العنوان كرنفال قصصي
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 55
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 52
السبت 01-نوفمبر-2008
كرنفال قصصي
تحذير من امرأة نادمة: لا تجعلي زوجك ينام وهو عليك غضبان.. فلحظة الفراق لا يعلمها إلا الله
كل زوجة توفي زوجها وهو عنها راض.. تستحق التهنئة
البعض يبحث عن نقطة في حياته وبعدم الرضا تزيد حتى يُمحا أي أثر للنور
دُعيت لإلقاء درس في منطقة من المناطق الشعبية، وكم أسعدني نقاء الفطرة الإسلامية، وأبهج نفسي محاولاتهن المستمرة الدؤوبة للإبقاء على نقاء هذه الفطرة حتى لو مالت بهن الفتن عن جادة الطريق، فقد استمعت إليهن، وأحببت في سردي هذا أن أشارك القراء الأعزاء تلك الأحداث وكأنهم في صحبتي
بعد ختم الصلاة، مالت إلي امرأة مسنة كانت إلى جواري، وقد رسم الزمن على وجهها خيوطًا مختلفة الاتجاهات، فبادرتني بالقول: إن ابني هو الملتزم الحقيقي في أهل بيتي، وقد كان يعمل موظفًا، ويستطيع بسبب عمله في هذا المكان أن يمنحنا تخفيضًا كبيرًا، وقد كانت أحوالنا المالية ليست على ما يرام على الإطلاق، وعندما علمت من ابني ذلك هللت فرحًا وكأنه طوق النجاة في بحر مظلم من الفقر والديون، ومرت عدة أيام وأنا أطلب من ابني اصطحابه لشراء احتياجاتي وهو يمهلني حتى قال لي يا أمي: لقد علمت بضرورة دفع رشوة حتى يتيسر لي الأمر، وقد رفضت ذلك بشدة بالطبع، لم أفهم ما قال وكأن قلبي تغطى بالأكنة وأذني حجب سمعها الوقر، فكانت حدتي على ابني كبيرة وكأنه قذف بي من فوق جبل مرتفع، وحاولت تزيين الأمر له، وأن هذا اضطرار، وأننا في حاجة شديدة لعرضه بلا جدوى ولا فائدة، وظللت أسبوعًا كاملًا لا أبتسم في وجه ابني وهو يحاول ملاطفتي، ويتوسل إلي ألا أغضب ولا أحزن، فإن الله سيجعل له مخرجاً لمساعدتها، والوجب عدم إغضاب المولى العظيم.. شردت أعين المرأة وكأنها تحاول أن تعيش في تتابع الأحداث التي تقوم بروايتها، وقالت بعزة: وسبحان الله بعد هذا الأسبوع استحق ابني ربحًا من شركة معادلًا تمامًا لمبلغ الخصم الذي كنا سنحصل عليه فوضعه بين يدي مقبلًا إياها، ها هو المخرج والفرج، أمّاه نفس المبلغ أليس كذلك. نظرت إليه بحب ورضا وقلت: الحمد لله، ومن ذاك اليوم لم أعترض على أمر فيه مرضاة الله العظيم.
وقد أثّر في نفسي وفي تصرفاتي هذا الحديث أيما تأثير، نظرت إليها لعلي اقتطف بصيصاً من الأمل الذي يملأ وجدانها ونظراتها.
وبعد الصلاة وخروجي من المكان، اصطحبتني سيدة في منتصف العمر حتى منزلي، وعندما رأت مشارف البيت أرادت أن تبدأ حديثها وروايتها، دعوتها إلى الدخول فلم تعترض فقد سبقتني خطواتها، وحمل الأثير حديثها إلى أذني لتتجلى قدرة الله في فهم بعضنا بعضًا، وسماع بعضنا بعضًا، قالت السيدة الفاضلة: قبل زواجي من والد أولادي، كان قد عقد علي رجل آخر، وقد كان يحسب عليّ أنفاسي، وكان عدوانيًا في تصرفاته حتى مع أبيه وأمه، ولكني سلمت نفسي إلى الله ورضيت به، بل وحاولت إرضاءه بكل الطرق، وفي يوم سألني سؤالًا كان من المفترض أن يسأله إياي قبل العقد وليس بعده، فقد قال: هل سبق لك الارتباط من قبل، وعاهدت نفسي على الصدق مع زوجي منذ اللحظة الأولى، وبالفعل كنت مخطوبة من قبل لرجل آخر وامتدت الخطبة سنوات، ثم لم يتم الأمر، وببساطة شديدة حكيت له الحكاية، وهو يسمع ولا يعقب، وخرج من عندي وقد أبرم أمرًا لم أعلم به إلا بعد شهر أو يزيد، فقد طلقني، وكانت صدمة مزلزلة لكياني، ولكن شعوري بالرضا لم يفارقني، فالصدق ينجي، فلعل الله نجاني منه بهذا الصدق، وجاءت هدية السماء بوالد أولادي، حيث تقدم للزواج مني وتم كل شيء بسرعة مدهشة، ولم أجد نفسي إلا وأنا في بيته، رجل سهل مرن، يسير بما يُرضي الله، ولا يُعسر فيما يشقي الناس فالحمد لله والشكر لله أن راتبه كان كبيرًا، والنعمة الكبيرة أن عمله كان يكفل له ولأسرته حق العلاج والدواء، فقد صاحبني المرض وتمسك بجسدي، فماذا عسى سيكون مصيري مع السابق إن استمر معي؟! فبعد زواجي تأخر إنجابي، وقام الأطباء بعلاجي وزوجي حتى أكرمني سبحانه بفتى وفتاة، يفيضان على حياتنا حبًا وسعادة، وبمجرد الإنجاب الأول علمت أني مريضة بالسرطان، وتم استئصال الصدر، ولم يعلم بذلك أحد سوى المقربين مني، فقد كنت أشعر أن الله اصطفاني دون غيري بهذا المرض الذي فيه ستره ليرفع درجاتي، والحمد لله أن العلاج والجراحة كانا مكفولين من الرحمن الرحيم، وبعد مولودي الثاني، أصبت بعدة أمراض مع علاج متواصل برحمة الله وفضله.. تخيلي حضرتك فضل الله الذي غمرني. اندهشت من روايتها فهي راضية ومن رضاها بحياتها جعلها سبحانه تدرك نقطة النور في هذا الظلام، وتحاول أن تقوم بعملية توسيع لها حتى يغمر النور الظلام تمامًا، فيمحا.
العجيب أن هناك آخرين يبحثون عن نقطة الظلام في حياتهم وبعدم رضاهم تزيد وتزيد حتى يُمحا أي أثر للنور، فهم دومًا في شكوى وتذمر، سبحان الله، نظرت مرة أخرى إلى وجه السيدة فوجدت فيه الرضا، وقد كساه الله بالطمأنينة والهدوء، وابتسامة عذبة لا تفارقها وهي الممسك بجسدها «العديد من الأمراض»، ومع ذلك تحمد الله كثيرًا وتشكر فضله على توافر العلاج وسهولته، وكم نحن في نعم وخير عظيم! وإن شاكتنا شوكة نضجر بالشكوى، اللهم اغفر لنا وتب علينا.
أخذتني قصة هذه الأخت كل مأخذ، وفي المساء رن جرس الهاتف وكان على الطرف الآخر امرأة شابة كنت قد رأيتها في الصباح، وبعد كلمات التحية والترحيب، قالت: كنت أود أن أتحدث معك، ولكن كان يحيط بك الكثير من الأخوات ولم أستطع الحديث أمامهن، وأود أن أقص عليك قصتي لعل فيها العبرة والعظة، ولعل أخريات يستفدن منها ، فتبرد ناري التي أشعر بها قليلًا، انتبهت كل حواسي لسماعها، فقد كان تمهيدها فيه من التشويق ما كان، حيث قالت: لقد توفي زوجي وقد ترك تسعة من الأولاد الذكور، وقد كنت دومًا ألوم عليه فيما يستحق اللوم، وما لا يستحق اللوم، وكنت كثيرة الصراخ بسبب وجود الأولاد الذكور معي طوال الوقت، وتعلمين تربية هو في الأولاد كم هي شاقة! مع انشغاله في عمله دومًا، وتركه إياي فكنت أصيح في وجهه وأعتب عليه، وكنت أتصيد له الأخطاء من أعصابي المنهارة في تربية أولادي.. وفي يوم من الأيام وهو يستعد للذهاب لعمله بدأت أسطوانة النكد في الدوران، وخرجت من فمي سيمفونية من إظهار عدم الرضا والضيق والتبرم، وفوجئت به ينظر إلى لأول مرة نظرة ألم ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ولم أهتم بما قال، فقد ازدادت صرخاتي فأسرعت خطواته إلى الباب وأغلقه وراءه، ولم تمض الساعة إلا وسيارته قد استقرت في قاع ترعة قريبة منّا وكان هو الضحية، لم أصدق أذني في الوهلة الأولى مات؟ كيف؟ وأين؟ والمحصلة: مات.. نعم مات، وترك تسعة من الأولاد، وعلمت أن دعاءه حسبي الله ونعم الوكيل فيك قد تحقق، فإني أذرف ألوانًا من العذاب النفسي الذي يعمد إلى تدمير بنيتي الجسدية.. أمراض وهمية لا أول لها ولا آخر ليس لها أساس عضوي، كله نفسي بسبب هذا الدعاء، وهذه الأحداث المتسارعة، كم أتمنى أن ترجع إليه الحياة لحظة واحدة! نعم، لحظة واحدة أقبِّل يديه وقدميه ليسامحني، وكم شعرت بقيمة لحظات الحياة التي تمر من بين أيدينا مرور الكرام، وسمعت بكاءها الشديد وهي تردد: هل من الممكن أن يسامحني الله وقد توفي زوجي وهو غضبان؟ وهل؟ وهل؟ وهل؟
قلت لها: رفقًا بنفسك أختاه، قاطعتني قائلة: أنا لم أكلمك حتى تخففي عنّي، ولكن مكالمتي لكل من تسمعك، أو تذهبين لدعوتها لا تجعلي زوجك ينام وهو عليك غضبان، اطلبي رضاه دومًا، فلحظة الفراق لا يعلمها إلا الله، لا تجعليه يخرج من منزله وهو عليك غضبان، وكل زوجة توفي زوجها وهو عنها راضٍ هذه تحتاج إلى تهنئة، فهو أمر عظيم رضا الزوج قبل الوفاة، كم أشعر بمرارة لو اختلطت بماء النيل لأصبح ماؤه مرًّا لا يستطيع طير ولا بشر ولا حيوان تذوقه.. أختاه، ارجوكم لا تنسوني في الدعاء، واستأذنت وأغلقت سماعتها بعد الوداع، وظللت عدة دقائق ممسكة بسماعتي لا استطيع حراكًا، كم هو أمر محزن فعلاً أن نضيع الكثير من لحظات السعادة بأيدينا ثم نندم على لحظات الألم!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل