; المجتمع التربوي (العدد 1293) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1293)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1293

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 24-مارس-1998

• وقفه تربوية:  هكذا تعم دعوة الداعية

جاء في ترجمة التابعي الجليل الإمام الحافظ طلحة بن مصرف الكوفي المقرى، المجود عن عبد الملك ابن أبجر قال ما رأيت طلحة ابن مصرف في ملأ إلا رأيت له الفضل عليهم «سير أعلام النبلاء 5/193».

عندما يقول الحافظ عبد الملك ابن أبجر (ما رأيت طلحة بن مصرف في ملأ) فقد يكون هذا الملأ من طلبة العلم، أو عوام الناس في المساجد، أو الأسواق أو الحواري أو مجالس السلطان أو غير هذه الأماكن التي يتجمع الناس عادة فيها، فعندما يكون لهذا التابعي الجليل الفضل على جميع هذه الشرائح في المجتمع، سواء أكان هذا الفضل خدمة اجتماعية، أو معاضدة مالية، أو علمًا ينتفع به، فإنما يدل ذلك على تحركه الدائم لدعوة الجميع، ونصيحته لجميع إخوانه في الله وغيرهم من أهل مجتمعه واستعداده بل وبذله للآخرين، ولا ينتظر منهم البذل وإعانتهم، حيث لا ينتظر العون وتنازله لهم، ولا يريد منهم التنازل ومبادرته بكل ما يرضيهم ويحببهم إليه. بهذه الحركة الدائبة، وهذه الأخلاق العالية تعم دعوة الداعية، ويكسب بذلك القلوب، فإذا ما كسبها، استطاع أن يملأها بما شاء من الخير، فهل تتعلم هذا الفن من كسب القلوب

أبو خلاد

 

• دعوة للحوار: من ينصرنا من بأس الله؟

بقلم: مسلم الزامل

يقول ابن جبير بن نفير عن أبيه، لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكي بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت يا أبا الدرداء... ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال: «ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى».

 بهذه الحادثة استهل أبو راشد حديثه في مجلس ضم نخبة من المثقفين والمفكرين وتناول الحضور السنن الكونية في الخلق وما تجنيه الأمم الكافرة من مآس وكوارث ونكبات بسبب الذنوب والمعاصي، ومال الحديث إلى ظاهرة الفساد الذي عم وساد في البلاد، وأبدى أبو راشد تخوفه وقلقله من أن يحل علينا غضب رباني وعقاب إلهي لانتشار المعاصي والمجاهرة بهما بل وإشاعتها بين الناس فانبرى أبو أحمد للحديث وحاول أن يهدئ من روع صاحبه وقال له إن الفساد ظاهرة أزلية وسنة أبدية، والصراع بين الخير والشر ماض إلى يوم القيامة، ونحن ولله الحمد في بلد جبل أهله على الخير، أما ترى اللجان الخيرية وجموع الصالحين تتسابق لفعل الطاعات والالتزام بسائر العبادات، أما تراهم يملؤون المساجد ويسارعون للمناسك ويتنافسون في الصدقات والقربات، فقاطعه أبو راشد محتدًا: هذا صحيح، ولكن القضية يا أبا أحمد ليست بالكثرة والقلة والعبرة ليست بالمقارنة بين مظاهر الصلاح ومظاهر الفساد، وإنما بموقفنا من هذا الفساد، فقد كنا خير أمة يوم أن قمنا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنني شخصيًا أشعر بالقلق وينتابني الهم والوجل كلما رأيت النعم تنهال علينا فيقابلها بعضنا بمعاصي تستوجب النقم.

 واستشهد أبو راشد يقول بعض السلف: (رب -مستدرَج- بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب -مغرور- بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب -مفتون- بثناء الناس عليه وهو لا يعلم)، ويقول المصطفى ﷺ: إذا رأيت الله -عز وجل- يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا ﷺ له الآية: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام:44)، ألا ترى أسواقنا وبيوتنا تفيض بما تنتجه مزارع الشرق ومصانع الغرب من خيرات تعج بها البلاد والذهب بالأبصار؟

ومضى أبو راشد يقول: لا أدري لم يساورني الخوب دائمًا كلما سمعت قوله تعالى ﴿إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (يونس:٢٤) انظر إلى زينة الأرض وزخرفها من حولك وتأمل غفلة الناس لتعي ما أقول.

فبادره أحد الحضور (وهو إمام مسجد) بالقول القياس لا يصح، والاستشهاد بالآيات التي تتحدث عن مجتمعات كافرة لا يجوز، خذ مثلًا قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:112)، فالآية تتحدث عن (مكة) قبل الإسلام، وقد دعا النبي ﷺ على الكفار فذاقوا لباس الجوع والخوف؛ لأنهم كانوا ينهون عن دين الله وينأون بأنفسهم عنه ومثلها قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16) قال المفسرون أمرنا بالطاعة فعصوا، وقيل أمرنا (بتشديد الميم أي سلطنا مترفيها وهم شرارها فوجب وعبد الله عليها فأهلك من فيها، وإذا أهلك الله قوم لم يبق منهم أحد، وهذا هو الفرق بين (التعذيب والتأديب)، والثاني يحل بالمسلمين، تمحيصًا للذنوب وتنبيهًا للقلوب المؤمنة إذا حادت عن الطريق، أما أصاب المسلمين الفرح يوم (أحد)؟! ثم خفف الوطء عنهم بقوله: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وما هو الفرق؟ ﴿وترجون من الله مالا يرجون﴾، وكما قال ﷺ لأبي سفيان (لا سواء.. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار).

وربما نزل البلاء بالشر والخير فتنة، كما قال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾، وقد أصابنا غزو زلزل الأرض من تحتنا، فكان الصبر والرباط والدعاء حتى تحققت معجزة إلهية أزاحت الكابوس في ساعة من ليل، وأظن -والله أعلم- أن ما حدث هو مصداق قول الله -عز وجل-:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82)، هنا التفت أبو راشد للشيخ وقال: لا أظن يا شيخ أن عاقلًا يختلف معك فيما ذهبت إليه، ولكن أليست العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقال؟!

ألا ينبغي اليقظة من أسباب الهلاك ومقاومتها بأسباب النجاة؟ ألا تذكر شيخنا الفاضل مقالة سفيان بن سعيد عن مسعر أن ملكًا أمر أن يخسف بقرية فقال يا رب إن فيها فلانًا العابد فأوحى الله -عز وجل- إليه به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط أي لم يغضب لله قط وقد حذرنا ﷺ بقوله: والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم.

ثم تساءل أبو راشد الخطاب موجه هنا لمن؟ أليس للمسلمين؟ ألم يلعن القرآن بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه؟ ألا تذكر يا شيخ تعليق أبي بكر الصديق رضي الله عنه على الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ﴾ (المائدة:105) قال أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه»، وفي رواية إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم بعقاب من عنده ولاحظ أن الخطاب موجه للناس -كل الناس- وهو مصداق جوابه ﷺ للسيدة عائشة -رضي الله عنها- حين سألته أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم، إذا كثر فيهم الخبث كما دلل أبو راشد على كلامه بهذه الآية ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25)، وقال: إنها تعم الصالح والطالح.

هنا، تنهد شيخ مسن في المجلس وحوقل ثم قال: إن عزاءنا الوحيد هو قول السيدة خديجة -رضي الله عنها- للنبي ﷺ حين عاد إليها من غار حراء خائفًا وجلًا، وقد التقى لأول مرة جبريل -عليه السلام- ويقول لها: (أي خديجة مالي خشيت على نفسي) فترد بثقة ويقين (كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله.. إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق).

 واستطرد الشيخ وعزاؤنا في الحديث (هم القوم لا يشقي بهم جليس)، وأتذكر هنا كلمات الشيخ حسن طنون -رحمه الله- أيام غزونا حين قال: أبشروا يا أهل الكويت فوالله لن يضيعكم الله أبدًا، لجميل صنائعكم، وكريم سجاياكم، وجزيل عطاياكم.

