العنوان أولادنا.. والأدب الحسن (۲)- العَطيّة والوديعة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013
مشاهدات 95
نشر في العدد 2049
نشر في الصفحة 54
السبت 20-أبريل-2013
* أولادنا أفضل عطية وأنفس وديعة وأغلى هدية من الله تعالى المنعم المعطي الوهاب
* الله تعالى دعانا إلى المحافظة عليها منذ استودعها رحم الأم فلا يحل لأحد أن يتعدى على حياة هذا المخلوق الجنين
* الأدب الحسن الذي ننشده لتغيير النفوس هو ثمرة غراس وتربية عالية على التأدب بأدب القرآن الكريم
التربية في السنوات الأولى من عمر الطفل لها أثر كبير في سلوكه وحسن أدبه وخلقه وتعد أهم المراحل التي يجب الانتباه إليها
* الله عز وجل يسر للمولود أسباب العيش بسلام, فسخر له قلب أبيه ليرعاه ويحميه وحبا أمه قلبًا رحيمًا يرحمه وجعل له رزقا يطعمه
أرأيتَ يا عبد الله إذا رزقك الله تعالى منه رزقًا حسنًا، فأعطاك عطية كبيرة يتمناها الكثيرون، ولا يعرف قدرها الحقيقي إلا من حرم منها فهي لا توزن بمال ولا تقدر بثمن.
أكنت مضيعها في يوم من الأيام، أم أنك ستجعلها في حرز أمين وتحفظها بعيدًا عن أعين الحاسدين وأيدي اللصوص والسارقين؟
وماذا لو خصك وحباك وأهداك هدية أغلى من كل هدايا الناس، ولا ثمينة هي يستطيع أحد مهما بلغت قوته أن يهبك مثلها فوهبها الله لك خالصة مخلصة بشرط أن تشكره عليها وتحافظ على قيمتها ونفاستها وتحفظها من كل ما يضر بها، أكنتَ ترفض قبولها وهي النفيسة الغالية، أم أنك ستطلب المزيد منها بعد أن تقوم بحقها وتوفي بشرطها ؟
وما الحال لو استودعك الملك العظيم وديعة هي أكرم الودائع في عالم الدنيا ووضعها أمانة بين يديك، وأذن لك في استثمارها ونمائها وزيادتها، وخولك للتصرف فيها لسنوات عدة، ووعدك الأجر الجزيل والعطاء العظيم إذا ما حفظت أمانتها، بل وجعل لك ريعها في حياتك وبعد مماتك شريطة أن تحافظ عليها وألا تغضب إذا ما استردها منك متى أراد وكيفما شاء ألا يجدر بك أن تقبل الوديعة وتتعامل معها بكل أمانة وحب وإخلاص وتفان حتى تربح وتنال رضا مالكها العظيم؟
هكذا أولادنا - من البنين والبنات - فلذات أكبادنا وثمر قلوبنا وغراس حياتنا، وهم لنا جميعًا أحسن عطية وأنفس وديعة وأغلى هدية من الله تعالى المنعم المعطي الوهاب، فله الحمد وله الشكر.
الحضانة الدافئة
لقد كرم الله تعالى الإنسان وفضَّله، وجعل للنفس البشرية حقوقًا واجبة له على من حوله، وذلك من قبل أن يولد ومن بعد ولادته في صغره وشبابه، وشيخوخته وكهولته.
وتتعدد الحقوق وتتمايز تبعًا لكل حال تمر به حتى تمتد إلى ما بعد الممات لتحصل الكرامة الربانية لهذا الإنسان الذي خلقه الله تعالى بشرًا سويًا، وميزه بالعقل والإدراك وحباه التفكير والتدبير، ومنحه الاختيار والإرادة، وجعله مكلفًا رشيدًا محاسَبًا؛ مثابًا أو معاقبًا، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ﴾ (الإسراء:70).
ومن أجل ذلك جعل الله تعالى فترة حضانة ذلك الإنسان وهو طفل صغير في حجر والديه حضانة طويلة، تبدأ منذ الحمل به جنينا في بطن أمه إلى أن يبلغ مبلغ التكليف، فلا ينفصل عن أبويه وأصله، ولا يستغني عنهما بحال إلا بعد أن يشبّ عن طوقه ويأخذ من معين تربيتهما ما شاء الله له أن يأخذ من الرعاية والحضانة والعطاء والإيواء والحب والرحمة والدفء والحنان ليختلف بذلك عن غيره من صغار المخلوقات من الطيور والحيوانات التي لا تحتاج إلى حضانة أمها وقتًا طويلًا، بل قد يهب الصغير منذ ولادته واقفًا على قدميه يسير جنبًا إلى جنب مع والديه.
الطفل أمانة منذ أودع رحم الأم وأولادنا أكبادنا, أمانة في أيدينا، ووديعة استودعنا الله تعالى إياها، فكيف نتعامل مع هذه الأمانة ونصون تلك الوديعة؟ لقد دعانا الله تعالى إلى المحافظة عليها منذ استودعها رحم الأم، واستأمن الأم على ما في رحمها من ذكر أو أنثى، فلا يحل لها ولا لأحد أن يتعدى على حياة هذا المخلوق الجنين إلا إذا خيف على حياتها الهلاك المؤكد ؛ ومن هنا الله تعالى الإجهاض صيانة للنفس البشرية، ومنعًا للعبث بالأرواح، كما جعل الله لهذا الجنين حرمة فلا يحق لأمه أن تعرضه للأذى، وهى مأمورة أن تتغذى جيدًا لتغذيه ويرخص لها الفطر في رمضان ليقوى ولدها ويصح، وأن تأخذ بكل أسباب سلامته حتى حرم يخرج إلى عالم الحياة الدنيا بسلام.
وليد ضعيف
فإذا ما خرج وليدًا ضعيفًا لا حول له ولا قوة جعل الله تعالى له أيضًا حقوقًا ولنفسه حرمة، فلا يحل لوالديه التخلص منه أو قتله كما كان يفعل أهل الجاهلية فيما حكاه لنا القرآن الكريم.. فهذا الطفل الذي كان يلقى من الهوان ما يلقى صغيرًا ويعاني من القسوة ما يعاني في الجاهلية ولو كان ذكرًا، إذ يذبح تقربا للأصنام، وقربانا للإفك، وزلفى للزور، وإحياء للباطل، وهـو هـو الذي كان يُقتل خشية الفقر والإملاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الذنب عند الله أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ...», (أخرجه البخاري).
أما البنت فلم يكن حظها أوفى من حظ أخيها ذاك، إذ تُوأد حية خشية العار وغيرة على الأعراض في غير محلها، وأنفة من أن تنسب لأبيها، ويتنزل بذلك كله قرآن يتلى إلى يوم الدين؛ ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ﴾ (الأنعام: ۱۳۷)، متوعدًا هؤلاء القساة بأكبر الخسارة واصفًا إياهم بالضلال؛ ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ (الأنعام: 140)، ليبطل كل ظلم وجور وضلال ولو كان على الأبناء، وقد جَاءَ قَيْسٍ ابْنِ عَاصِمِ التَّمِيمِيِّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:« إِنِّي وَأَدْت ثَمَانِي بَنَات فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: «فَأَعْتِقُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَة بَدَنَة», (تفسير الطبري).
وكما حفظ الله عز وجل للمولود حياته يسر له أسباب العيش بسلام؛ فسخر له قلب أبيه ليرعاه ويحميه وحبا أمه قلبًا رحيمًا يرحمه وجعل له وهو يتقلب في أحضانها رزقا يطعمه، بل وأنزل في حقه قرآنا يتلى إلى يوم الدين فقال: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ ﴾ (البقرة : ۲۳۳)، وأثبت له حقوقًا عديدة في عنق والديه، رغم أنه لا يعي ولا يدرك فإذا كانت المحافظة على بدن هذا الطفل وجسده وصحته واجبة فإن المحافظة على سلامة عقيدته وحياة روحه ونقاء قلبه وصحة فكره وعقله لهي أوجب وأوجب، وهى أولى بالرعاية، وهذا هو الدور الرفيع الذي يجب على الوالدين القيام به معه.
السبيل إلى الأدب الحسن
إن الأدب الحسن الذي ننشده لتغيير النفوس، وتقويم لبنات المجتمعات، لا يأتي من فراغ، وإنما هو ثمرة غراس عديدة وتربية عالية على التأدب بأدب القرآن الكريم، ينشأ عليها العبد منذ زمن بعيد بفضل الله تعالى ثم بفضل أبويه حيث كان طفلًا صغيرًا قاما معه بواجب التربية حيث ربياه على الإيمان بالله ومراقبته وخشيته وترك ما ينهى عنه، وفعل ما يأمر به، ربياه وغـرسـا فـي أصول الإيمان وبذور اليقين وحب الله عز وجل منذ صرخة الميلاد الأولى، ومع تردد كلمات الأذان في مسمعه، منذ أول وهلة وطأت فيها قدمه على الأرض بخطاه، ومنذ أول كلمة نطق بها لسانه وتحرك وهو يرى في أبويه القدوة الماثلة أمامه، في صحوه ومـنـامـه وفـي حركته وسكونه، تتجسد في جسم من الأخلاق يمشي معه ويسير بين عينيه سلبا وإيجابا شاء ذلك أم أبى يردد ما يسمع ويقلد ما يرى، حتى في حركات عينيه وتقاطيع وجهه ليكون في سنوات عمره الأولى صورة تطابق الأصل الذي ينتمي إليه وترعرع على يديه، وتتماشى مع الواقع الذي يعيشه والمنشأ الذي يتأثر به والمحضن الذي يحياه ويحيطه إحاطة السوار بالمعصم.
هذه التربية في السنوات الأولى من عمر الطفل لها أثر كبير في سلوكه وحسن أدبه وخلقه، وهي أهم المراحل التي يجب الانتباه إليها والتركيز عليها، لذا فإن علينا أن نبدأ مع أولادنا منذ نعومة أظفارهم ليكون الأدب الحسن لهم سجية وسمة ويسهل عليهم حسن التخلق دون تكلف منهم، أما إن لم يدرك أحدنا تلك التربية في ظل أبويه لسبب ما، فإن له أن يدرب نفسه عليها ويأخذها بالعزيمة خطوة بعد خطوة، ويقطع بها شوطًا من الجهاد بصبر وجلد لينتصر عليها في نهاية المطاف، وينال درجة عالية من الأدب الحسن فيغير إلى الأحسن بعد أن يتغير هو، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه», (صحيح الجامع، حسنه الألباني).
(*) إجازة في الشريعة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل