العنوان المجتمع التربوي (العدد 1374)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1374
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
وقفة تربوية
سبب مستحيل وآخر ممكن
ذكرت في الوقفة السابقة ظاهرة من أشد الظواهر سلبية في عصرنا الحديث، وهي عدم وجود مصادر المواقف وأخلاق وكلمات وحكم وبطولات رجال عصرنا أو العصر القريب منا واعتمادنا - حتى هذه اللحظة على مواقف وكلمات وبطولات مضى عليها أكثر من خمسة قرون، وذكرنا أنه قد يكون وراء هذه الظاهرة السلبية ثلاثة أسباب
1- خلو عصرنا أو العصر القريب منا من القدوات
2- ضعف همم علمائنا ومؤرخينا في تدوين هذه المواقف
3- عدم إحساس علمائنا ومؤرخينا بأهمية هذا الأمر.
أما السبب الأول فهو مستحيل الحدوث إذ لا يوجد عصر من العصور لا يتواجد فيه كثرة من العلماء والقدوات والحكماء والأبطال والزهاد والمتميزين في كل علم ودليل ذلك قول النبي ﷺ فيما رواه الحاكم بإسناد صحيح: «ولاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» وأحاديث كثيرة في هذا المعنى صحيح أن الخيرية أقل مما كانت عليه في العصور والقرون السابقة، ولكن لا يمكن أن تختفي تماماً، أو لا يكون فيها عدد من القدوات يمكن التاريخ لهم، وتدوين مواقفهم وقصصهم وزهدهم وبطولاتهم.
أما السبب الثاني فقد يكون حقاً هو السبب المباشر في هذه الظاهرة، ذلك أن الملاحظ أن الكم الهائل لكتب التراجم في العصور السابقة والتخصص في كل لون من ألوان التراجم يوضح بجلاء الفرق الشاسع بين همم العلماء آنذاك وهمم علمائنا، فكل مذهب من المذاهب كانت فيه عشرات التراجم العلماء المذهب كما كان هناك متخصصون في ترجمة رجال كل تخصص على حدة، فقد ترجم للقضاة وللحفاظ، وللأبطال، والوعاظ، وترجم لمئات من الزهاد، وأفردت تراجم للحكماء والملوك والأمراء، وقادة الجيوش والنحويين والكثير من التخصصات، فأين من ترجم لعصرنا وحتى متى لا توجد أمثلة كافية للاستشهاد بها من عصرنا أو العصر القريب منا؟.
أبو خلاد
دندنة لكم أيها الدعاة
دندنة كلمة كلما سمعتها تذكرت دندنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصاحبه معاذ رضي الله عنه (حديث الأعرابي الذي جاء إلى الرسول ﷺ فقال إنه لا يحسن دندنة الرسول ولا معاذ) ولكن ما الدندنة الأخرى؟ وهل صحيح أن هناك دندنة خاصة بالدعاة والمصلحين نعم هناك دندنة من نوع خاص دندنة للفطناء متى شاءوا وبالمقدار الذي شاءوا وبالصورة التي شاءوا يحكمهم في ذلك ذكاؤهم ونبوغهم وسرعة بديهتهم والهم الذي يحملون والنفس الإيمانية المرهفة التي تحمل صدورهم ومن قبل ذلك توفيق الله لهم وإلهامهم الصواب من عنده لذا كانت هذه الدندنة لكم معشر الدعاة ولكم فقط يعرفنا بهذه الدندنة الأستاذ محمد أحمد الراشد حين كان يحكي بداياته في طريق الدعوة وكيف أن هذه الدندنات قد ترسخت في أصول - نفسه فأبت أن تفارقه ولو بنزع الروح، فتراه يقول ولذلك فهمت ومنذ وقت قديم وأن أرصد نفسي للدندنة حول كل معنى تربوي يقود الأرواح نحو المعالي (نحو المعالي ص (۱۰)
نعم إنها الدندنة حول معاني التربية وربطها بالحياة والدندنة حول الحكم والمعاني من وراء الأحداث والمواقف اليومية الدندنة بالتذكير بالفضائل ونبذ الرذيلة.
إن الصحوة الإسلامية في أمس الحاجة اليوم لدعاة يحسنون هذه الدندنة النبوية يعرفون فنونها، وأصولها فتصنع، وتبدع، وتؤثر ولا أبالغ إن قلت إن مما يجب أن يميز المحاضن التربوية أجواء الدندنة هذه ومتى غايت هذه الأجواء ابتعد المحضن قليلاً أو كثيرًا عن لب التربية لذلك يكمل الراشد كلامه بذكر مثال لأحد السلف الصالح نقلًا عن كتاب الزهد لابن المبارك رحمه الله فيقول: دخل أبو مسلم الخولاني - رحمه الله تعالى – مسجدًا فرأى فيه حلقة ظنهم في ذكر فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا فقال سبحان الله جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير على ذكر فإذا أنتم أصحاب دنيا فيقول معلقًا ولقد أسرني هذا المثال وتجلت لي فيه حالة رهط الدعاة إذا غفل ولم ينشغل بالتربية، وكثر فيه ذكر الأموال والأسعار والنساء والسيارات (نحو المعالي ص ۱۱۱۰) إن الوسط الدعوي والمحضن التربوي الذي يفتقر إلى من يحسنون صنع الدندنات يحتاج إلى استدراك فما أمرنا جمع للعمل بل هو اصطناع الرواحل
ياسر عبد العزيز نصيف
محمد البشير داعية اتفق الناس على محبته
أضيف إلى قائمة علمائنا الأبرار الراحلين عن هذه الدنيا، اسم لامع له تواجده الإسلامي البارز في الغرب الإفريقي عامة والقطر السنغالي خاصة، وهو العلامة الشيخ الأديب الشاعر الحاج محمد البشير بن الحاج عال تيام – رحمهما الله كان الراحل ملء البصر في المنطقة الجنوبية من السنغال، ويقال إن الناس لم يتفقوا على حب شيء واحد سوى الماء والطعام، ومع هذا فالمتفقون على قبول الشيخ محمد البشير كثر، لقد كان دمث الاخلاق، نزاعًا إلى التفاهم كثير الوفاق، قليل الخلاف... كما كان حاذقًا في العلم، واسع الاطلاع غيورًا على الإسلام، وإنها لخسارة عظيمة أن يغيب نجم وضاء في سماء الدعوة الإسلامية بتلك المنطقة التي تعج بالصراعات الدينية بين الإسلام وجحافل التنصير، فالله هو المسؤول أن يتغمده بواسع رحمته ولقد رثاه نسيبه و ابن شيخه الفاضل بن عمر بالأبيات التالية:
نعى البشير إلينا وهو شعلتنا
منها استضاء بعلم كل مقتبس
الصدمة عظمت في الوقت وقعتها
شم الجبال بها اهتزت من الأسس
شخص حكيم رفيع الشأن ذو خلق
حميدة بانفتاح غير منحبس
بكت عليه بيوت الله ثم بكت
وظائف الذكر في صبح وفي غلس
مجالس الدرس للتفسير باكية
كذا الأحاديث عن راو وعن أنس
إذا اشتكت رمدا عيني فحق لها
أبيت سهران أبكي غير مختلس.
دكتور عمر با
رئيس جمعية أصدقاء القرآن الكريم كولدا السنغال
بإسلامنا تدور الدوائر على اليهود
تعاودنا ذكرى الإسراء المعراج كل عام، ويعود معها الآسى والألم من واقع الأمة وذهاب ريحها، من استسلامها إعدائها، والخضوع لرغباتهم تفريطها في حقوقها، وإهدارها كرامتها، والتنازل عن مقومات وجودها، وأسس عزتها وبقائها.
جلال الذكرى: كان الإسراء والمعراج مواساة لرسول الله ﷺ عندما توالت عليه وعلى المؤمنين معه ألوان من شدائد الأحداث وقسوتها فلقد استأثر الله تعالى بالزوج الحنون خديجة - رضي الله عنها وكانت السكن والأنيس ومات أبو طالب، وهو النصير والمعين الذي حدب على الرسول وحماه حينما أشتد أذى أهل مكة، لاسيما بعد رحلة الطائف ما عاناه الرسول في تلك الرحلة وبعدها، وحسبك من محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي لا يستطيع دخول مكة إلا بجوار رجل كافر بالله ثم هي شديدة واليمة تلك الحال أين بنو هاشم نفوذهم أين مكانتهم وسيادتهم في قومهم أين روابط العصبية القبلية التي عاشها العرب قبل الإسلام وماتوا عليها؟ ذهب كل ذلك وتلاشي لأن صاحب الدعوة جاء بدين جديد ورسالة جديدة، ولولا ذلك لوجد الحماية والنصرة.
عناية الله أقوى من كيد الأعداء
جاء حادث الإسراء بعد هذه الشدائد ليمسح الأحزان جميعًا، وينقل الرسول ﷺ إلى عالم رحب وأفق أعظم فلئن مات أبو طالب، وانتقلت خديجة إلى جوار الله تعالى، فإن الرسول ﷺ عين الله عز وجل، تحوطه وترعاه، ولئن ضاقت سبل الأرض وسدت أبوابها، فهذه أفاق السماء منفتحة، وأبوابها مشرعة، وطريق ولوجها سهلة يسرة، فما ودعه ربه، وما قلاه، ولا هجره، ولا بقاء، إنه يعين المشيئة تتولاه بالنصر والتأييد، فهو لبعوث إلى الناس كافة، والوارث لما سبق من يراث النبوات يرد الدنيا إلى فطرتها، والإنسانية إلى كرامتها، ويصلح الملة العوجاء، وينشر الحنيفية السمحة، فالناس - كل الناس - تبع لدينه: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد.
ولعل هذا وشبهه - من أسرار مسراه ﷺ إلى المسجد الأقصى المبارك قلب الأرض المقدسة التي أسكنها الله تعالى بني إسرائيل، ثم أخرجهم منها، بعدما بدلوا شرعة الله وخانوا أمانة النبوة.
يقول صاحب الظلال - رحمه الله- "والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام إلى سيدنا محمد ﷺ وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير المقدسات الرسل قبله واشتعال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعاً فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل أمادًا وأفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف النظرة الأولى.
نعم إن الله تعالى أخرج النبوة من بني إسرائيل عندما انحرفوا عن منهج الرشد، وسلكوا منهج الغي والضلال، واتخذوه شرعة ودينًا، وقد رشحهم وأقعهم هذا إلى ضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض واصطفى بني إسماعيل، فأرسل فيهم ﴿رسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة:2)، فأزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وحملوا منهج السماء بأمانة وصدق، فبلغوا به ما بلغ الليل والنهار، واستشرفوا للأعداء بصدورهم ونحورهم فرحين بما يلقون في ذات الله عز وجل.
ودارت الدائرة على اليهود فأخرجهم الله تعالى من ديارهم ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:2).
وفتحت بلاد الشام مع ما فتح من البلدان - ورفع الأذان في الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين وعاد التوحيد إلى ربوعه، وأصبح ما حوله جزءًا من أرض الإسلام فيه مثوى الخليل إبراهيم عليه السلام ومهد عيسى عليه السلام، ومسرى محمد ﷺ
وبدأت دورة الحياة من جديد فأصبح المسلمون أهل السيادة والقيادة، وغدوا مسؤولين عن حماية الأرض وصون المقدسات وحفظ الأعراض والأنفس والأموال وقد وفي الرعيل الأول وصدق رجال ما عاهدوا الله تعالى عليه فصانوا الأمانة ولم يفرطوا في حفظها وحموا مكتسبات الدعوة وأرضها وما توانوا - قط - في نصرتها، والموت دونها.
فكيف كان موقف الخلق في هذا الزمن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ماثلة للعيان يحسبها كل ذي لب ويدركها الأعمى والبصير على السواء. وكتاب الله شاهد عدل ناطق بحال من تنكبوا الصواب وضلوا الطريق، قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم:59) هانوا على أنفسهم فهانوا على خالقهم.
وتخلوا عن واجبهم، فتخلى الله عنهم، وسلط من هو شر منهم، وآل الأمر إلى ما هو مشاهد ملموس كيانات ضعيفة، وجيوش مهزومة واقتصاد منهار، وشعوب مقهورة وأخلاق فاسدة وأحزاب متصارعة وثقافة قاصرة، وتعليم ضعیف
أين الأقصى الآن؟
إن الأقصى جريح طال أنينه والمسعفون والأساة معرضون عنه، يشغلهم التسابق والجري وراء الدنيا الأقصى ينادي، وما ثمة مجيب ويستجير، ولا من يجبر
يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره
فكل أسيافنا قد أصبحت خشيًا
اللهم فامنن علينا بقائد أنت ترضاه يرعى مصالح أوطاننا، ويلم شعث أمتنا، ويحيي ما درس من معالم ديننا، ويجدد لامتنا ما بلي من ماضي عزها وسالف مجدها.
إننا برحمتك ربنا واثقون، ولفرجك منتظرون ولنصرك مؤملون ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف87).
أدب الخلاف
إذا نظرنا إلى طبيعة الخلافات في مجتعنا تجد أن هناك نوعين منها، فإما أن تكون فردية أي بين شخصين أو شخص ومجموعة، وإما أن تكون جماعية، أي بين مجموعة وأخرى وهذا ما يمكن تسميته خلافاً فكريا.
وفي رأيي فإن النوع الأول لا يقل ضررًا عن الثاني، إذ يعطل المؤسسات الدعوية ويضر بالأعمال والمناشط لأنه كلما كان الأشخاص في المؤسسة مترابطين وعلى الخط الفكري والأخلاقي الواحد، تجد أن الحركة تزداد شعبية يوما بعد يوم، وتكسب احترام الأشخاص والمجتمع، والعكس صحيح فينبغي عند حدوث الخلاف الفردي أن يسارع المحيطون الإصلاح ما فسد، والاطلاع على الأسباب، واستخدام آليات حل الخلافات المناسبة، وسد هذه الثغرة التي انفتحت في جدار الدعوة، ولكن لسبب ما، يختلف باختلاف الوضع فإنه قد تتعذر المصالحة وتصعب عودة العلاقات مرة أخرى، لذا ينبغي على المختلفين أن يراعوا ما يلي:
يجب ألا يثق المرء ثقة عمياء في أنه على حق، وأن الآخرين على باطل، فلكل نظرته إلى المشكلة.
يجب على المختلفين ألا يحاولوا أن ينقلوا خلافهم إلى المجتمع، حتى لا تكون هناك فرصة للمرجفين في أن يستغلوا الخلاف الإذكاء روح الفتن، وتأجيج المشكلة بطرق عدة و أيضًا حتى لا يؤثروا على صورة الدعوة والداعية في المجتمع، فلا يحاول الواحد منهم أن يخبر حتى أهله بالمشكلة الحاصلة، ولا أن يتعرض لأخيه المخالف أمام الناس بألفاظ جارحة أو حركات أو حتى إشارات تدل على الفرقة والخلاف، كان لا يسلم عليه أو لا يرد لم فيا المجلس، أو يذكره بسوء في غيبته بل الأفضل أن يذكره بخير فلربما وصل ذلك الكلام إلى الآخر فتلين القلوب ويصلح ما فسد.
أما الاختلاف الجماعي الذي يكون بين الجماعات الفكرية أو المذهبية كان يقال هذا سلفي، أو إخواني، أو هذا سني، أو إباضي فهذا ينبغي الا يظهر على السطح، وألا يؤثر على الدعوة.
وهكذا تجد الأخ المنتمي إلى تيار معين يعمل مع أخيه المنتمي إلى تيار آخر جنبًا إلى جنب فيما استطاعوا، ويعذر بعضهم البعض فيما اختلفوا فيه والخلافات المذهبية ينبغي أن شترك للعلماء والمشايخ، ولا بأس بالحوارات السلمية دون حدة أو تعد على حقوق الآخرين أو هتك للأعراض أو التجريح.
وفي النهاية ينبغي على شباب الصحوة الإسلامية أن يعوا حجم الخطر المحدق بهم. وكيف أن من أكبر أسباب ظهور عدوهم عليهم الخلاف الذي يؤدي إلى تمزقهم.
بدر الراشدي
الصلاة المشهودة التي لا يشهدها كثيرون!
التهاون في أداء صلاة الصبح بالمسجد مرده الانهماك في فضول الدنيا وكثرة المعاصي والذنوب.
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فمن ضيعها ضيعه الله إلا أن يتوب توبة نصوحًا، ومع هذا نرى كثيرًا من المسلمين يتهاونون بأدائها، لاسيما مع الجماعة، وفي هذا خطر كبير على الأمة أفرادًا وجماعات لما في ذلك من مخالفة لأوامر الله، وخروج عن طاعته، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة:43)
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ : «التهاون بأداء الصلاة في جماعة والذي نفسي بيده، لقد هممت أن أمر بحطب فيحتطب، ثم أمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم أمر رجلًا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم» (متفق عليه)، ويرغب عليه الصلاة والسلام بصلاة الجماعة، مبينًا عظمة أجرها فيقول صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (متفق عليه)
وإن كان التهاون في صلاة الجماعة أضحى سمة عامة في كثير من أقطار المسلمين، غير أن ما يدمي القلب، وتأسى له النفس ذلك التخلف المقصود والتفريط المؤلم في صلاة الفجر، بل يحدث هذا من بعض المربين، وممن تحسبهم من أهل الصلاح - ولا نزكي على الله أحدًا - فقد لا يصلي الفجر إلا واحد أو اثنان في بعض المساجد، أما في المساجد الجامعة فلا يكتمل الصف الأول في كثير من الأحيان، فهل تناسينا فضل هذه الصلاة المشهودة التي تشهدها الملائكة، وقول الله فيها ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً﴾ (الإسراء:78)
ألا يدل هذا على وهن وخذلان أصاب الأمة الا تخشى الأمة على نفسها من النفاق في تكاسلها عن الصلاة وقد وصف الله المنافقين فقال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ } (النساء: ١٤٢)
فضائلها وثمراتها
لصلاة الفجر فضائل جمة، وثمرات دينية ودنيوية كثيرة، فمن وفقه الله لأدائها في جماعة وحافظ عليها نال خيرًا عظيمًا، ومن أهم فضائلها:
1- البشرى بالنور التام يوم القيامة فمن صلى الفجر في المسجد، فقد أثار الله دربه وحظي بالفلاح، إذ يشرنا الرسول ﷺ بذلك فقال: «بشروا المشاتين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (رواه أبو داود والترمذي)
۲ - شهادة الملائكة له : وهي شهادة سامية وتزكية فاضلة لمن يصلي الفجر والعصر في جماعة، قال النبي ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» (متفق عليه).
3- البراءة من النفاق: كم نحن بحاجة إلى هذه البراءة في يومنا هذا، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم - يخشون النفاق، والقصص في ذلك كثيرة، فمن صلى الفجر والعشاء في جماعة خرج من شعبة النفاق، كما أخبرنا المصطفى ﷺ قائلًا: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا» (متفق عليه).
٤- إن صلاة الفجر والعشاء في جماعة تعادل أجر قيام الليل كله وهذا فضل عظيم من الله على هذه الأمة، وتدير هذا القول الرائع الرسول ﷺ له: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» (رواه مسلم).
5- من صلى الفجر في جماعة نال أعظم من خير الدنيا وما فيها لأن سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها، قال عليه الصلاة والسلام «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (رواه مسلم)، فكيف تتهاون في إحراز هذا الأجر؟
٦ - صلاة الفجر تجعلك في ذمة الله وحفظه ورعايته فكيف تنأى أخي المسلم عن حفظ ملك الملوك ورعايته صح عن النبي ﷺ قوله: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يأبن ادم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء» ( رواه مسلم)
7- لسمو منزلة صلاة الفجر والعشاء حث عليهما الرسول ﷺ: وأكد على عدم التفريط بهما مهما كانت الحال، فقال «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً» (متفق عليه).
8- خص الله تعالى صلوات الفجر والعصر والعشاء بأنها تكفر السيئات وتضاعف الحسنات فيقول في كتابه الكريم: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: ١١٤)، وقد ورد أنها نزلت في رجل أصاب سيئة فأتى النبي الله فأخبره فأنزل الله الآية السابقة، فقال الرجل الى هذا قال عليه الصلاة والسلام الجميع امتي كلهم
9- صلاة الفجر والعصر من أسباب التنعم برؤية الله في جنات الخلد فما أعطي المؤمنون: نعيمًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، فعن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: كنا عند النبي فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل ترويها فافعلوا» (متفق عليه).
۱۰- دخول الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين فقال عليه الصلاة والسلام: «من على البردين دخل الجنة» (متفق عليه)، والبردان هما الفجر والعصر، وقال رسول الله في حديث آخر: « لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» (رواه مسلم) أي الفجر والعصر
الأسباب والعلاج
للتهاون في أداء صلاة الفجر في جماعة أسباب كثيرة، ويتحقق بتجنبها العلاج الفعلي النافع إن شاء الله، ومن هذه الأسباب:
1 - إن كثيرًا من المتهاونين في صلاة الفجر لا يستعينون بالله، فلا يسألون الله التوفيق للصلاة في جماعة المسلمين ولا يعدون العدة لذلك كالوضوء قبل النوم، وقراءة الأذكار النبوية الشريفة، ولو فعلوا لتغيرت أحوالهم إلى ما يسرهم
2- عدم استحضار ثمرات وفضائل صلاة الفجر في جماعة لجهل بتلك الغايات السامية النبيلة، لأن المتهاون لا يحس بلذة القيام للصلاة ولم يقطف شيئًا من ثمراتها الدينية والدنيوية فالقيام بعزيمة صادقة جني لتلك الثمرات
3- لا يدرك بعض المتهاونين خطورة حالهم الجهل أو عدم مبالاة فلو أدركوا أنهم على شفا حفرة من النفاق مثلًا، أو أنهم محرومون من حفظ الله تصديقًا للأحاديث الشريفة لاختلفت أمورهم ولما هرولوا العرض زائل من حطام الدنيا.
4- الانهماك في فضول الدنيا كالسهر والإكثار من الأكل والشرب، ومصاحبة الأشرار مما يثقل الطاعات ويقسي القلب، ويسقم الروح فما أحوجنا للبعد عما يحجب شفافية الإيمان الصادق
5- الافتقار إلى التربية الإيمانية منذ الصغر. فإن معظم المتهاونين (بالصلوات في جماعة) تربوا في بيوت، وبين أباء لا يقيمون وزنًا لهذه الصلوات، مما طبع الأطفال بطباعهم، لذا علينا أن تعتني بأبنائنا الصغار في حثهم وتعويدهم على الصلوات واعتياد المساجد لتكون قرة أعينهم في الصلاة، وليظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله
6- بعض الناس يغلبهم النوم، مما يحتم عليه أن يتعاهد نفسه باستعمال المنبه أو توصية الأهل لإيقاظه أو الأصدقاء من أهل الخير
7- الانغماس في الذنوب والمعاصي دون الإنابة إلى الله، مما يجر المزيد من المعاصي ويختم على القلوب والأبصار، فلا ترى الحق، ولا تدرك أنوار الطاعات وبركات الصلوات نعوذ بالله من ذلك المصير المشؤوم.
محمد شلال الحناحنة
من لي بابتسامة سليمان؟
تتألق كوامن، وتنقدح أفكار عندما تبحر في معاني آيات عظيمة سليمان نبي الله ذلك النبي الشكور الذي سخرت له القوات البرية والبحرية، وفاقت إمكاناته التكنولوجيا المعاصرة أتى في ذلك اليوم ومعه من الجنود والجيش ما يسد به الخافقين، وهكذا بدأت قصة عظيمة تكمن في جوفها معان لطيفة ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ..﴾.
من لي بهذه الابتسامة ابتسامة سليمان ابتسامة مشرقة قد علاها الخشوع والتفكر.. الحمد والشكر ابتسامة لم تكن دوافعها سخرية وعلوًّا، أو مكرًا وخديعة أو هي مقدمة لضحك وصحب، يتعالى فيها الصوت وكأنما الفؤاد لا فؤاد لم تكن كذلك بل كان ملء هذه الابتسامة معاني الدهشة التي اكتست بثوب التذلل للواحد القهار، لم يشمخ بنفسه حينها بطرًا وريا لم يبغ ويذكر أنعم الله عليه ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
بل هي حقاً ابتسامة العابد الشاكر الحامد الذاكر:﴿ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ (النمل: ۱۹)، فهذه هي حياة الأنبياء، حياة فاضت بالربانية، والروحانية والتوحيد حياة صادقة لا زيف فيها، ولا كذب حتى لو كان ذلك في دقائق الأمور وخواصها فهم قد أثروا حياتهم بالعباد سخروها لذلك جندوا أنفسهم لهذا الهدف يبتسم ويبتغي بذلك وجه الله يرجو ما عنده يتخذ بكل وسيلة ممكنة عدة تكون عتادًا له، وذخرًا ليوم القيامة، بل من العجيب في ذلك أن هذه الابتسامة قد وسعت الآفاق بما : تحويه فلم يحتقر نملة لا تعدل في الموازين البشرية شيئًا يذكر، بل إنه تبسم لها بما يوحي لنا بسعة استيعابه للكل - فللعبد تتبسم، والطفل تتبسم ولإخواننا نتبسم وتبسمك في وجه أخيك صدقة
فكم والله نحتاج إلى هذه الابتسامة البراقة التي توحي لنا بكمال العبودية لله، والانقياد له بالطاعة، كم نحتاج إلى أن توحد الطريق وتغلق التشعبات المؤدية للهلاك، بحيث تكون ابتسامتنا لله، نظرتنا لله، دمعتنا لله، أكلتنا لله، رقدتنا لله، فهي حياة كلها لله منذ البكور وحتى الرقاد.
رائد محمد بن جعفر الغامدي