; المجتمع التربوي العدد 1344 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1344

الكاتب طارق بن عبدالله معلا

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 41

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 06-أبريل-1999

المجتمع التربوي

خطب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج.. وصايا نبي مودع (3 من 3)

الخطبة الثالثة.. في أوسط أيام التشريق

حديث الخطبة روته الصحابية «سراء بنت نبهان» مما يؤكد المكانة العلمية للمرأة المسلمة

روى الإمام أحمد عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق قال: «يأيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم».

في ظلال الخطبة: كرر النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الخطبة بعض جمل من الخطبة السابقة في يوم النحر، وفي التكرار بيان لأهمية المكرر.

وهذه الخطبة: روتها أيضًا سيدة جليلة من الصحابيات هي «سراء بنت نبهان» - رضي الله عنها- حفظت الخطبة وروتها، ومما يذكر هنا أن عشرات النسوة من الصحابيات وغيرهن قد روى عنهن الرواة، حسب موضعهن في سند الحديث، والمعنى واضح وأجلى من ضوء الشمس لبيان موقع المرأة المسلمة في الحياة العلمية للمسلمين.

أما ظاهرة الحفظ لأول مرة أو لمرات قليلة فهذا معلوم من توارد الأخبار، فهذه السيدة فاطمة- رضي الله عنها- تحفظ سورة (ق) من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لها ضمن خطبة الجمعة، ولقد رأيت طفلة في الصف الثالث الابتدائي حفظت سورة الأعلى من الإمام في صلاة الوتر في رمضان.

ثم تتوارد المعاني التالية من الخطبة:

سياسة الدولة تجاه الرعية

1- حذف النبي صلى الله عليه وسلم موضوع الفروق اللونية، لأنها علامات على أنواع أولاد أدم، علامات لا دخل للإنسان في اكتسابها إنها: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88)، وبالتالي فلا يجب أن يترتب على صنعة الله تفاضل، ولقد فعل إبليس ذلك فلعنه الله وطرده من الجنة: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: 12).

2- تجلت المساواة العملية في المجتمع الإسلامي الأول: فتساوى «بلال» الأسود الحبشي، بمستوى أبي بكر وعثمان وعلي وحمزة، وتساوى سلمان مع أهل البيت وقد كان رقيقًا!، وجلس الخدم والموالي في مجالس سعد بن معاذ، وعمر بن الخطاب، إلى غير ذلك من الصور.

3- وكما أسقط الإسلام الفروق اللونية بين الأسود والأبيض، والفروق الجنسية بين العربي والأعجمي، أسقط كذلك الفروق المالية بين الأغنياء والفقراء، وبين الوجهاء والعامة، فلا فرق بين أبي هريرة وأبي ذر، والثريين عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان.

إنها فروق لا قيمة لها في ميزان الإسلام، لا في المجال الاجتماعي، ولا السياسي، ولا الأخلاقي، ولا في أي مجال من مجالات الحياة.

وهنا يذكر مجال تنصيب الحاكم، إذ أمر الإسلام بالسمع والطاعة ولو كان الرئيس أو المدير عبدًا حبشيًا شديد السواد، رأسه مثل «الزبيبة».

4- والعلة في المساواة، وإلغاء الطبقية- على أساس اللون أو الجنس- أن البشر جميعهم ينتمون إلى أصل واحد هو أدم «وإن أباكم واحد»، وأدم أصله التراب، «الناس بنو أدم، وخلق الله أدم من تراب» «رواه الترمذي وأحمد».

هات حفنات من تراب أصفر، وأحمر، وأسود، وأبيض، ثم افحصها جميعها، فلن تجد فروقًا بينهما، لأنها كلها تراب، ولن تفضل حفنة على أخرى إلا بما يظهر لك من فوائد الإنتاج.

أما الغني والفقر، فإنهما من أقدار الله للناس، كاللون، فلا مجال للتفاضل على أساس الغنى، فإن كثيرًا من الأغنياء مفضولون في مجال الفكر.

5- التقوى سر لا يعلمه إلا الله، وبالتالي فإن إجراء عملية تفضيل بين مسلم ومسلم غير جائزة بنظرات البشر، كما أن تفضيل النفس على الآخرين غير جائزة: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32).

في إحصاء كلمة التقوى ومشتقاتها بالقرآن الكريم، وجدت أنها قد تكررت 238 مرة، كما تراوحت فيها المعاني بين الصفة الإيمانية، والأعمال السلوكية، ووجدتها أيضًا سببًا لكسب إيماني، أو ثمرة لأعمال الإسلام.

وبالحديث عن التقوى ختم النبي صلى الله عليه وسلم- القائد- خطبته ليحيل الناس بأعمالهم لا بألوانهم وأجناسهم إلى خالقهم، وليبرئ السياسة العامة للدولة من العنصرية، والحزبية، والقبلية.

وهكذا ينصرف الناس من الموسم على خير حال، لا يشغلهم إلا ما يحقق لهم التفاضل والتكريم عند الله ألا وهو «التقوى».

عبد القادر أحمد عبد القادر

رب معصية أوقعتك في مقتل

عصيان بالليل والنهار، في السر والعلن، وانغماس في الملذات والشهوات، مع إصرار على كثير من المعاصي والذنوب!

لقد نسي المذنبون أو تناسوا أنه لا صغيرة مع إصرار، كما أنه لا كبيرة مع استغفار، لم يأبه العاصي بالنكتة السوداء التي تعقب المعصية في القلب، فلا توبة تصقلها، ولا استغفار يمحوها، حتى يصير القلب أسود، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.

يغفل العاصي عن خطورة الذنب الذي قد يكون سبب هلاك المرء، كما قال ابن القيم- رحمه الله تعالى-: «الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل».

ولله دار ابن المبارك- رحمه الله- حين قال:

رأيت الذنوب تميت القلوب                وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب                           وخير لنفسك عصيانها

إن من خطورة المعصية أنها تزرع مثلها حتى يعز على القلب مفارقتها، ومن عظيم خطرها أيضًا أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوي إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة، وكفى بالمعصية خطرًا أنها تميت القلب، وتبعد العبد عن الرب جل وعلا، فيحرم الطاعة ويستثقلها ويحب المعصية ولا يبالي بها حين يقترفها.

إن العاصي يطلب طول العمر، والمعصية تقصره، ويطلب البركة، والمعصية تمحقها.. المعصية ظاهرها اللذة، باطنها العذاب، وعاجلها المتعة، وعاقبتها العقاب.

إن المسلم بحاجة إلى مجاهدة النفس، ومراقبة الله تعالى، وحسن اللجوء إليه سبحانه والتوكل عليه جل وعلا، فيتصدق بكلامه وفعاله مع صدقاته بماله، ويدعو الله تعالى ويلح عليه في المسألة، ويحاسب نفسه ويلومها، ويتلو كتاب الله الكريم ويسمعه، ويلازم الاستغفار، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله، ويتقي الله حيثما كان، ويتبع السيئة الحسنة لتمحوها.

وليعلم أن التقوى ترك جميع الذنوب، كما قال ابن المعتز:

خل الذنوب صغيرها                 وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أر                ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة                       إن الجبال من الحصى.

طارق بن عبد الله المعلا

الرابط المختصر :