في نشر المحبة، وتمتين الأخوة. 
فحري أن يكون هذا جزاءه، وأن يكون من الآمنين يوم يخاف الناس، الفرحين يوم يحزن الناس، إنه وعد الله، ولن يخلف الله وعده ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٤)
أولى الناس بالبر 
لم يهمل الإسلام في كل تعاليمه فطرة الإنسان، أو دوافعه وميوله، فجاءت جميع تعاليمه تراعي هذه الفطرة، وتتعامل معها. وترتقي بها صعدا حتى تبلغ درجة الكمال ومبدأ الإنفاق من المعالم الإيمانية التي نرى فيها هذه المراعاة بارزة ظاهرة.
إن الإنسان يحب المال ويحرص عليه والإسلام يريد أتباعه أسخياء كرماء، يبذل كل فرد مما عنده، ليخرج من دائرة ذاته، ويحيا متفاعلا مع مجتمعه شاعرا بآلام إخوانه لذلك توالت التوجيهات القرآنية والنبوية ترشد أبناء الإسلام إلى أمثل الطرق وأقومها، روى مسلم في صحيحة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا».
وقد جلى القرآن هذا الإجمال ببيانه الإلهي الخالد ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ۲۱۵) والمتأمل في أسلوب التدرج هذا يجد أنه من اليسير على الإنسان أن ينفق على نفسه وأولاده لما انغرس في فطرته من محبتهم ورعايتهم، فإذا اعتاد ذلك شعر بضرورة الاعتناء بوالديه، فهما أهل لكل فضل ومكرمة وحقوقهما أولى الحقوق بالأداء، وهكذا تنمو مشاعر الخير لديه، فيصل أرحامه وذوي قرابته فما أيسر أن يشعر بعد ذلك بالآم إخوانه من حوله، لا سيما ذوي الحاجات ممن حكى الله تعالى أوصافهم في كتابه الكريم، فيتحرى حاجة جيرانه لعظيم حقهم عليه «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ويخص اليتامى والمتعففين من الفقراء الذين ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:۲۷۳) 
وهكذا يخرج من دائرة نفسه ليكون فردًا في أمة متكافلة، متضامنة، تسعى لحفظ الجميع وصونهم، وتحقيق التكافل المالي والاجتماعي، لتنعم بالاستقرار النفسي، فتنطلق في ركب الحياة تقود الراكب، وتنشر الهدى وتهدي إلى الخير، وتضرب المثل العملي على سمو تعاليم الإسلام، وعظم مبادئه.
رجال الليل
أخي في الله إن القارئ لهذا العنوان رجال الليل من الوهلة الأولى يذهب فكره وخياله إلى رجال المخابرات زوار ما قبل الفجر والمصير الذي سوف يأتيه عندما يطرق عليه طارق من رجال الليل الحالك سواده، فهم بين لحظة وأخرى يترقبون هؤلاء الرجال، تراهم في خوف مستمر ووجل من ذلك الطارق. 
ولكن بالمقابل هناك مفهوم خاص لرجال الليل عند المؤمنين بالله عز وجل الواثقين بنصره، والداعين إلى هديه، فقد برز رجال ليل من نوع خاص في أنصاف الليالي بعدما سمعوا صوت الحادي ينادي
يا رجال الليل جدوا                                    رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا                                         من له عزم وجد
فكم من رجال ليل سهروا لطاعة الباري ونذروا أنفسهم لخالقهم تراهم في الليل رهبانًا وفى النهار فرسانًا يسارعون إلى محاربة المعتدي بالتقرب إلى الله في الليل ومناجاته، لأنهم يعلمون أن هذا هو الزاد الذي يثبت قدمهم عند المواجهة ويقوى حجتهم عند المعارضة ونفتح لهم القلوب عند الدعوة، وفى النهار ينخرطون في سلك الدعوة إلى الله؛ فاستحقوا بذلك لقب رهبان الليل وفرسان النهار نعم.
فإنهم لم يرخصوا هذه الدقائق الغالية بالغفلة، فقد أناروها بسهامهم، فسهام الليل لا تخطئ، وكيف تخطئ ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله تعالى حجاب والله - عز وجل - يستحى أن يرد يد عبده خاوية إذا رفعها بالدعاء.
فهل عرفتم من هم رجال الليل بحق؟
نعم هؤلاء هم رجال الليل عند أهل الإيمان، يصفهم الشاعر فيقول:
في الليل رهبان وعند جهادهم                                 لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم                              وبها أشعة نوره المتلالي
فيا أخي المسلم هل تود الانضمام إلى هؤلاء الرجال فتفوز بهذا القلب وستجد الخير الكثير من ربك في الدنيا والآخرة؟     فاز من سبح والناس هجوع
يدفن الرغبة ما بين الضلوع     ويغشيه سكون وخشوع
ذاكرًا لله والدمع هموع         سوف يغدو ذلك الدمع شموع
وتضيء الدرب يوم المحشر    سجدة لله عند السحر
خالد علي الملا

 

الرابط المختصر :