 

• تعال نؤمن ساعة الشباب

إن الحيوية التي يعيشها الشباب في مقتبل العمر تمضي -ولا شك- بسرعة فائقة، فمن حرص على استغلالها بالخير والطاعة والتقرب إلى الله عز وجل كان إن شاء ممن قال عنه المصطفى ﷺ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... وشاب نشأ في عبادة الله تعالى»، وينجو بعد ذلك في أول الأسئلة الموجهة إليه يوم القيامة (وعن شبابه فيما أبلاه).

أما إن ضاعت هذه الفترة فترة الشباب في العصيان والبعد عن مرضاة الرحمن، فقد تكون هذه الفترة وبالًا على صاحبها، يقول تبارك وتعالى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان25: 28).

أخي الشاب الطموح علينا جميعًا أن نتكاتف لاستغلال هذه المرحلة المهمة من العمر وأن نوليها الاهتمام الكامل حتى لا تكون هذه الفترة مفسدة علينا والعياذ بالله من ذلك.

إن الشباب والفراغ والجدة                        مفسدة للمرء أي مفسدة

فاحرص على تنمية قدراتك ومواهبك أيام شبابك حتى تلقى ثمارها في أيام حياتك القادمة، واحذر أن تكون ممن ندم يوم لا ينفع الندم.

شيئان لو بكت الدماء عليهما                         عينان حتى تأذنا بذهاب
لم تبلغ العشر من معشار حقهما                  فقد الشباب وفرقة الأحباب

خالد يوسف الشطي

 

• كن.. ولا تكن

لاتكن حسودًا

إنه يضيق العيش ويهلك النفس ويقض المضجع، وينفر الأصدقاء، ويبعد الجيران... داء عظيم، إنه الحسد وكفى، الذي يكثر بين الأقران كالعلماء والتجار وغيرهم ممن يشتركون في صفة، وهنا لن أتناول ما يحدث بين العالم والعالم وغيره لأنه واضح ومن جهله فإنما يجهل نفسه.

وإنما أكتب عما يحدث بين الشباب الذين في بداية الطلب، وهذا الحسد بينهم لا يظهر على الساحة أو على الألسنة وإنما يكون في النفس فقط فمثلًا شاب له جهود في الدعوة إلى الله -عز وجل- وخدمة الآخرين وبشاشة وجه وأعمال تجعل الألسنة تلهج بالثناء عليه، والقلوب تميل إليه وتتشوق إلى لقائه.

فيبدأ الناس يثنون عليه بما هو أهله، مما يرون من أفعاله وأعماله المثمرة «أنتم شهداء الله في الأرض» (1) وهنا يبدأ الحسد فيقول الحاسد أنا أعرفه عن كثب وقرب، ويمدحه قليلًا، ثم يتبعها بكلمة (لكن) ويبدأ التنقيص والازدراء، حتى يهمشه، فهذا حسد، ولكن بطريقة ملتوية، وهنا ينشأ سؤال، ما أسباب الحسد؟

فالجواب (۲) قريب هو العداوة والتكبر والعجب وحب الرئاسة وخبث النفس وبخلها وأشدها أن مرد هذه الأسباب هي حب الدنيا.

فما أقبح الحسد الموصل للحقد.

وعلاج (3) الحسد سهل -بإذن الله- يكون بالرضى بقضاء الله وقدره، وأخرى بالابتعاد عن حب الدنيا وزخارفها، وأيضا بالهروب عن حبى الرئاسة لأن حبها يعمي ويصم، يعمي عن الحق ويصم عن سماعه.

وأخيرًا: لا تكن حسودًا.. تكن سعيدًا.

فهد عبد العزيز الجوعي

--------------------------

الهوامش:

(1) أخذًا من حديث أنس في مسلم برقم ٩٤٩ بشرح النووي -رحمهم الله-.

(2) انظر مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة بتقريظ الزحيلي ص ١٩٢.

(3) نفس المصدر السابق ص 191

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل