; المجتمع التربوي (1648) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1648)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1648

نشر في الصفحة 52

السبت 23-أبريل-2005

د. السيد محمد نوح

آفات على الطريق

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجًا لها..

وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلّف. وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.

قطيعة الرحم (1 من ٢)

مظاهرها وآثارها

 لقطيعة الرحم آثار خطيرة منها: الحرمان من العون الإلهي ونزع البركة من الرزق والعمر وتمزيق وحدة المجتمع.

قطيعة الرحم آفة ابتُلي بها نفر من العاملين، وكان لها دور كبير في الإسهام فيما تعاني منه الأمة المسلمة اليوم من الفرقة والقطيعة. وحتى تتطهر من هذه الآفة، وتتحصن ضدها، فإننا سنعرض لها من هذه الجوانب:

أولًا: تعريف قطيعة الرحم والمظاهر الدالة عليها:

لغة: قطيعة الرحم مُركب إضافي مؤلف من كلمتين:

أ- قطيعة: تأتي القطيعة على معان، نذكر منها:

1- الفصل، والإبانة، تقول: قطع الشيء قطعًا: فصل بعضه وأبانه، وقطع الثمر: جزّه.

2- الترك والهجر، تقول: قطع الصدق: تركه، وهجره، وقطع رحمه هجرها، ولم

يصلها2.

ولا تعارض بين المعنيين، إذ القطيعة: الهجران، والترك، أو الصد على سبيل الفصل والإبانة.

ب- الرحم: تطلق الرحم على معان، نذكر منها:

1- موضع تكوين الجنين، ووعاؤه في البطن.

2- القرابة غير العصبة، وغير ذوي الفروض، كبنات الإخوة، وبنات الأعمام.3

3- القرابة مطلقًا، أعم من أن تحرم بينها المناكحة، أو لا تحرم.

ولعل التعريف الثالث أولى، لأنه الذي يتفق مع جوهر الإسلام الذي يدعو إلى الوحدة، والتآلف، لا إلى الفرقة، والتباغض.

قطيعة الرحم اصطلاحًا: هي هجر الأقارب هجرًا يتمثل في عدم البرّ بهم. والإحسان إليهم، وتوفير ما هم بحاجة إليه، بل ربما إيذائهم باليد أو باللسان، أو بهما معًا دون توقف، أو انقطاع.

ثانيًا: مظاهر قطيعة الرحم:

ولقطيعة الرحم مظاهر تعرف بها، منها:

1- الإيذاء باللسان من: الغيبة، والنميمة، والإشاعات، وإفساد ذات البين، والسَب، والشتم واللمز، والتنابذ بالألقاب، ونحوها.

2- الإيذاء باليد من: الضرب والحرمان من العون المادي والمعنوي.

3- عدم تحمل أذى ذوي الأرحام، اللساني واليدوي.

4- عدم العفو عن أخطاء ذوي الأرحام، ومسامحتهم.

5- حجب المعروف عنهم من: السؤال، والمواساة وقت الشدة، والتهنئة بالنعمة، والزيارة، وإبراز فضلهم، ومكانتهم والابتسام في وجوههم، والإفساح في المجلس، وهلم جرَّا.

ثالثًا: آثار قطيعة الرحم وعواقبها:

لقطيعة الرحم آثار ضارة، وعواقب وخيمة تتمثل في:

أ- على العاملين: أما آثار قطيعة الرحم على العاملين فكثيرة نذكر منها:

1- حلول اللعن الإلهي: ذلك أن الله لا يثني على قاطع الرحم، ولا يدنيه منه، ولا يصيبه برحمته بحال.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: 25).

2- الحرمان من العون والتأييد الإلهي: ذلك أن الله سبحانه أمضى سنته بوصل من وصل رحمه وقطع من قطع هذه الرحم، ولا معنى لقطيعة الله للعبد سوى الحرمان من العون، والتأييد، وقد وردت النصوص بذلك، إذ يقول ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»..

وإذ يقول: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله ﷺ: اقرأوا إن شئتم ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ﴾ (محمد: 22- 24).4

وإذ يقول ﷺ أيضًا: «قال الله-تبارك وتعالى- أنا الله، أنا الرحمن، خلقتُ الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بنته»5.

3- نزع البركة من الرزق، والعمر: ذلك أننا موعودون من ربنا- حين نصل رحمنا- بالبركة في الرزق، والبركة في العمر، فإذا ما كانت قطيعة كان العقاب بنزع البركة منهما معًا، إذ يقول ﷺ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ في أثره فليصل رحمه».

والواقع يصدق ذلك، إذ رأينا قاطع الرحم يتنكر له أرحامه ويتركونه وحده في العراء فيعتدي عليه الآخرون، وقد يسلبونه ماله، فيعيش في ضيق، وفقر، كما يعيش مكدود البال والخاطر فيضيع عمره بددًا بلا طائل، ولا فائدة.

 4- عدم قبول العمل: خلق الله الإنسان، وفيه من الضعف ما يجعله ينهار أمام الإغراءات والشهوات كما خلق فيه من القوة ما يمكنه من المقاومة لو أراد، وحين يقاوم المرء نفسه، ليصلح من شأنه، ويسدد مسيرته، وتبقى له أخطاء، فإن هذه الأخطاء لا تحول دون قبول الطاعات أو الصالحات إلا خطأ قطيعة الرحم، فإنه يمنع قبول أي طاعة، وأي عمل صالح.

يقول ﷺ: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم».

5- تعجيل العقوبة في الدنيا: كل ذنب يقتضي حلول العقوبة، إن عاجلًا، أو آجلًا، إلا ذنب البغي، وقطيعة الرحم، فإن الله يعجل عقوبتهما في الدنيا شفاء لصدور ذوي الأرحام من ناحية، وتحذيرًا للآخرين من التورط في قطيعة الرحم من ناحية أخرى، إذ يقول ﷺ: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا-مع ما يدّخر- من البغي، وقطيعة الرحم».6

6- الحرمان من الجنة: ذلك أن الله جعل الجنة دار المثوبة، والمكافأة في الآخرة لمن آمن وعمل صالحًا، ومن قطع رحمه لم يعمل الصالحات بل ربما استحل ذلك فيكفر والعياذ بالله، فيكون مصيره الحرمان من الجنة، إما على الدوام أو لفترة تتناسب مع هذا الجرم، ثم يكون العفو، ودخول الجنة، يقول ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع».

7- كراهة ذوي الأرحام للقاطع ودعاؤهم عليه، والتخلي عن نصرته: ذلك أن حَجب البر والمعروف عن ذوي الأرحام، بل أذاهم، والإساءة إليهم يحملهم على كراهية القاطع، ودعائهم عليه، ودعوتهم مجابة للحديث: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»7، بل إنهم ليتخلون عن نصرته، ومؤازرته، فينال الناس منه.

8- فقد القاطع ثقة الناس واحترامهم، ذلك أن الناس يثقون بمن يعطف على أهله، ويحترمونه، فإذا قطع رحمه سحب الناس ثقتهم به واحترامهم له من باب: أنه إذا لم يكن فيه خير لقراباته، فلا خير فيه لأحد أبدًا.

9- القلق والاضطراب النفسي: ذلك أن قاطع الرحم مرتكب كبيرة من الكبائر، ومثل هذا يسود قلبه على مدار الأيام، وسواد القلب مرضه، وقلقه واضطرابه، وصدق الحق سبحانه إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 124)، وإذ يقول: ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (الجن: 17).

ب- على العمل الإسلامي: وأما آثار قطيعة الرحم على العمل الإسلامي فتتمثل في:

1- تمزيق وحدة المجتمع والأمة: ذلك أنه إذا تقطعت الأرحام، فقد تمزّقت وحدة المجتمع والأمة وإذا تمزّقت وحدة المجتمع والأمة صار من السهل على الأعداء النَيِل من كرامة المجتمع، والأمة بالسيطرة على الأرض، وأخذ الثروات والعمل على تغيير الهوية والثقافة.

2- كثرة التكاليف، وطول الطريق: وحين ينال الأعداء من كرامة المجتمع والأمة، ويعمل أبناء هذا المجتمع، وهذه الأمة على التخلص من هؤلاء الأعداء، فإنهم يعانون من كثرة التكاليف جهدًا ووقتًا ومالًا فضلًا عن طول الطريق.


 من أمهات المؤمنين

«سودة بنت زمعة» رضي الله عنها

الراجية أن تكون من زوجات الرسول الكريم في الجنة

هي سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد الأنصاري من بني عدي بن النجار.

أسلمت بمكة المكرمة، وهاجرت مع زوجها السكران بن عمرو- ابن عمها- إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك بعد أن تركها عجوزًا مسنة ولها ستة صبية، وأصبحت وحيدة تخشى أن يجبرها أهلها على العودة إلى عبادة الأصنام التي تكفر بها.

وبعد وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد «رضي الله عنها» بثلاث سنوات قالت خولة بنت حكيم للرسول الكريم وهو بمكة المكرمة ألا تتزوج فقال ومن؟ قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه، فقال الرؤوف الرحيم بالمؤمنين: فاذهبي فاذكريها علي، فدخلت عليها وقالت: أي سودة، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذلك؟ قالت: أرسلني رسول الله يخطبك عليه؟ فقالت: وددت، ادخلي على أبي فاذكري له ذلك وكان والدها شيخًا كبيرًا، فدخلت عليه فحيته ثم قالت: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب سودة قال: كفء وكريم فماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك.

كان زواجه ﷺ بها في رمضان في السنة العاشرة للهجرة المباركة، وقد خص الرسول ﷺ لكل زوجة بيتًا خاصًا بها، ولم تتردد أم المؤمنين سودة في إيثار أم المؤمنين عائشة بإخلاصها ومودتها، وكانت قد دبّت الشيخوخة إلى جسدها النحيل فطلبت من رسول الله ﷺ أن يمسكها قائلة: «أمسكني ووالله ما بي على الأزواج من حرص ولا رغبة في الدنيا إلا أن أُحشر يوم القيامة في أزواجك في الجنة، فيكون لي من الثواب ما لهن» فسرحها رسول الله ﷺ إلا أنها لم تستطع العيش بعيدًا عن الرسول الكريم، فجمعت ثيابها وجلست في طريقه الذي يخرج منه للصلاة فلما قرب منها بكت وقالت: يا رسول الله هل غضبت علي في الإسلام؟ قال: اللهم لا، قالت: فإني أسألك أن تراجعني، فراجعها وعندها قالت: يا رسول الله يومي لعائشة في رضاك لأنظر إلى وجهك، فوالله ما بي ما تريد النساء، ولكني أحب أن يبعثني الله في نسائك يوم القيامة».

نزلت بحقها آية الحجاب، وروت عن رسول الله أحاديث شريفة، توفيت «رضي الله عنها»، في آخر زمان الخليفة عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» وبقيت السيدة عائشة رضي الله عنها تذكرها وتؤثرها بجميل الوفاء والثناء في حياتها وبعد مماتها.

  محمد مصطفى ناصيف


فراسة المؤمن

رؤية مستقبلية واضحة

 الذنوب تسبب خللًا في العقل والروح والبدن.. وهي مغيرة للنعم مدمرة للفرد ساحقة للحضارات.

حمدي شعيب

الفراسة تُستمد من واقع الخبرة، والدراسة العميقة للفقه الحضاري. والرواد كانت لهم خبرة ودراية بعوامل السقوط والنهوض والتداول، فلم يغرهم الحاضر، وقرأوا الأسباب الحاضرة المؤدية للمستقبل المغاير، فأنذروا قومهم لعلهم يحذرون أو يرجعون.

تلك الركيزة التي تفسر لنا أن من بعض أسرار وأسباب وصف المؤمن بالفراسة، وأنه يرى بنور الله سبحانه، أنه يفقه سننه سبحانه الإلهية، ومن خلال هذا الفقه فإنه يستطيع أن يمتلك الرؤية المستقبلية الاستشراقية، وذلك باستقراء حوادث الماضي، ومن خلال فقه الواقع والأسباب الحاضرة.

والمؤمن وحده، يحتكر «ظاهرة الأنس الكوني»، وهي سمة التناسق والتوافق والتعاون والأنس مع الوجود.

ويشعر المؤمن أنه والوجود كله عبارة عن ستار لقدر الله، يتم بهم على الأرض قدر الله وحركة السنن الإلهية، وأنه كأحد الخلائق، التي يجري بهم الخالق سبحانه سننه وأقداره، وبحركتهم تتم العملية التغييرية.

شهداء.. على عصرهم.. وأممهم!

وهناك سمات عامة تجمع خطابهم، سواء من الجانب التربوي أو الإداري فمنها:

- الفراسة الإيمانية «الرؤية المستقبلية».

- الرؤية البصيرة المميزة «مهارة التحليل».

- القدرة على الحوار، وقوة الحجة والمنطق «مهارة التفاوض والاتصال».

- الثبات على المبدأ.

- الدراية بالواقع وأخباره.

- المبادرة «الإيجابية».

- حب الخير «التوازن في العلاقات والإنجاز».

- الدراية بالتاريخ وأحداثه، «الفقه الحضاري».

- الرجولة، وتحمل تبعات الموقف، أو «القيادية».

وهذه السمات كلها تندرج تحت معنى شامل لها، وهي صفة الرائد الذي لا يكذب أهله.

ونقصد بهذه السمات، أنها ركائز شخصية الشهيد، الذي يتحمل تبعات مقام الشهادة على الواقع وأحداثه وأشخاصه وأشيائه، كما تحدث عنها القرآن الكريم

 ﴿وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: 78).

ولهذا فإن أبناء التيار الإسلامي، يجب أن يستشعروا دورهم القيادي الريادي، وتبعاته الشاقة لأنهم يمثلون الأمة التي جعلها الله شهيدة على الناس، وذلك بشرط الالتزام بالمنهج والجهاد في سبيله.

المدمرات.. المغيرات..

وسنختزل قضية فقه السُنن الإلهية، أو قضية الفقه الحضاري، من خلال المنظور التربوي، إلى قضية هذه الدراسة المتواضعة، وهي فقه سنة الله في الذنوب والسيئات، أو قانون الذنوب والسيئات ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: ٥٢) حتى نتبين آثار الذنوب والسيئات على الفرد والمؤسسات والجماعات والأمم.

وسنخلص إلى حقيقة ثابتة هي:

أن الذنوب مغيرات للنعم والخيرات.. مدمرات للفرد والمجتمعات.. ساحقات للحضارات.. وماحقات للبركات! فالذنوب ما هي إلا قوارض أو سوس ينخر في عظام الحضارات حتى يسقطها، ويؤيد ذلك الكثير من الشواهد القرآنية والنبوية والتاريخية والواقعية.

والشواهد القرآنية، تعلمنا الخطوات المنهجية لدراسة الفقه الحضاري:

1- الخطوة الأولى، في أمره سبحانه وتعالى بقراءة التاريخ البشري، والتدبر العميق

في ناموس التغيير الحضاري: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).

2- ويقرر سبحانه أن الذنوب والمعاصي، هي سبب عملية التغيير الحضاري:

﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21).

3- ويخبرنا سبحانه أن الكوارث والزلازل إنما تأتي نتيجة لما اقترفته أيدي البشر

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41).

4- ثم يبين الحق سبحانه كيف تتم عملية التغيير والتبديل الحضاري، وكيف يعمل ناموس التاريخ في الأمم؟! ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (الأنعام: 6).

الأكلة

أما على المستوى الفردي، فإن الذنوب تسبب خللًا في توازن التركيبة الثلاثية للإنسان التي هي البدن والعقل والروح وتبدأ الذنوب عملها في الجانب الروحي فتؤدي إلى حدوث تصدعات روحية وشروخ نفسية.

وهذه التصدعات والشروخ قسمان:

القسم الأول: التصدعات الظاهرة:

وهي الآثار المعلومة، وهي كثيرة، فمنها:

1- الذنوب سبب المصائب!

2- تضعف مقاومة الفرد للشيطان!

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155).

3- المحقرات.. المهلكات! وصغار الذنوب! لها آثارها التراكمية المهلكة: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه».

4- ثُمانية العجز.. ورباعية الابتلاءات! فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه

مرضًا مخوفًا، أو يضعف قوته ولا بد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي أستعاذ منها النبي ﷺ: وهي: «الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال».

والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة للرباعية التالية:

«جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء».

ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته إلى نقمته، وتجلب جميع سخطه.. وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله.

أثاث البيت

مصباح

شبه الله الرسول بالسراج المنير لأنه جلى به ظلمات الشرك

إيمان مغازي الشرقاوي

حين ننظر إلى المصباح المعلق في أعلى السقف أو المتدلي منه، وحين نرى الضوء المنبعث من المصباح بجانبنا نتذكر أشياء كثيرة.. نتذكر ضوء الشمس.. نتذكر نور الخير.. نتذكر عدل عمر.. ونرى مصباح البيت، ومصباح الجسم فنشكر ونقر.. يا ربي حمدًا لك.

والمصباح في اللغة: السراج.. وقد «استصبح» به: إذا أسرجه.. وقد ذكُر «المصباح» في القرآن الكريم، كما ذكر في السنة المطهرة.. قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: 35).. وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه».. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: شبه قلب المؤمن في صفاته في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف.. ويبين لنا رسول الله ﷺ أنواع القلوب فيقول: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة بعدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة بعدها الدم والقيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» (أخرجه أحمد).

والمؤمن صاحب القلب المنير بنور القرآن يتقلب في خمسة من النور كما قال أبي بن كعب رضي الله عنه: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة.. السراج المنير: ورسول الله ﷺ جاءنا بالنور ودعانا إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45- 46).. قال الزمخشري: شبهه بالسراج المنير لأن الله جلى به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يُجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به.. مصباح الأرض: الشمس.. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (النبأ: 13)، ومصابيح السماء النجوم.. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الملك: ٥) وسيأتي يوم يتغير فيه مطلعها ويتبدل حالها، قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا».

مصباح البيت: الوالدان.. ونجومه الزاهرات: الأولاد.. وبيت بلا مصباح يعمه الظلام، وتنطمس فيه الصور الجميلة، كما أن بيتًا بلا نجوم يفتقد الجمال وتنقصه الزينة.

مصباح الجسم: العين، وهما الحبيبتان إلى النفس، وهما بمثابة المصباح، وبهما يستضيء الإنسان ويبصر طريقه، ولذلك فقد بشر الرسول ﷺ من فقد نور عينيه فصبر بدخول الجنات، وتحدث الله عنهما كثيرًا في القرآن وامتن بهما فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ (البلد: 8)، وجمع بينهما وبين القلب فقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 37). فالعين تبصر الظاهر والقلب يبصر الباطن، وإذا امتلأ القلب بالهدى والنور أنار مصباح العين الطريق إلى نظرة الرحمة والمحبة والتواضع، وسد في وجه نظرات الاحتقار أو الحسد أو تتبع العورات.

مصباح عمر: مصباح العدل والورع والرحمة، فقد كان لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مصباح يكتب عليه حوائجه ويستضيء به ومصباح آخر لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين لا يكتب على ضوئه حرفًا لنفسه!

إذن فالمصابيح كثيرة، وإذا ما رأينا المصباح تذكرنا كل ما مضى وزاد حبنا له وقويت صلتنا به وشكرنا الواهب المنعم.

1  أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت.

2  المعجم الوسيط 2/745 – 746، الصحاح في اللغة والعلوم ص ٩٣٥.

3  المعجم الوسيط 1/335، الصحاح في اللغة والعلوم ص 373.

4  الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب الأدب: باب من وصل وصله الله ص ١٠٤٨، رقم 9587، وكتاب التفسير: سورة محمد: باب «وتقطعوا أرحامكم».

5  الحديث أورده المنذري في: الترغيب والترهيب 3/340، من حديث أنس مرفوعًا، وعقب عليه بقوله: «رواه البزار، وإسناده حسن»، والهيثمي في: مجمع الزوائد 8/151.

6   أخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة.

7  سبق تخريجه.

8  مركز ولدي الطبي للأطفال بدمنهور- مصر.

الرابط المختصر :