العنوان المجتمع التربوي (1736)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 70
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 52
السبت 27-يناير-2007
تاملات في قصة الفداء (10)
امرأة تظللها الملائكة بأجنحتها!
* آسية امرأة فرعون.. جادت بنفسها لله حين آثرت ما عنده وتخلت عن الدنيا وزخرفها
* رسالة لكل امرأة مسلمة للتأسي والاقتداء والاستعلاء على سفاسف الأمور بمغالبة سلطان الهوى والشهوات
* القصة تثبت أن المؤمنين لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم
إيمان مغازي الشرقاوي
لم تكن تدري، وهي تقف أمام مرآتها لتزين يديها ورجليها بالأساور الجميلة الذهبية، أو تجمل عنقها وجيدها بالسلاسل النفيسة الملكية، أنها ستنزع منها انتزاعًا، لتحل مكانها قيود ثقيلة من الحديد، وأوتاد تشل حركتها ومن ألمها وعذابها تزيد .. لم تكن تعلم كل ذلك، فقد أبى زوجها الطاغية إلا أن يطغى عليها ويسقيها من كؤوس العذاب المزيد.
إن بطلتنا هذه المرة قد خلد القرآن ذكرها، ورفع قدرها وجعلها مثلاً للمؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين فقال عنها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (التحريم: 11). فقد ضربت لنا هذه المرأة المحبة لربها، نوعًا جديدًا من أنواع الفداء إنه نوع ذو سمة خاصة تميزه، ولا يجرؤ على تقديم هذا النوع إلا القليل، إنه فداء من نوع عال رفيع كمكانتها العالية الرفيعة فاستحقت به درجة الكمال التي لم يحظ بها إلا نزر يسير من النساء بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (الشيخان).
رحمته صغيرًا فهداها الله به كبيرًا
إنها آسية بنت مزاحم.. ملكة مصر ... وامرأة فرعون، التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم وأكرمها بأن ساق لها نبيه الكليم - موسى عليه السلام - وهو طفل رضيع ليتربى في قصرها وتحت نظرها. وقد قص الله علينا ذلك في القرآن الكريم فقال: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: 9)، فهي التي شرعت تدافع عن حياة موسى وتخاصم وتذب دونه تحببه إلى فرعون بهذا القول، لكن فرعون يدخل قلبه الغرور والكبر، كما سكنه من قبل الجحود والكفر، هل ينساق وراء امرأة يتأثر بحبها فيسمع لقولها ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا﴾ (القصص)؛ لذا نجده يأبى مجرد إرضائها ولو بلسانه، بل يضيف ردًّا على قولها: أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان موسى قرة عين لها دون ذلك الفرعون وكانت نظرتها ثاقبة وفراستها صادقة، وقد حصل لها أعظم النفع والهداية به، وأسكنها الجنة بسببه، وأهلك فرعون على يديه.
الامتحان الصعب
وآسية هي التي جادت بنفسها وروحها لله حين آثرت ما عنده، فتخلت عن الدنيا وزخرفها، وصبرت على أذى زوجها وعذابه حتى لقيت ربها شهيدة في سبيله لتكون مثلاً رائعًا في حب الله والثبات على هداه ومصباح هداية لكل العاملين والعاملات إلى يوم الدين وقدوة لكل المسلمين والمسلمات بعد أن ذكرها ربها وأعلى شأنها وزكى روحها.
وحين نجحت آسية في الامتحان الصعب، وتخطت ابتلاء الفداء الكبير اختارها الله تعالى إلى جواره، وبنى لها عنده سبحانه بيتًا في الجنة وضمن لها أعظم الجوار مع سعة الدار.
روى أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكان إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فكشف لها عن بيتها في الجنة، فيا لها من رفعة وسمو ويا لها من كرامة وعلو!
المقام الرفيع
ولِمَ لا يعلي الله تعالى قدرها ويرفع مقامها، وقد كانت تتقلب في شتى أنواع النعيم، وترفل في ثياب النعمة، وتتقلب في أحضان العز ليل نهار، لكنها حين آمنت وامتزج حب الله عز وجل بكل ذرة من قلبها ودمائها وكيانها، رأت كل ذلك النعيم بمنظار آخر غير ما يراه سائر الناس، فكل ما تعيشه من نعيم يحسدها العدو عليه ويغبطها بسببه الحبيب، كل ذلك لا يساوي غمسة واحدة في نار جهنم، ولا ذرة نعيم في جنة الرضوان والخلود، وفي هذا يقول أنس بن مالك: «يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار فيقال: اغمسوه في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقال: لا، ويؤتى بأشد الناس ضرًا في الدنيا فيقال: اغمسوه في الجنة غمسة، ثم يقال له: هل رأيت ضرًا قط فيقول: لا».
أيقنت تمامًا أن الدنيا دار الغرور، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، بل إن كل ما تحياه من عز الملك وصولته لا يرفع من قدرها أمام العزيز الجبار، حين يقف الجميع أمامه في يوم القيامة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وأن هذا الملك والجاه والسلطان الذي تعيشه هي وزوجها لا جدوى منه ولا رفعة في الآخرة - وإن رفع في الدنيا - ما لم يمتزج بحب الله عز وجل، ويظهر إيمانًا وانقيادًا وطاعة وقبولاً وذلاً واستسلامًا. لذا فقد فضلت الآخرة الباقية على الأولى الفانية، وآثرت الإيمان بربها وإن خالفت زوجها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأحبت ملكها الحق تبارك وتعالى الذي يملك وحده قلبها، وروحها، وإن تسلط عليها زوجها أو ملك منها جسدها...
لذا فلم تبال بالعذاب روی ابن جریر عن سلمان قال: «كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس. فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة».
صبر وفداء
جاء في مختصر تفسير ابن كثير وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنه لا تضرهم مخالطة الكافرين، إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ﴾ (آل عمران 28)، وقال قتادة كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه…
دروس وعبر
حين يقرأ كل منا هذه الآيات التي تنبض بحب الله عز وجل وتوحي باليقين، ترى فيها دروسًا كثيرة، تنفع في الحياة وزادًا طيبًا لشحذ الهمم وقوة الأرواح، إنها قبس من النور في طريق الظلام فلقد عاشت لتموت بل وماتت لتحيا، لكن بعد أن قامت بدورها خير قيام وقدمت لنا الكثير.
فماذا قدمنا نحن؟
إن هذه القصة نداء لكل من انحرف عن جادة الطريق أو حاد، فداهن أو تهاون في دين الله، كما أنها أيضًا دعوة لتغيير المفاهيم لكل من يحتقر المرأة أو يظن أن منزلتها أدنى من الرجال، وفيها إحياء الأمل في النفوس بأن الصبر لا يأتي إلا بخير، وأن الثبات على الحق من أعظم رسالات الحياة، إن سطورها وحروفها لو نطقت لأكدت لنا أن قيمة ما يقدمه الإنسان ذكرًا كان أو أنثى إنما هو بقدر نصيبه من الالتزام بدين الله، وبما قدم له من نصر وتأييد ونشر وإحياء ينفع به العباد.
إنها رسالة لكل امرأة مسلمة للتأسي والاقتداء والاستعلاء على سفاسف الأمور بمغالبة سلطان الهوى والشهوات، فكم من امرأة فاقت بعملها الكثير من الرجال، وفي هذا كله دعوة إلى العمل والثبات امتثالاً الأمر الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).
==================
الأمة بين الصالح والمصلح
في محطة القطار اجتمعوا ليودعوا صديقهم المسافر إلى مدينة الإسماعيلية - شمال مصر- ليتسلم عمله الجديد هناك. وفي انتظار وصول القطار أمضوا وقتهم يتجاذبون أطراف الحديث. كان من بين المودعين رجل ذو تقوى وصلاح كان آخر ما قاله وهو يودع الصديق المسافر إن الرجل الصالح يترك أثرًا صالحًا أينما حل، ونحن نأمل أن يترك صديقنا أثرًا صالحًا في هذا البلد الجديد عليه.
قطعت صافرات القطار شجون حديثهم، فهموا بوداع صديقهم الذي استقل القطار وجلس وحيدًا يفكر في المجهول الذي ينتظره في الإسماعيلية، وفي تلك الكلمات التي سمعها والتي أخذت مكانها في نفسه، والتي عاش بها وعاش لها بقية حياته التي لم تدم طويلا.
لقد أيقن أن الأمة ليست في حاجة إلى نموذج الفرد الصالح بقدر حاجتها إلى نموذج الفرد الصالح المصلح الذي يجب أن يترك أثرًا صالحًا أينما حل. فالواقع البئيس للأمة اليوم يدعونا أن نتساءل: ما جدوى وجود أهل العلم وأهل الخير، كل داخل محرابه، بينما المجتمع من حولهم يعج بصنوف الفساد والمفسدين ما فائدة علم لا ينفع المجتمع ولا ينهض به ولا يعالج مشكلاته ويضمد جراحه!! ما فائدة أبحاث ودراسات ومؤلفات بذلت فيها الجهود الميدانية المضنية ومع ذلك انتهى بها المقام إلى أن تكون حبيسة الأدراج!
طارق حسن السقا
================
الغيث والمطر في القرآن الكريم
أيمن الشاذلي
جل المعاجم اللغوية لا تفرق في المعنى بين كلمتي الغيث والمطر؛ فالغيث عندهم بمعنى المطر، وفي الوسيط الغيث المطر، أو الخاص منه بالخير وجمعه غيوث وأغياث.
والمطر: الماء النازل من السحاب وجمعه أمطار.
فكيف عبّر القرآن عن الكلمتين، وهل هناك فرق بينهما؟ هذا ما سنحاول توضيحه من خلال تأمل الآيات التالية:
- وردت حروف (غيث) في ستة مواضع من القرآن أربعة منها في سور مكية، واثنان في سور مدنية.
- وردت كلمة الغيث، في القرآن (معرفة) في موضعين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾ (لقمان 34 - مكية). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28 - مكية).
وجاءت (نكرة) في موضع واحد في قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد 20 - مدنية).
وجاءت حروف الكلمة في شكل فعل دال على طلب الغوث والنصرة في ثلاثة مواضع:
في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم﴾ (الأنفال - مدنية).
وفي: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ﴾ (الكهف 29 - مكية).
وفي: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ﴾ (الأحقاف 17 - مكية).
ومن خلال استعراض الآيات السابقة نجد أن القرآن الكريم استخدم الحروف الثلاثة (غيث) فيما يدل على النفع والرحمة أو الدلالة على طلب النفع أو الاستنجاد والنصرة.
وأما كلمة المطر، فقد جاءت في تسعة مواضع في القرآن سبعة منها سور مكية واثنان في سور مدنية.
جاءت (اسما) في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 102 - مدنية).
وفي ﴿قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأحقاف: 24) وفي: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ (الشعراء: 173).
وفي: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ (النمل: 58).
وجاءت فعلاً ماضيًا مبنيًا للمعلوم في خمسة مواضع في قوله تعالى:
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84).
وفي: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82).
وفي: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ (الحجر: 82).
وجاءت فعلا ماضيا مبنيا للمفعول في موضع واحد في قوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ (الفرقان: 40).
وفي: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ (الشعراء: 173)..
وفي: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ (النمل: 58)..
ووردت (فعل أمر) في موضع واحد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال: 32 - مدنية).
وبالنظر إلى الآيات الواردة في المطر تجد أن القرآن استخدمها مع الأذى، ونزول العذاب، ولعل استخدام القرآن لكلمتي (الغيث والمطر) بهذا التشكيل الصيغي كان استخدما دقيقًا للتفرقة بين دلالة الغيث على النفع ودلالة المطر على الضرر والعذاب.
ويقول الدكتور أحمد مختار عمر في قاموس القرآن: ذهب كثير من اللغويين إلى ترادف لفظي الغيث والمطر وتطابقهما في المعنى، ولكن تتبع استعمال القرآن يدل على وجود صفة مميزة تفرق بينهما بعد إشراكهما في أصل المعنى، وهذا يتمثل فيما نقله الثعالبي من أن المطر إذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث، وفيما نقله القرطبي والغيث: المطر، وسمي غيثًا: لأنه يغيث الخلق، وقد عقب القرطبي نقلاً عن الماوردي قائلاً: والغيث ما كان نافعاً في وقته. والمطر قد يكون نافعًا وضارًا في وقته وفي غير وقت.. (الجامع لأحكام القرآن).
ويعقب الدكتور عمر قائلا: ولا شك أن الاستعمال القرآني يؤيد هذه التفرقة الدقيقة في المعنى، وهذه إشارة إلى أن الغيث يستخدم في النفع بينما يستخدم المطر في الضرر .
===================
السلولية.. لها في كل حين بنون!
محمد علي الخطيب (*)
لا عجب أن يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل منافق عليم اللسان، وذلك لشدة خطره، وفداحة ضرره، وعظيم فتنته، بما أوتيه من حلاوة لسان وبراعة كلام يأسر مستمعيه، ويأخذ بألبابهم، ويخدعهم بقدراته التعبيرية، وصوره البلاغية، فيقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا، ويسوقهم على هواه حتى يرديهم...
نفاق يسميه شياطينهم بغير اسمه تقية ومداراة، ولكن الحق الخبير ببواطنهم الخبيثة فضحهم ووصفهم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾(البقرة: 204). قال المفسرون: هو الأخنس بن شريق كان منافقاً حلو الكلام للنبي صلي الله عليه وسلم يحلف أنه مؤمن ومحب له فيدني مجلسه فاكذبه الله في ذلك، ثم مر يزرع فاحرقه وحمر لبعض المسلمين فعقرها ليلا، ولكن العبرة كما يقول الأصوليون - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأمثاله كثيرون. تعرفهم بسيماهم، ولتعرفتهم في لحن القول.
ووسائل كشف الكذب والنفاق عديدة، أشار إليها الكتاب العزيز.
ووصف الله سبحانه هذه الطائفة الخبيثة في سورة المنافقين بجمال الأجسام وضخامتها وحلاوة اللسان وعذوبته، وقد يخدع البصر والسمع فاقتضى التحذير من عداوتهم ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون: 4).
هؤلاء:
- آمنت ألسنتهم وكفرت قلوبهم.
- يبدون المحبة والموالاة، وقلوبهم تتميز غيظًا.
- يظهرون التسامح والتعايش والمرونة تقية ونفاقًا، فإذا صارت لهم شوكة ودولة لم يرضوا إلا باستئصال شافة المخالف لهم.
- يريدون الفتنة، ويسعون فيها، ثم يرمون البرءاء بها، ويحذرون منها.
- يشقون الصف، ثم يزعمون أنهم يريدون وحدته.
- يوهنونه ضعفًا، ولكنهم يتظاهرون أنهم يبغون عزته ورفعته وقوته.
- يدعون التقريب، ويسعون بالتخريب.
رأيت -منذ وقت قريب- رأسًا من رؤوسهم يختطب، فكأني أرى رأس النفاق في المدينة عبد الله بن أبي بن سلول كان قبحه الله - من شدة مكره وخداعه للمؤمنين، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة، فيقول: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا! ثم بعد كل هذا الكلام الجميل المعسول لا يدع فرصة للكيد والفتنة بين المسلمين إلا انتهزها. وهذا حال خطيب السوء المنافق عليم اللسان حلو العبارة يحلف الأيمان المغلظة أنه يحبك ويريد لك الخير، ويسر بنجاحك، وتقر عينه برؤيتك. ثم يدبر بليل لإلحاق الفشل والسوء والأذى بك، كحال رئيسه ابن سلول تمامًا!
ولا عجب، فهؤلاء المنافقون ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْۚ﴾ (الفتح: 11). والكذب دينهم وديدنهم والتقية شعارهم ودثارهم، بل هو ركن ركين عندهم يتقربون به إلى الله تعالى حتى عرفوا به على مر العصور.
يعلنون في الملأ عداوتهم لليهود ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: 14)، وفي البخاري: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
وإن يقولوا تسمع لقولهم، وتفرح بحلاوة لسانهم وطلاوته، ويعجبك ما يظهرون من حماس وحرص على مصالح البلاد والعباد، فإذا تولوا سعوا في الأرض فسادًا، وأهلكوا الحرث والنسل، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم يريدون الإصلاح، وما الإصلاح أرادوا، ومن ثمارهم تعرفونهم، وقد أحسن الشاعر، وصورهم ادق تصوير، عندما قال:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
يحمون البلاد من عدوها المتربص وهم أعدى منه، ويصنعون له كل ذريعة، ليفتك ويبطش ويدمر، وليصطلي الناس بلهيب القلق والهلع والعنف والفزع والإرهاب والإرعاب.
ولكن مما يؤسف له أن في الأمة سماعين لهم، بل ربما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك إذ ظنوا - مدهوشين بالخطب الرنانة، ومبهورين بألاعيب وحيل تشبه أفعال السحرة - أن هذه الفئة السلولية هي معاقد الأمل ومناط النصر وسفينة النجاة.
خاب ظنهم، وما كان الله ليجعل لهم هذا الشرف، وهم أبغض الخلق إليه لنفاقهم وسوء أخلاقهم.
وكيف ترجو الأمة الخروج من محنتها والخلاص مما حل بها على أيدي شانئيها الحاقدين عليها وعلى أصولها، وتاريخها ورموزها وحضارتها؟ أتفر من عدوها إلى من هو أعدى منه وشر منه؟
وقلب صفحات التاريخ بدءًا من ابن سلول ومن خلفه في صناعة الفتنة وشق الصفوف، لترى ما صنعوا بالأمة من غدر ومكر، وما جلبوا إليها من عار ودمار.
ألم يأن للأمة أن تصحو، وأن تعرف عدوها وتعي أحابيله، وتأخذ حذرها، وقد نبهها ربها، فقال: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُم﴾ (المنافقون: 4)، فلا عذر لها إن غفلت، ويا ويلها عندئذ من فتنة لا تبقي ولا تذر.
(*) كاتب سوري