; المجتمع التربوي (العدد 1618) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1618)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004

مشاهدات 72

نشر في العدد 1618

نشر في الصفحة 52

الجمعة 17-سبتمبر-2004

في ذكرى الإسراء: صور من «بركات الحول»

بقلم د. جابر قميحة

Kameha@menanet.net

•    بارك الله حول الانتفاضة.. فجعل حجارتها أشد لدغًا ولسعًا على اليهود من الرصاص

 

تهل ذكرى الإسراء والمعراج، فنشنف آذاننا، ونملأ عيوننا وقلوبنا من إشراقات قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ (الإسراء: 1)، ويؤكد الوحي تحقق الحدث ووقوع الإراءة - أي تمكين النبي ﷺ من رؤية ما عرضه عليه الله سبحانه وتعالى من آياته – وجاء هذا التأكيد بوسيلتين:

الأولى: الحكم على شخصية الرائي بالصدق المطلق بنفي الضلال والغي والهوى عنه، فالوحي هو معينه الذي منه يستقي وعليه تعتمد رسالته: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾ (النجم: 4).

والثانية: الحكم على الحدث ذاته بوقوعه في دائرة الرؤية الحقيقية بلا زيغ ولا توهم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)﴾( النجم: 17- 18).

فهناك إذن «رحلة» أكرم الله بها نبيه تتمثل في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا.

وهذه الرحلة التي خص بها الله – سبحانه وتعالى - نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم  جاءت لتحقيق غاية أرادها الله تعالى تتمثل في أن يرى من آيات ربه ما شاءه لعبده، فكانت تسلية لنبيه بعد أن فقد أعظم نصيرين له: خديجة - رضي الله عنها - وعمه أبا طالب، وكانت رحلة تشريعية، فرضت فيها الصلاة خمسًا في اليوم والليلة بثواب خمسين صلاة.

وكانت رحلة عرفانية رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما زاده يقينًا ومعرفة وعلمًا بقدرة الله وآيات عظمته، وكانت رحلة «كاشفة» نقت الصف المسلم، ونفت عنه ضعاف الإيمان الذين كذبوا حادث الإسراء وعادوا إلى الكفر.

لقد أفاضت كتب التفسير والحديث والسيرة في ذكر تفصيلات الإسراء والمعراج، وأغلب القراء والقارئات على علم بكثير منها، ولكن أجدني مشدودًا إلى وصف المسجد الأقصى بقوله تعالى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، فما معنى البركة؟ يقول الراغب الأصفهاني في كتابه القيم «المفردات في غريب القرآن»: «البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، كثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحس، وعلى وجه لا يحصى، ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك، وفيه بركة»، ص 54.

وفُسر المسجد الأقصى بأنه بيت المقدس، ويقول الألوسي في «روح المعاني»: «وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء «عليهم السلام»، وقبلة لهم، وكثرة الأنهار والأشجار حوله، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال» 15/16، وجاء في الأثر أن «البركة» تمتد فتشمل ما بين العريش إلى الفرات.

فهناك إجماع إذن على تفسير «حوله» بالمفهوم المكاني: أي ما أحاط بالمسجد الأقصى أو بيت المقدس من أماكن وأراضٍ «باركها» الله، أي منحها من الخير ما يزيد على المعهود المتعارف عليه في تقدير البشر وحساباتهم.

ولكن النظر في الآية والسياق القرآني يتسع كذلك إلى تفسير «حوله» بالمفهوم «القيمي»، والحول - في اللغة - معناه : القوة والقدرة والبراعة والدهاء.

واستصحاب الواقع التاريخي، واستقراء مراحله وأحداثه المختلفة يقطع بأن «منطقة المسرى» - بيت المقدس وامتدادها - بارك الله في «حول» من عاش لها، وارتبط بها، ودافع عنها وعمل على تخليصها من الأذى والبغي والعدوان، ومن الأماكن ما يبعث في نفوس أصحابها، ومن يرتبطون بها - فكريًا وعقديًا - طاقات روحية ونفسية تنعكس وتتجسد في لـ أعمال هائلة يعجز عنها الوصف.

 

كلمة التاريخ

وصور «الحول» الذي باركه الله في منطقة المسرى أكثر من أن تحصى، نكتفي منها - في مقامنا هذا – بصورتين: الأولى في القديم، والثانية في الحديث.

وأظهر الصور قديما نراها في معركة - حطين «583هـ - 1187م»، وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها، وكانت بداية قوية لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي، وقبلها وحد صلاح الدين تحت راية الإسلام مصر والشام والعراق والجزيرة، كانت قوات الصليبيين لا تقل عن خمسين ألفًا، وجيش صلاح الدين لا يزيد على نصف هذا العدد، وتمخضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين، وقتل من الأعداء قرابة ثلاثين ألفًا، وأسر غيرهم آلاف منهم ملوك وأمراء مثل «الملك غي»، و«الأمير رينو دي شاتيون»، قال ابن الأثير: «وكثر القتل والأسر فيهم، فكان من يرى القتلى منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد، ومن يرى الأسرى منهم لا يظن أنه قتل منهم أحد»، وكان انتصار حطين نقطة انطلاق الجيش صلاح الدين إلى التحرير الشامل، فتم تحرير قلعة طبرية وعكا ومجد بابا والناصرة وغيرها من عشرات المواقع والمدن والقرى.

إنه العدد الأقل الذي «بارك الله حوله» فغلب - بل سحق - العدد الأكبر: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ﴾ (البقرة : 249).

وفي وقتنا الآني الذي نعيشه نرى كيف بارك الله حول انتفاضة الأطفال، وجعل حجارتهم أشد لدغًا ولسعًا على اليهود من الرصاص، وقد رأينا على شاشة التلفاز كيف يهرول أعداد من الجنود الصهاينة أمام «قذائف الحجارة» من أيدي أطفال الأقصى، محاولين التماس «سواتر» تحميهم من زخات هذه الحجارة، ورأينا ما لا يقل عن عشرة جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها، فرفعت في وجوههم «مذراة» القمح، وهي قطعة خشبية لها أصابع كأصابع الكف يذرى بها القمح في الهواء لفصل الحب عن التين، وعلل بعضهم هربه بأن ما رآه في يد المرأة كان مدفعًا رشاشًا غريبًا له مواسير متعددة، وصدق تعالى إذ قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ (البقرة : 96) وإذ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال: 17).

ومن صور «الحول» الذي باركه الله ما رأيناه من بطل حماس «محمود هنود» الذي استطاع أن يهزم خمسمائة من الجيش الصهيوني، ويقتل ثلاثة من ضباطهم ويجرح آخرين، ثم يفلت بعد ذلك من أيديهم.

إنها البركة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها حول المؤمنين وجهادهم على مدى العصور ما ثبتوا على إيمانهم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم: 4)، وهذا التفسير - ولا شك - يدفع المؤمنين إلى مزيد من اليقين والثقة في نصر الله، ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق إلى تحقيق النصر المؤزر المبين.

وأخيرا نؤكد للقارئ الحقائق الثلاث الآتية:

1.     أن الأقصى في التفسير الثاني يقصد به سكان منطقة الأقصى والمقيمون في فلسطين من المؤمنين، وهذا ما يسمى في البلاغة «مجاز مرسل علاقته المحلية» كما ترى في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (يوسف: 82) والمقصود أهل القرية.

2.    أن الفعل الماضي قد يستعمل في القرآن وفي لغة العرب فيفيد المستقبل والديمومة والامتداد، فالبركة متجذرة في الماضي وممتدة  إلى الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

3.    أن التفسير الثاني الذي عرضناه، أي التفسير القيمي لا يلغي التفسير المكاني للحول فهو الأصل وهو الذي أجمع عليه كل المفسرين.

 

جيل القدوة

عمير بن الحمام «رضي الله عنه»

أول شهيد في الإسلام

                                                                                          محمد مصطفى ناصيف

كان الصحابي الجليل عمير بن الحمام بن الجموح السلمي في السابقين من قومه الأنصار.

حين اصطف المسلمون للحرب في غزوة بدر الكبرى قال لهم رسول الله ﷺ: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض قال: نعم، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير ابن الحمام: وفي يده تمرات يأكل منها : بخ بخ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال عمير: رجاء أن أكون من أهلها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها، فأخرج ما كان معه من تمرات ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمرًا ! إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر وأخذ سيفه وقاتل وهو يقول:

ركضًا إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل العباد

والصبر في الله على الجهاد

حتى استشهد - رضي الله عنه - فكان أول شهيد في الإسلام.

وإن النصر لم يأت إلا عن إيمان وتضحية وشجاعة في قلوب الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه كمثل بطلنا عمير في طليعتهم، وهكذا حال جيل القدوة في أمتنا التي تخرجت من مدرسة قائد البشرية وهاديها ومعلمها الخير.

 

كيف نحول الآيات إلى سلوك عملي في حياتنا

تجربتي في التحرك بالقرآن

صلاه الفجر

                                                                                      سمية رمضان (*)

هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.

أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاءً للحزن.

سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًا، وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.

هي دعوة للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء.. كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى به دعوة لنعيش جنة الدنيا، فالتحرك بالقرآن هو جنة الدنيا.

فكم من الجروح اندملت وشفيت

وكم من التعساء وقد سعدوا

وكم من البيوت التي كانت على شفا جرف هار قد أنقذها التحرك العملي بالآيات القرآنية.

اعتادت هي على السهر، وعليه فعندما يؤذن المؤذن لصلاة الفجر تفتقدها الملائكة بين جموع المصلين، ففي هذا الوقت المبارك يعقد الشيطان عليهم فيسيطر عليهم نوم عميق، وكانت في داخلها غير سعيدة بذلك، وقد حاولت مرارًا وتكرارًا أن تقوم للصلاة في هذا التوقيت وفي كل مرة كان نصيبها الفشل، وذلك قبل أن تشرع في خوض تجربة التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وقد عزمت على القيام بهذه التجربة بعد أن وصل إلى مسامعها أنها قد ساعدت الكثير الكثير في حل مشكلاتهم، فجعلت في صحبتها قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ (الشعراء:219)، أخذت تردد هذا القول النوراني الكريم وتحاول أن تجعله في قلبها كما هو على لسانها.

وجاءت اللحظة الحاسمة، لحظة التحرك بالآية أخذ المؤذن يردد: الله أكبر.. الله أكبر.. فأخذت تتقلب في فراشها لا تستطيع أن تلبي والشيطان يزين لها النوم ويهون عليها أمر الصلاة، وذكرها الأذان بإسلامها:

أشهد أن لا إله إلا الله

وذكرها برسولها وعهدها معه

وأشهد أن محمدًا رسول الله

ثم أخذ الأذان يدعوها إلى الصلاة

حي على الصلاة

حي على الصلاة

ويذكرها أن في ذلك الفلاح

حي على الفلاح

تسمع ذلك وأصداء الآية التي عقدت معها صداقة وكان بينهما ود وحب تتردد في قلبها تدعوها وترغب لها الصلاة.

﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219)، وأخذت تنفض النوم من عينها فقد استشعرت وجود الرحمن معها فهمت من نومها وهي تشد عليها ثيابها، وقد استشعرت تمامًا أنها ليست بمفردها في الحجرة، وما هي إلا دقائق إلا وقد توضأت ووقفت بين يدي الله لصلاة الفجر، لم تصدق نفسها فكم تمنت هذه الصلاة في هذا الوقت.. اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول سبحان ربي الحمد لله أن أكرمني بهذه الصلاة قبل أن أموت، فقد فرض الله عليها خمسة فروض ولم يفرض عليها أربعة فروض، ولكن هي بتكاسلها المستمر عن صلاة الفجر قد اكتفت بأربعة فروض فقط في مواقيتها، أما الفرض الخامس ففي الوقت الذي يوافق هواها ورضاها.

سرت في كيانها سعادة غامرة وأخذت تستغفر الله وتتوب إليه وترجوه أن يتمم عليها هذا الخير حتى آخر العمر.

جلست بعد الصلاة وأخذ شريط يعرض أمامها يصور حياتها وكأنه يعرض عليها.. كانت فتاة عادية لم يكن لها هدف معين في حياتها، وكأنها كانت كمن يدور حول الساقية كما دار آخرون من قبلها، ولا تعلم تمامًا هل هناك مياه تخرجها الساقية فتخرج جنات الله في أرضه تسعد الجميع أم هي تدور بلا جدوى ولا فائدة؟ إنها لم تستوقف قطار حياتها قليلًا حتى ترى هذا الأمر المهم، فقد واصلت السير حتى تزوجت رجلًا لم تهتم كثيرًا باهتماماته ولا أفكاره ولا آرائه، كان اهتمامها بهندامه وماله، فلم يعنها طوال مشوار عمرها على صوم أو صلاة، بل إن الدنيا تجذبه من كل أطرافه.

كل ما كنت تهتم به مع أولادها: ماذا أكلوا؟ وماذا لبسوا؟ ولا تخرج دائرة اهتمامها عن مدارسهم ودروسهم، وهي لا تتذكر أنها سألت أحدًا فيهم في يوم من الأيام هل صلى أم لا؟ ماذا حفظ من القرآن؟ هل يعلم سير الأنبياء أو حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ سبحان الله، إنها لم تهتم بذلك مطلقًا، بل كانت تجلس معهم أمام التلفاز طوال الوقت ليملي عليهم ما يريده صانعو برامجه وأفلامه ومسلسلاته.. تبًا لهم.. هكذا قالت، فلقد أضاعوا عليها من الخير الكثير، أفاقت على صوت شخير زوجها، أرادت أن توقظه لتروي له هذا الخير وتدعوه إلى الصلاة.. ونادت على زوجها ولكن ليس باسمه الذي اعتادته ولكنها أرادت أن توقظه بالآية القرآنية فرددت بصوت مسموع وهي تريت بحنان على كتفيه: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219).. فتح عينيه مرددًا: سبحانه وجل شأنه وعلا قدره، وبعد أن أكرمه الله بأداء الصلاة جلس بجانبها وقال: ما أجمل هذا الصباح المبارك الذي أسعدت نفسي فيه بما سمعت منك من قرآن، قالت: لقد كان تعجبي أكثر عندما استجبت لي بلا مشكلات ولا مشاحنات بل ولبيت نداء الله، لعلها هي المرة الأولى التي أراك فيها تصلي الفجر، تأوه بمرارة موافقًا على ما قالت ولكن قول الله تعالى: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219) كان قد تغلغل في نفسه وأضاء قلبه بنور الله، فهو لا يريد أن ينصرف حديثه إلى أمر آخر، قال لها: سأبوح لكِ بأمر عجيب قد حدث لي، فعند رجوعي أمس إلى البيت كنت أدير مؤشر المذياع في السيارة فتوقف المؤشر عند إذاعة القرآن الكريم.. هممت بتغييرها ولكني انشغلت، حيث إن شرطي المرور أوقفني وعندما واصلت سيري كان سبحانه يخاطبني، نعم يخاطبني أنا، فقد شعرت بذلك، أتدرين ماذا قال لي؟

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾ (الزمر: 67).

إن هذا القول الكريم قد هز كياني بأكمله، فقد كنت أسير بجانب البحر، نظرت إلى قبضة يدي وإلى البحر بجانبي وهالني الفرق وهذا لس ببحر ولا بحار ولكن الأرض جميعًا قبضته فما أعظم الله! لقد حفظت الآية بمجرد سماعها وشعرت وكأنها استقرت في قلبي فينبض بها فانسالت بعذوبة إلى كل أرجاء جسدي وأكمل ربي فضله علي بك، عندما جعلت قول الله: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219) هو الذي يوقطني لصلاة الفجر.

قالت له: لقد أنقذني أيضًا ربي بآية كريمة كانت حية متحركة بفعلي وفعلك.. يتنهد مظهرًا الندم والألم: عمري تعدى الأربعين عامًا والقرآن في كل أرجاء منزلي هل أقول لا أقرأ فيه؟ بل اقرأ وأحفظ ولكن كان هناك سد كبير بيني وبينه، قالت: نعم التحرك به فقد كان ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض.

ونحن كنا نمشي على الأرض نعم ولكن ليس بالقرآن.. أجهشت بالبكاء فاغرورقت عينيه بالدموع وهم واقفًا باتجاه حجرة الأولاد.. وضع يديه على زر الإضاءة فاتحًا مغلقًا فاستيقظ الأولاد فكبر للصلاة وأولاده في ذهول واندهاش، قال لهم: هل تعلمون من في زيارتنا ويرانا الآن. إنه الله يريد أن يلقاكم، نظر الأولاد بعضهم إلى بعض وهم نصف نائمين وهو يردد بصوت عذب ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219)

اليوم الصلاة بالمنزل ومن غد إن شاء الله ستكون في المسجد، وقف في صبر حتى اطمأن قلبه إلى صلاة الجميع وعندها ألح عليه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)﴾ (مريم: 55).

هتف في داخله: اللهم أرض عني واغفر لي وارحمني، رجع إلى زوجته قائلًا: منذ اليوم تراقبين الأولاد وتأمرينهم بالصلاة في مواقيتها، قالت: إنهم لا يستمعون إلى نصحي وقد يسببون لي الكثير من الإجهاد حتى يبادروا بالصلاة، قال لها: إذن تحركي بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)﴾ (مريم:: 55).

قالت: نعم، سآمرهم وأصبر عسى الله أن يرضى عني، وقامت الأخت الفاضلة الكريمة بكتابة لوحة كبيرة مكتوب عليها بالخط الكبير: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ (الشعراء: 218-219)

اجعلي الله يراك ساجدة عندما يدعوك إلى لقائه.

نظرت إليها وهي تعلق لوحتها بالمسجد وتحكي لأخواتها قصتها وغادرت المكان وأنا قريرة النفس هادئة البال، فالتحرك بالقرآن غير النفس البشرية تغييرًا مذهلًا، فإنا لم نذكر لها آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا كيف تتحرك بهما، ولكن بفطرتها كانت حركتها.

فكل ما نحتاجه أن نعمل على إزالة الأختام التي على السمع والقلب وغشاوة البصر، فهذه الأختام والغشاوة تجعلنا نردد الآيات بلا فهم ولا تنفيذ ولا تطبيق وهي دعوة للجميع أن نقرأ القرآن بروح نبينا محمد ﷺ وكذلك صحابته الكرام ونسأل أنفسنا دومًا عند قراءة الآيات: ترى كيف نستطيع إخراج هذه الآيات النورانية من بين السطور لتصبح ناطقة بنا يراها الجميع هاتفة بوحدانية الخالق نأتمر بما أمر وننتهي عما نهى؟

 

الهاتف الجوال.. وسيلة دعوة مغفول عنها

سراييفو: عبد الباقي خليفة

abdulbakihalifa@hotmail.com

ليست المشكلة في الهاتف النقال، كآلة أو جهاز، أو في أنواع معينة من الهواتف النقالة بما فيها المزودة بكاميرا تصوير، وإنما المشكلة في الشخص الذي يستخدمه.

ولذلك يركز الإسلام على حق المجتمع على الفرد، ويؤطره في منظومة متكاملة، وقد بدأ الغرب الذي غلب حق الفرد على حق المجتمع يراجع حساباته.

وهذا ما ينسحب على الهواتف النقالة التي تستخدم في إيذاء الآخرين لفظيًا أو تصويرهم دون إذن منهم.

وبدأ الاتحاد الأوروبي مشروعًا لاستغلال ولع الشباب بالهاتف النقال بعد انقضاء مرحلة الافتتان بالتلفزيون الذي كان قد قضى بدوره منذ الستينينات على الروايات المصورة التي كانت سوقها مزدهرة قبل ظهور الشاشة الصغيرة.

وقد عزف جمهور القراء عن الروايات المصورة، لكن البعض لا يزال يحن إليها ويؤكد أنه قرأ القليل أو الكثير منها.

وبعد 70 سنة تعود الروايات، ولكن هذه المرة عبر وسائل الإعلام الرقمية.

المشروع الأوروبي الجديد لا يهتم فقط بالهاتف الجوال بل بالإنترنت أيضًا، ويمكن متابعة القصص المصورة على الشبكة وعلى الهواتف النقالة في نفس الوقت، وذلك لأنها وسائل اتصال يحبها الشباب كثيرًا .

ويعتقد القائمون على المشروع الجديد أن الهاتف النقال والإنترنت سيعيدان للروايات المصورة وهجها من جديد ويعيد إليها جمهورها الذي سرقه منها التليفزيون.

ويمكن الاستفادة من الجوال بصورة كبيرة في مجال الدعوة إلى الله، وإرسال الرسائل الدعوية لعدد كبير من الناس حتى وإن كان بكلمة «اذكر الله» فضلًا عن حملة دعوية أو بيان صغير أو دعوة إلى الخير كالتبرع مثلًا، فقد استخدمت الهواتف النقالة في الدعوة لانتخاب مرشحين بعينهم في الانتخابات، وأثناء الاستفتاءات الشعبية، أو عند الاحتجاج على أمر ما، أو الدعوة إلى ما يفيد البلاد والعباد.

فما أحرانا باستخدام وسائل مماثلة لكسب الناس، فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

مقاصد القرآن الكريم للشيخ حسن البنا يرحمه الله

من وظائف القائد

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)﴾ (البقرة: 151).

تسير البشرية قدمًا نحو الكمال الذي كتبه الله لها يوم شاء أن يستخلف الإنسان في الكون وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا.

والبشرية في محاولتها هذه أحيانًا تستوحي الشعر والخيال وتستلهم منه صورًا رائعة جميلة وإن كانت بين الخطأ والصواب، وأحيانًا تستوحي الفكر والعقل فيرشدها إلى تجارب في تكوين الأمم، وتربية الشعوب كثيرًا ما تكون طويلة المدى، وكثيرا ما تنزع بها المماكسات (المبالغات) العاطفية ونحوها إلى جهة الخطأ، فتصبح عقيمة النتائج فاسدة الآثار.

لهذا اقتضت حكمة الله - تبارك وتعالى - ورحمته بالناس وهو ربهم البر الرحيم أن يشد أزر العقل والقلب بنواميس ونظم إلهية تقرب على الإنسانية المدى وترشد البشرية إلى مدارج الكمال الذي كتب لها.

وجاء الرسل الكرام بهذه النواميس وتلك النظم فكان كل منهم الزعيم الرباني لأمته الذي يصلها بأسباب السماء ويصف لها نظم الحياة في الأرض، تسمع عن زعماء الشعر وقادة العواطف، وتسمع عن أساطين العلم والأدمغة الكبيرة، وتسمع عن زعماء الأمم في السياسة والاجتماع والثورات الفكرية أو العملية، وتسمع عن قادة الحروب وبناة الدول، فتصف أولئك جميعًا بالزعامة وترى فيهم رؤوسًا تنهض بالإنسانية نحو الكمال.

فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في أمته زعيم رباني جمع الله له مظاهر الزعامة جميعًا، فهو يخاطب القلوب والعقول ويختط سبل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ويحدث في أمته وبها ثورة فكرية عملية تدفع الإنسانية إلى الأمام عدة مراحل.

والفرق بين الزعامتين: الزعامة المستمدة من قوى البشر والزعامة المستمدة من إمداد الله، أن الثانية صواب كلها لا خطأ فيها، وأنها أدوم أثرًا وأبقى على الزمن وأنها أعم وأشمل في نواحي الحياة كلها.

والفرق بين الزعماء الربانيين وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في القديم، وبين الزعيم الأخير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أن أحد أولئك - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما كان يأتي للأمة الواحدة أو الأمم المتجاورة، وهو إنما بعث للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأن الشرائع السابقة كانت عرضة للتبدل أو التغير أما الشريعة الختامية فقد كفلت بالحراسة الإلهية.

إذا تقرر هذا علمنا أية نعمة على البشر ينعمها الله تبارك وتعالى بالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وعلمنا الارتباط بين الآية الكريمة ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ وبين ما قبلها من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)﴾ (البقرة: 150).

أما وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أجملتها الآية الكريمة في هذه العناصر المباركة:

﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يصلكم بالحق ويبلغكم دستور السماء، ويتلو عليكم نظام الله الذي إن تمسکنم به سعدتم وإن هديتم بهديه رشدتم، فوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى تبليغ دستور الله لعباد الله.

﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهر أخلاقكم ويصفي نفوسكم ويطبعها على الخير ويغسلها من أدران الرذائل حتى تستعد لفقه هذا الدستور وتنشط للعمل به وتحرص على حمايته، فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى الأرض، فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس وتقوية الأخلاق وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه.

﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دور العلم وتلاه دور الحكمة، والعلم تلقي المعلومات ودراستها، والحكمة إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح، فأنت في مركز العالم منفعل وفي مركز الحكيم فاعل، وشتان ما بينهما وأولاهما من وسائل الثانية: فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضرة وقويت ملكته العلمية استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق فعلم ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.

أرأيت التدرج في هذا النسق البديع؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه فتفقهه وتتعلمه فتتذوقه وتفيض به فتكشف المساتير وتبني المستقبل على أساسه، إن هذا لهو الفضل العظيم.

أورأيت بعد ذلك كيف يجدد الزعيم الرياني أمته تجديدًا قويًا ثابتًا؟ وكيف يسير هذا التجديد في خطوات متناسقة مأمونة العثار؟ إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال وسيظل قائما والخطوات مرسومة وما بقي إلا وظيفة الأمة وذلك ما سنتحدث عنه إن شاء الله .

 

من وظائف الأمة الناهضة

﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154) ﴾ (البقرة: 152- 154).

قد رأيت في الإشارة الأولى وظيفة القائد وهنا نرى الإشارة إلى واجب الأمة.

تحتاج الأمة المجاهدة إلى قوانين لا بد منها لتنجح في مهمتها وتنتصر في جهادها، تحتاج إلى الإيمان القوي المتين المرتكز على قواعد ثابثة من روحها وفطرتها.. المستند إلى نبع فياض من قلبها ووجدانها، وتحتاج إلى قوة مادية يتشكل بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته.

ومن الناس من ينصرف إلى القوة الروحية في الأمة ويراها كل شيء، ومن الناس من ينصرف إلى المادة وحدها ويرى أنه لا حاجة إلى ما سواها، وكلا النظرتين يرى النهضة من جانب واحد والمصلح إنما ينظر إليها من كل ناحية: لا بد من الجانب الروحي الذي يستند إلى الإيمان والخلق وهو أول وأولى بالعناية، وهو الدعامة التي تستند إليها القوة المادية فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها، تبع ذلك حتمًا دوام التفكير في وسائل القوة المادية وتلا ذلك التفكير القوة نفسها، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في نظامه الحكيم الذي وضع الحياة الأمم ونهوضها، فها أنت تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ (الأنفال: 60).

وأساس القوة الروحية كما علمت الإيمان بالمثل الأعلى والتفاني في سبيل الوصول إليه، وكلما سما هذا المثل سمت نهضة الأمة، وتوفرت لها وسائل القوة وأي مثل أسمى من «سبيل الله» الذي تغني أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية ولا يجد النفعي ولا الوصولي ولا الدساس ولا المغرض إليه سبيلًا، لهذا كان المثل الذي وضعه القرآن الكريم لأمته وجعله أساس نهضتها الإيمان بالله أولًا.

ومن هذا الإيمان:

تستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:110)، وتستمد عزتها في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8)، وتستمد التأييد والهداية في قوله تعالى: ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ ﴾ (البقرة: 257).

وتستمد في النهاية النصر في قوله تعالي: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب الله والإيمان به وسلوك سبيله لا يكون في غيرها من النهضات أبدا وتأمل قول الله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ ﴾ (النساء: 104).

وعلى ضوء هذا البيان تتفهم الآية الكريمة وتعرف منها وظائف الأمة وواجباتها في النهضة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 125)، فالواجب الأول أن تستذكر الأمة دائمًا مثلها الأعلى وتجعله القائد في نهضتها والهادي في حيرتها، فيكون جزاء ذلك تأييد الله وتسديد الخطط ونجاح  الغايات.

والواجب الثاني أن تتعرف الأمة خطواتها ومدى نجاحها، وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خلقت له، فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلًا إلى نصر آخر، ولا تقف عند حد النصر الأول، فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى منتهى الكمال الممكن لها لا يلهيه نصر عن نصر ولا يشغله واجب عن واجب، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذي يلي غالبًا دور النصر والنعمة ولا تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ﴾ (البقرة: 153).

والواجب الثالث من واجبات الأمة أن تحتمل التضحيات وتصبر على المشاق في كفاحها ونضالها وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله تبارك وتعالى، واستمداد فيضه واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال.

فالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع، حتى إذا أضناها الجهد وأمضها الجلاد تجددت مرة أخرى بالصلاة، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه وقويت روحه.

وفي الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له في كلمة أخرى إن شاء الله، فإذا استعانت الأمة في جهادها بالصبر والصلاة كان الله معها وأدركها نصره وتأييده وظلت في كنفه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153).

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154)، وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة وهو واجب مهم إن أدته الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدًا، ولم يتطرق إليها الضعف يومًا من الأيام، ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنمًا لا مغرمًا، ونصرًا لا هزيمة، وتجارة رابحة لن تبور، وأن تعتقد أن الموت في ميدان الشرف هو حياة الخلود، وأن الفناء في سبيل الواجب هو عين البقاء، وهذا المعنى إن تشبعت به الأمة فهي لا شك منصورة مهما كان في سبيلها من عقبات، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة فكانت سر نجاحها.

أو لست تشيم بوارق النصر من قول عمير بن الحمام في بدر:

ركضًا إلى الله بغير زاد

أو من رجز الأنصار بين الصفوف:

نحن الذين بايعوا محمدًا.

إلا إن أعذب الأناشيد في أذن المجاهد المؤمن وأحلاها على قلبه ذلك الهتاف العالي المجيد ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).

ولقد جمعت الآية الكريمة في نسق واحد أركان النهضة، وهي المثل الأعلى في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152).

والقوة المعنوية في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ﴾ (البقرة: 153).

والقوة المادية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).

واعلم أنهما سبيلان لا ثالث لهما أولهما ما علمت وما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهو سبيل البقاء والمجد، وثانيهما ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19) وهو سبيل الفناء والتدهور، فأي سبيل من السبيلين تختار أمتنا ؟.

الرابط المختصر :