; المجتمع التربوي (1468) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1468)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001

مشاهدات 69

نشر في العدد 1468

نشر في الصفحة 54

السبت 15-سبتمبر-2001

وقفة تربوية

ذوبان الثلج.. والحرارة المتأخرة!

ما أسرع انقضاء الوقت، وجريان عقارب الساعة، فكل ثانية تتحرك بها هذه العقارب، تنقص من عمرك، وتقربك إلى القبر، فإما أن تقترب إلى الجنة وإما أن تقترب من النار، والعياذ بالله...

عمرك يمضي بسرعة، والزمن لا ينتظر، ولا يحابي أحدًا، ولا يرجع لأحد. كائنًا من كان.. وقد وصف النبي ﷺ سرعة انقضاء الوقت بالمسافر يستظل في أثناء سفره بشجرة من أشجار الصحراء، ثم يغادرها.

ووصف الله تعالى سرعة انقضاء الدنيا، وجريان الزمن بقوله: ﴿كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (الكهف: 45)

 هكذا سرعة نزول المطر واختلاطه بالأرض، وتيبس أعواد الزرع بعد الخضرة، ثم ذهابها مع هبوب الرياح وكم وصف العلماء سرعة انقضاء الدنيا بأوصاف متعددة، ومن أبرز من تحدث في الدنيا، ووصفها الإمام ابن الجوزي إذ قال في أحد أوصافه لانقضاء العمر: «عمرك يذوب ذوبان الثلج، وتوانيك أبرد منه» «اللطف في الوعظ ۳۱».

فعندما لا تتناسب سرعة جريان العمر، وانقضاء الزمان مع تحرك الإنسان لإنقاذ نفسه من النار، هنا يكون حقًا ما وصفه الإمام ابن الجوزي ببرود الهمة، حتى لتكون أبرد من ذلك الثلج الذي يذوب.

ومن كانت همته كذلك، فلا تزيد حرارته إلا قبيل الرحيل، ووقوف الته وعندها لا تنفع تلك الحرارة المتأخرة.

أبو خلاد

‏albelali@bashaer.org‏

معالم أساسية لنجاح الداعية

الخدمة.. الأمل والجوارح من أقوى الوسائل تأثيرًا في الناس

بإمكان الداعية الذي يعجز عن إتمام دعوته أن يصل بالمدعوين إلى أقرب نقطة ممكنة

سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي بهذه الكلمات كان أحد الصالحين يسبح بحمد ربه ويذكر نعمة الله عليه بأن جعله من الدعاة إليه، وهكذا يجب أن يكون حال الدعاة مع الله يسبحون بحمد ربهم على ما أنعم عليهم به بعد نعمة الإسلام والإيمان بأن جعلهم من الدعاة إليه والحاملين لرسالته والمبلغين لدعوته.

والدعوة إلى الله أعظم رسالة وأشرف عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة، فهي ميراث النبوة ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108)

إن الدعوة إلى الله -وهي أشرف رسالة- بحاجة إلى رجال يحملونها ويقومون بواجب تبليغها للناس ويسرعون بها إليهم بها، ويدفعونها قدما إلى الأمام نحو أستاذية العالم وشعارهم «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد...».

إن الناس في مشارق الأرض ومغاربها بحاجة إلى الدعوة لتخرجهم من الظلمات إلى النور وتهديهم سبل السلام، وتأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم.

 إن الدعوة بحاجة إلى داعية رحالة يحمل دعوته ورسالته فوق ظهره، يتحرك بها في أرجاء الكرة الأرضية، شعاره ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ (يس: 20) فهو ساعٍ إلى الخير دائمًا، في حركة دائبة وترحال لا يتوقف، وهو فارس لا يترجل، يجوب الأقطار والأمصار شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه.

والدعوة إلى الله بحاجة إلى رجل له من ميراث يحيى عليه السلام نصيب، فقد أمره الله بقوله ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ﴾ (مريم: 12) فأخذه بهمة وعزيمة، وقام يبلغ قومه وينذرهم، وجعل من نفسه وقفا لدعوته، حتى قطعت رقبته فداء لدين الله، وهكذا يجب أن يكون الداعية في أخذه دعوة الله بقوة، وقيامه بها ووقف حياته لها.

والدعوة إلى الله بحاجة إلى داعية له في هدهد سليمان العبرة والمثل في تحركه وانطلاقه وذاتيته وإيجابيته التي كانت سببًا في إسلام أهل اليمن فأين الرجل الهدهد في دعاة اليوم الذي يكون سببًا لإسلام أمة أو دولة أو قرية كما فعل الهدهد؟ بل أين الداعية الذي يكون سببًا في إسلام قبيلة أو عشيرة أو حتى رجل واحد على الأقل؟ قال الله: لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.

إن انطلاقة الداعية إلى الله لها معالم أساسية، تذكر منها أنها:

1- دعوة الناس كافة:

وهذا المعلم مما يميز دعوة الإسلام عن غيرها من الدعوات السابقة والتي كانت الأقوام خاصة أما هذه الرسالة فشعارها ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158)

والدعاة إلى الله مطالبون بأن يقدموا دعوتهم للناس كافة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأوطانهم. وقد كان رسول الله ﷺ يعرض دعوته على الناس كافة ويراسل الملوك ولا يترك أحدا إلا وبلغه رسالة الله، وهاجر إلى الطائف ثم إلى المدينة ليبلغ رسالة الله.

والداعية حتى يحقق هذا المعلم لا بد له من:

أ- الانطلاقة المزدوجة:

فالداعية لا يحقق الانتشار لدعوته إلا من خلال اتصاله المتعدد والمزدوج، فهو يبلغ دعوته للعامة من الناس والملا في أن واحد، ويتوجه بدعوته إلى الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والمؤيد والمعارض، كما أنه يسير بدعوته على محورين اثنين الدعوة الجماهيرية العامة والدعوة الفردية الخاصة، فهي انطلاقة مزدوجة تحقق له -كما قال محمد أحمد الراشد- «انسيابية المجتمع والبحث عن الرواحل واصطفاء الأخيار، كما أنه يتوجه بدعوته للصغير والكبير والرجال والنساء جميعا لا يترك أحدا من خلق الله إلا وبلغه دعوته وكما قال البنا: وددت لو أنني أبلغ الدعوة للجنين في بطن أمه!»

 ب- مسافات منتصف الطريق:

فالداعية إلى الله لا يغلق بابا، ولا يسد طريقا فإن عجز عن إتمام دعوته، فلا أقل من أن يقيم جسورا ممتدة مع المخالفين، ويقطع معهم مسافات منتصف الطريق وذلك بأن تكون هناك نقاط التقاء يتفق عليها الداعية مع من يدعوهم، فيما يشبه. دائرة الثوابت والمتفق عليه، وشعاره في ذلك نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وذلك يجنب الداعية نفسه معارك جانبية كثيرة وصراعات، ويقطع مسافات كبيرة في طريق الاتفاق مع المخالفين.

ج- مراعاة أصناف الناس:

فالداعية يجد الناس أمامه أصنافا عدة، منه المؤمن بدعوته ورسالته ومنهم المتحامل عليها، ومنهم المتردد في الإقبال عليها، لما يقال عنها من شبهات ومنهم النفعي الذي ينتظر مغنما، ولكل صنف من هؤلاء جهد ودعوة خاصة، ولكن يبقى حرص الداعية على أن يبلغ دعوته إلى هؤلاء جميعًا.

2- دعوة للإسلام كافة:

وهذا المعلم أيضا مما يميز دعوة الإسلام عما سبقها، فقد أرسل كل نبي إلى قومه ليعالج قضية معينة، ويدعو إلى فكرة واحدة، أما دعوة الإسلام فقد جاءت شاملة الجوانب كلها. وشعارها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة: 208) فهي دعوة إلى الإسلام الشامل دولة ووطن أو حكومة وأمة، وخلق وقوة أو رحمة وعدالة، وثقافة وقانون أو علم وقضاء، ومادة وثروة أو كسب وغنى، وجهاد ودعوة أو جيش وفكرة، وعقيدة خاصة وعبادة صحيحة هذا هو الإسلام الذي يجب أن يدعو إليه الداعية، فلا بد للداعية أن يؤمن بشمولية الإسلام أولًا، وعليه ثانيًا أن يدعو لهذا الشمول، وثالثا أن يحقق التوازن والاعتدال في عرضه للإسلام، فيعطي كل جانب من جوانب الإسلام حقه في العرض والتبليغ للناس.

3- دعوة بالوسائل كافة:

الداعية الناجح لا يترك وسيلة لعرض دعوته وكسب الأنصار لها إلا استعملها، وهو يستفيد من كل ما أتيح له من وسائل حديثة ومن مستجدات العصر في الدعوة إلى الله؛ فهو يدعو عبر القنوات الفضائية وعن طريق شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت» وكل ما يستجد من وسائل وتقنيات حديثة، ولا يحصر نفسه في دائرة ضيقة من الوسائل، مع الحفاظ على ثوابت الدعوة وأصولها والداعية الناجح يأخذ بالتنوع في وسائله الدعوية، وبما يتناسب مع الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وشعاره: «أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم».

والداعية الناجح يهتم بالأهداف العامة للدعوة وهي تحقيق الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل، ثم يأخذ بالوسائل الأخرى الرئيسة منها والفرعية، ومن ذلك:

 أ- وسائل الدعوة المسجدية: والتي تشمل الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والمواعظ والرقائق والخواطر والمؤتمرات...وكل ما يندرج تحت المسجد من وسائل وأنشطة دعوية.

ب- وسائل الدعوة الخدمية: وهي من أقوى الوسائل تأثيرا في الناس ولذلك فإن شعار الداعية الناجح: نحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب.. والداعية الناجح لا ينسى أن الدعوة الخدمية من أوجب الواجبات وأفضل العبادات لأنها عبادة متعدية بالنفع للغير، وهي الأثر الباقي للداعية بعد موته.

ج- وسائل الدعوة المرئية والمقروءة: وتندرج تحتها وسائل الإعلام الحديثة كلها من صحافة وتلفاز وقنوات فضائية وأجهزة حاسوب وشبكة معلومات، ثم الكتب الدراسية والمطبوعات والنشرات والمطويات والملصقات، ولعل أثر الشيخ يوسف القرضاوي على الجماهير المسلمة من خلال القنوات الفضائية يؤكد ذلك، وقد رأينا أثر الملصقات في الجامعات والميادين العامة وهو يدعو النساء للحجاب فاستجبن لهذه الوسيلة الناجحة.

 د- وسائل الدعوة بالجوارح: وهي وسائل الداعية المتميز، فالنظرة الحانية دعوة واللمسة الرقيقة دعوة، والبسمة المشرقة دعوة والكلمة الطيبة دعوة والاستماع الجيد للآخرين دعوة، ودعاء القلب بظهر الغيب دعوة، وما أقوى أثر الجوارح حين يسخرها الداعية، ويستخدمها كوسائل لدعوته.

هـ- وسائل أخرى عدة: من ذلك الوسائل الدعوية التعليمية عبر وسائل التعليم المختلفة. والوسائل السياسية ممثلة في الانتخابات والمؤتمرات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والوسائل الدعوية الرياضية من خلال الأندية ومراكز الشباب.. إلى غير ذلك من الوسائل المتنوعة.

والداعية الناجح لا ينسى أن الدعوة بالقدوة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والدعوة بالأمل من وسائله الدعوية الأساسية للوصول إلى الجماهير.

أخي الداعية بهذه المعالم الأساسية الثلاثة من: «دعوة الناس كافة، والدعوة للإسلام كافة والدعوة بالوسائل كافة» تحقق لدعوتك الانتشار والتمكين والعالمية، حتى تصبح الدعوة متوغلة في كل أرض وتحت كل سماء ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ﴾ (البقرة: 193)، وقد قالها الإمام البنا للدعاة إلى الله سيروا في القرى وطرقات الأرياف مرة في اليابس ومرة في الطين، وخالطوا هذا الشعب المؤمن، وعندها يفتح الله عليكم.


ذنوب استهان بها كثير من الناس «1من3»

المعاصي سبب التأخير.. والبلايا تكشف جوهر الرجال.. والقلوب المنكسرة هي الأقرب إلى الله

أصل فساد القلب ترك محاسبة النفس.. والمسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به

كن جادا في طلب الآخرة واخف أثرك ما استطعت

على قدر قيام العبد بالأوامر يحصل له من اللطف عند النوازل

هذه تسعة عشر سببًا تقدح في الأصول، وتحط صاحبها عن مرتبة التميز بين الناس، ويستهين بها الكثيرون، وقد قمت بإعدادها من كتب الرقائق مثل: «الإحياء والفوائد وصيد الخاطر وإرشاد المسترشدين».

إن للإيمان شروطًا لكي يثبت في القلب ويثمر من أهمها البعد عن المعاصي، يقول ابن قيم الجوزية «الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل».

 وهاكم طائفة من الذنوب التي استهان بها كثير من الناس مع أنها جروح قاتلة:

1- الغفلة عن أوامر الله وترك محاسبة النفس:

إن القلب كالدابة إذا غفلت عنها عدلت إن أصل فساد القلب ترك المحاسبة للنفس، ولذلك قيل: رب غفلة كلفت المتاعب والأهوال وقال الشاعر إقبال:

لحظة يا صاحبي إن تغفل                               ألف ميل زاد بعد المنزل
رام نقش الشوك حينًا رجل                فاختفى عن ناظريه المحمل

 فإقبال يصور الغفلة هنا بحالة شخص مع جموع مسافرة أصيب بشوك في قدمه فنظر إليه ليزيله، فاختفى أصحابه عنه، وكان عليه أن ينظر إليهم وهو يرفع الشوك حتى يعرف جهته.

إن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة.

2- ضعف تجديد النية الصالحة لدى كل قول وعمل:

إن كل عمل لا يراد لأجل الله ضائع وباطل فلا تفتك الوقفة لمراجعة النية قبل الأقوال والأعمال حتى لا تتعب بلا طائل.

 إن قلب من ترانيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك إلى غيرك، فلا على ثواب المخلصين حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت فأخف أثرك ما استطعت.

3- الجزع عند الابتلاء:

إن من سنن الله أن المؤثر لرضا الله متعرض لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيهم في إتلافه.

إن المؤمن إذا صبر عند المحنة تحولت منحة وعليه إن لم يكن صبورًا أن يتصبر فإن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضًا، وكذلك الأخلاق الذميمة. فأعرض عن الجهال واحلم عن السفهاء.

إن نقصان بدن المؤمن ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن كانت سببًا في زيادة خير لآخرته كانت رحمة به وخيرًا له.

وعلى قدر قيام العبد بالأوامر يحصل له من اللطف عند النوازل فإن كمل القيام بالأوامر ظاهرًا وباطنًا ناله اللطف ظاهرًا وباطنًا وإن قام بصورها دون حقائقها ناله اللطف في الظاهر. وقل نصيبه من اللطف في الباطن، ولطف الباطن هو ما يحصل للقلب عند النوازل من السكينة، والطمأنينة، وزوال القلق، والاضطراب.

 إن العبد قد يكون على علم جيد، لكن نفسه لا تصبر على المصائب، بل تطيش، ولذلك فإن البلايا تظهر جواهر الرجال، وما أسرع ما يفتضح المدعي.

وما أجمل موقف سحرة فرعون حين خالط الإيمان قلوبهم، وتعرضوا للتهديد فما وهنوا وما ضعفوا.

فواعجبًا لعزمات ما ثناها: «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف».

4- ضعف تحصيل العلم وقلة تطبيق ما تم تعلمه:

العلم ليس بمجرد صورته هو النافع، بل معناه هو الذي ينفع، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به فكلما دل على فضل اجتهد في تحصيله وكلما نهاه عن نقص بالغ في مباعدته، وعليك أن تجعل عملك ملحًا وأدبك دقيقًا وذلك بأن تستكثر من الأدب حتى تكون نسبته إلى عملك كنسبة الدقيق إلى الملح الذي يوضع فيه، فكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب.

ولتستفيد من العلم لابد وأن توفر مجالس العلماء وتدعو لهم، فمن المكافأة للصنيعة أن تدعو لمن تعلمت منه أو أفادك إفادة، فالحر من راعي وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة.

وما أجمل أن تعلم ما تعلمت فأنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرًا أو تصنع إليه معروفًا.

 واقتصد في نصيحتك وموعظتك حتى لا تمل الناس.

واعلم أن من جمع بين العلم وبالسنة ومتابعتها أنتجا له المعاني البديعة، فقدم العلم قبل كل مقال مع ملاحظة أن المسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ففاته لذات الدنيا وخيرات الآخرة فقدم مفلسًا على قوة الحجة عليه، ومن أهم العلوم التي يجب أن تتقنها إن كنت متخصصًا.

علم الفقه فهو عز الدنيا والآخرة، فيه تعرف حدود الشرع التي يفتى بها. ولكن احذر الفتوى بغير علم خشية أن يقال جاهل فإن أهون ما يصاب به من يفعل ذلك أن تحط مرتبته عن مرتبة المتميزين بين الناس.

5- ضعف الهمة في طلب النفوذ إلى الله والدار الآخرة:

إن طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأسًا في ذلك يحتاج إلى أن يكون:

أ- شجاعًا مقدامًا.

ب- حاكمًا على وهمه.

ج- غير مقهور تحت سلطان تخيله.

د- زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه.

هـ- عارفًا بطريق الوصول.

و- مقدام الهمة.

ر- ثابت الجأش

ح- لا يثنيه عن مطلوبه لومة لائم.

 إن من فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال أحدهما إلا بمشقة، فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما.

إن العبد في طريق إلى الله لا يزال في تقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة فلتتقدم دائما بالأعمال الصالحة، واحذر المعاصي فهي سبب تأخرك.

الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع عنك بترك الرذائل، ومحبة الله لا تقنع منك إلا يبذل الروح قال تعالى: ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111)

ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضاء بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فاعلم أنه قد خسف به. ومتى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ.

فكن جادًا في طلب الآخرة والجد كله حركة والكسل كله سكون.

إن من أطاع الله أكرمه بالجنة في الآخرة وبالسكينة في الدنيا.

ومن أثر الله أحبه، وهذا أعظم من الجنة ومما يعين على طاعة الله وقصر الأمل في الدنيا ذكر الموت.

إن الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط رحالهم إلا في الجنة أو النار.

 إن من ظهر له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا.

وما أجمل -ونحن في طريقنا إلى الله- أن ترفق بمطايا الأبدان التي ألفت الترف فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.

فهل تدخل حبس التقوى باختيارنا أيامًا ليحصل لنا الإطلاق على الدوام.

 إن الأعمال الصالحة تحتاج إلى صبر للاستمرار عليها، فنحن أجراء وعلينا أعمال، فهل تؤخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل؟!

فلنتذلل إلى الله، وتنكسر له حتى يعيننا على العمل الصالح والبعد عن المعاصي فاللطف على الضعف أكثر فتضاعف ما أمكنك.

إن النملة لما كانت ضعيفة أعينت بالشم فهي تجد ريح المطعوم عن بعد.

وإن حرص العصفور يخنقه بالوقوع في شباك الصائد، أما قنع العنكبوت في زاوية الضعف فهو يسوق إليه الذباب قوتًا، فالقلوب المنكسرة إلى الله هي أقرب القلوب إليه، وإلى توفيقه.


أي الناس أعلم؟

المنصف هو الأعلم...والعبرة ليست بالعلم وإنما بثمرته على السلوك

العلم أمر نسبي يتفاضل فيه الناس، ويتفاوتون ويختلفون في الحد الذي ينتهي إليه علم المحصلين له: قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76) وقال ﴿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (البقرة: 253)

أما من دون الأنبياء من العلماء فإن كل جهة، أو بلد، أو هيئة، أو مذهب، أو جماعة تدعي لمن تدعي له من علمائها أنه هو أعلم الناس، وذلك حسب علمهم وما يعلمونه عنه من تحصيل للعلوم والفنون، أو قوة فهم أو نضج فكر أو براعة فقه أو شدة حافظة أو غزارة عطاء في ميدان معين أو غير ذلك من المجالات التي رشحته عندهم المنصب «أعلم الناس».

إجابة النبي ﷺ

الواقع أن هذا السؤال طرحه النبي ﷺ وأجاب عنه إجابة شافية تحدد المقصود منه وذلك في سياق استخدامه ﷺ لنوع من الأساليب التربوية التعليمية وهو أسلوب طرح السؤال على السامع لتتنبه ملكاته الإدراكية وأوعيته الاستيعابية ليتلقى المعلومة بكامل قواه العقلية فتنطبع في مخيلته انطباعًا كاملًا ويستوعب بعقله وفكره مضمونها ودلائلها.

علم النبي ﷺ أمته بأنواع البيان وشتى المناهج التربوية فاستخدم الحوار، والقصة والتمثيل بالهيئة وضرب المثل، وتصوير المعاني في صور المحسوسات كل ذلك تقريبًا للأذهان الخالية، وتعليمًا للأجيال اللاحقة.

ومن ذلك أنه ﷺ سال ابن مسعود -رضي الله عنه- يومًا ليعلمه أسئلة عدة في حديث له طويل جاء فيه، «يا عبد الله بن مسعود قال قلت: لبيك وسعديك ثلاث مرات، قال: هل تدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فأعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلفت الناس، وإن كان مقصرًا في العمل». (۱)

السؤال إذن ليس عن كمية المعلومات أو تنوعها أو اختلاف مشارب الناس وانتماءاتهم بقدر ما هو سؤال عن ثمرة علومهم عليهم وسرعة وصولهم من خلالها إلى المقاصد والمطالب.

فإذا كان العلم الغزير يبصر به صاحب الحق دون التواءات كثيرة أو مسالك وعرة تدخل في بنيات الطريق كان أعلم الناس.

وإذا كان من دونه في العلم أبصر بالحق في ضوء ما عنده من علم كان أعلم الناس فيما أبصر إذا لا تحجبه عن الحق المطلوب الحجوبات الكثيرة.. وهكذا ولو كان عنده تقصير في العمل.

 قال الإمام الشوكاني -يرحمه الله-: «فانظر كيف جعل ﷺ المنصف أعلم الناس وجعل ذلك هو الخصلة الموجبة للأعلمية، ولم يعتبر غيرها».

وإنما كان أبصر الناس بالحق إذا اختلف الناس، لأنه لم يكن لديه هوى ولا حمية ولا عصبية لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء فصفت غريزته عن أن تتكدر بشيء من ذلك، فلم يكن له مأرب ولا مقصد إلا مجرد معرفة ما جاء عن الشارع، فظفر بذلك بسهولة من غير مشقة ولا تعب.... (٢).

انطلاقًا من هذا الحديث وهذا الفهم فإن هناك جماعة من علمائنا وشبابنا قد أبصروا الحق وشاهدوه من خلال نصوص الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح من الأمة فقالوا: لا تضيعوا أعماركم وأموالكم في التجوال بين الدول لتتفاوضوا مع اليهود فإنهم قوم بهت ولا تترددوا على البيت الأبيض ليشفع لكم الكفار الذين يحمون اليهود ويمولونهم ويعولون عليهم في المستقبل الاستراتيجي، فكل ذلك خلاف الحق الذي أبصرناه...قال تعالي: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: 32)

هوامش

(۱) مستدرك الحاكم ٤٨٠/٢

(۲) أدب الطلب ومنتهى الأرب ۹۰

د. محمد الداه الأمسمي

باحث في الدراسات الإسلامية مكة المكرمة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل