العنوان المجتمع التربوي (عدد 1404)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1404
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 13-يونيو-2000
وقفة تربوية
عش ألف عام للوفاء
يقول الإمام علي - رضي الله عنه-:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب *** فالناس بين مخاتل وموارب
يفشون بينهم المودة والصفا *** وقلوبهم محشوة بعقارب
يقول تلك الأبيات من عاشر قومًا كانوا يبشون في وجهه، لكنهم كانوا يغدرون به من خلفه.
إن الوفاء صفة لازمة لأهل الفضل الذين بنوا في نفوسهم أسسًا راسخة من الإيمان والقيم والمثل والمبادئ والخوف من الله تعالى.
وبناء بمثل هذا الأساس الصلب لا يمكن أن تؤثر فيه أنواع الرياح العاتية فيظل وفيًا لمن قدم أي نوع من الخير حتى لو كانت ابتسامة عابرة أو كلمة طيبة فكيف بمن قدم له أكثر من ذلك، قدم له ما أنقذه من النار وسبب له دخول الجنة؟
أما أولئك الذين لم يبنوا بنيانهم على أسس متينة، بل بنوها على القشور، والرمال، فلا يلبث أن يقع البنيان تحت تأثير أي هزة، حتى لو كانت نسمة هادئة. فينسي أو يتناسى من قدم له أطنان الخير، ووقف معه المواقف، وبذل من أجله الوقت والمال والجهد وينسف كل ذلك من أجل اختلاف أصر فيه على رأي أو طلب لم يجب إليه لظرف من الظروف.
وأمثال هؤلاء لا يمكن أن يسودوا وإن سادوا فإنما يسودون بالحديد والنار، لأن الناس لا تقبل على من لا يملك الوفاء.
يقول أبو النجح:
عش الف عام للوفاء وقلما *** ساد امرؤ إلا بحفظ وفائه
أبو خلاد
إعجاز القرآن
حكى القرآن عن بعض الكفار خوفه من سحر القرآن فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦)، مما يدل على الذعر الذي كان يضطرب في نفوسهم، والخوف الذي يملأ قلوبهم ويسكن صدورهم من تأثير هذا القرآن فيهم، وفي اتباعهم، الأمر الذي يؤكد أنه لم يكن - قط - بقول بشر، ولا بادعائهم بقول شاعر، ولا بأباطيلهم بأنه أساطير الأولين، فجاء التحدي عندما رأوا أتباع القرآن يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير القرآن يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين والسورة والسورتين، يتلوهما محمد أو أحد أتباعه السابقين، فتنقاد إليهم النفوس وتهوي إليهم الأفئدة، ويُهرع إليهم المتقون.
فلما أحس رؤساء قريش - آنذاك - في أعماقهم هزة روعتهم لم يقولوا لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة، لأنهم في نجوة من سحر القرآن، فلم يأمروا أتباعهم هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم هذا التحذير الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير، وقد قالوا في لجاجة الإنكار كما حكى عنهم القرآن ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان:5) وقالوا: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال:31). ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ (الأنبياء: ٥)، فكان التحدي مرة ومرة ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ۱۳). ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ (يونس: ۳۸)، فما كان إلا أن توقفت عقولهم عن التفكير وانعقدت ألسنتهم فلم يأتوا بعشر سور ولا بسورة مفردة!.
وهذه بعض المواضع التي وردت في القرآن وتثبت تأثر نفوس بعض الذين أوتوا العلم من قبله، وبعض الذين صفت قلوبهم إليه جاء في صدد الحديث عن اليهود والنصارى قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة:83-84). فتلك صورة من صور التأثير الوجداني لسماع القرآن، وإن أعينهم لتفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، وإن للطريقة التي يعرفون بها هذا الحق لأثرًا لا شك فيه، يفصح عنه ما ورد في موضع آخر، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا﴾ (الإسراء:107-109).
يقول سيد قطب رحمه الله: فهو التأثير الذي يلمس الوجدان، ويحرك المشاعر، ويفيض الدمع يسمعه الذين تهيأوا للإيمان، فيسارعون إليه خاشعين ويسمعه الذين يستكبرون عن الإذعان، فيقولون: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة:110)، أو يقولون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت:26)، فيقرون للقرآن بالإعجاز الغلاب من حيث لا يشعرون أو يشعرون ..
عبد العزيز الجلاهمة
عمل وقول
كثيرًا ما يستوقفني القول: «عمل رجل في مائة خير من قول مائة في رجل».
أينما أضعه أجده صحيحًا وقد حدث أنني ذهبت - ذات مرة - إلى مطار جدة الدولي أودع بعض الأهل وبينما كنا ننهي بعض الإجراءات لفت نظري موظف يقوم بعمله بشكل جيد، ويعمل على جهاز الكمبيوتر الذي أمامه بكل جد ونشاط وفمه يتمتم، وإذ به يردد صيغة الصلاة على النبي «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
أحسست بإحساس غريب يجري في عروقي وما تمالكت نفسي إلا وأنا أردد صيغة هذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كانت فرحة غامرة ورددتها معي قريبتي - إلى جانبي - ومنذ ساعتها، ولساني لا يفتر من ذكر الله واستشعر بركة عظيمة في حياتي.
هدى حمزة- جدة
بلال والأذان.. درس عظيم في الإيمان
الكبرياء لله .. ولا رفعة إلا بتلبية ندائه وتقواه
بلال والأذان.. كلمتان اقترنتا منذ بزوغ فجر الإسلام، وهما درس عظيم من دروس الإيمان، ورسالة موجهة لكل بني الإنسان بأن الكبرياء لله عز وجل وحده ليس لأحد سواه، كما أنهما أثبتنا أن الرفعة بالإيمان لا بالمال أو الجاه أو الولدان.
أما بلال - رضي الله عنه- فقد كان عبدًا حبشيًا أسود لأمية بن خلف بمكة، يعمل ليلًا ونهارًا ليحصل على ما يسد به رمقه ویقیم به أوده ليعود إلى الكد من جديد، فلا حق له في يومه، ولا أمل له في غده، وهو بمعايير البشر انذاك من حثالة بني الإنسان.
إلا أنه لما ظهر نور الإسلام، وكان بلال قد مل الحياة على هامش التاريخ، حياة لا معنى لها ولا قيمة، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وخلد اسمه على صفحاته.
أقبل بلال على الإسلام بقلب يقطر إيمانًا ويقينًا، ووجه مشرق يشع نورًا وحنينًا، فأخذت قومه العزة بالإثم، فساموه أقسي الوان العذاب وأخرجوه في الرمضاء مقيدًا، وطرحوه على الأرض الملتهبة، ووضعوا على جسده الصخور الحارقة، وأخذوا يسحبونه مقيدًا في ارجاء مكة وهو يردد نشيده الخالد «أحد أحد»، فأني لمثل هذا العذاب أن يخدش هذا الإيمان الصلب؟
أقبل بلال - العبد الحبشي - أعلى الإسلام فصار سيدًا من سادات المسلمين، « فإن سواد بشرته وتواضع حسبه ونسبه، وهوانه علي الناس كعبد رقيق، لم يحرمه حين أثر الإسلام دينًا من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه ويقينه». ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - كثيرًا ما يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالًا t».
أسلم بلال فأثبت للعالم أجمع أن رفعة المرء لا تكون إلا بإيمانه وتقواه وخوفه من المولى، وطمعه في نيل رضاه أسلم فكان إنموذجًا عمليًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳)
عندما أسلم بلال أحس أبو بكر الصديق عظمة الإيمان في نفس هذا العبد، فاشتراه من أمية بخمس أواق فقال أمية بعد أن يئس من أن يرد بلالًا عن الإسلام لو أبيت أن تدفع إلا أوقية واحدة لبعتكه بها، لكن أبا بكر أبى أن يستهان بأخيه وبإيمانه فقال: « والله لو أبيتم إلا مائة أوقية لدفعتها لكم».
أسلم بلال الذي أذاقه أمية بن خلف أشد العذاب، وما هي إلا سنوات، وإذ ببلال يجتز رأس الكفر أمية بن خلف في غزوة بدر.
ولما رأى عبد الله بن زيد رؤيا الأذان أمره المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يعلمها بلالًا لأنه أندى صوتًا، ومنذ تلك اللحظة كان بلال هو المنادي بالأذان وإذ ببلال الذي خرج من مكة طريدًا، يعود إليها بعد سنوات، ليعلوا ظهر الكعبة، ويرفع صوته بالأذان ليراه أهل الكفر والشرك الذين منعهم كبرهم عن اتباع الحق، فيعلموا سنة الله في خلقه بأن الرفعة لمن اتبع دينه، وسار على أمره، ردد بلال كلمات التوحيد في الأذان وهو الذي كان يردد من قبل نشيده الخالد «أحد.. أحد».
هذا هو بلال فما بال الأذان؟
إن الأذان هو شعار الإسلام الذي يحمل أجل معانيه وأعظمها يحمل شهادة التوحيد التي هي مفتاح هذا الدين ولكن الذي أريده في حديثي عن الأذان ذلك المعنى العظيم الذي أقترن بقصة بلال ألا وهو معنى الكبرياء لله لقد تكررت «الله أكبر» في الأذان ست مرات لتعلم كل البشر - غنيهم وفقيرهم، حرهم وعبدهم سيدهم ووضيعهم - أن الكبرياء لله لا لأحد سواه، وهو تعالى الذي يمنح الرفعة والسمو لمن أمن به من عباده وهو تعالى يلبس المتكبرين لباس الذل والهوان.. فأغرق الله فرعون لما تكبر عن عبادته، وخسف بقارون الأرض لما بغى بماله على قومه، وتلك هي سنة الله فيمن تكبر عن عبادته، ولقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (من أفراد مسلم على البخاري) وقال الله في الحديث القدسي: «قال الله عز وجل: العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته».
أما بلال الذي رفعه الله بهذا الإسلام فقد تواضع أشد التواضع، « فكان كلما سمع مدحًا أو ثناء أحنى رأسه وغض طرفه، وقال وعبراته تسيل على وجنتيه: «إنما أنا حبشي.. كنت بالأمس عبدًا ». ونظرًا لأننا ألفناه، فلم يعد أكثرنا يتدبر في معاني الأذان أو يقف عند عبره وعظاته، فإذا سمع الواحد منا قول المؤذن «الله أكبر»، فأي شيء هذا الذي يشغلنا عن الإجابة، أي شيء أكبر من الله - معاذ الله؟
ولقد كان لنا في المصطفى r خير أسوة فلقد أخبرتنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- أنه كان «يكون في حاجة أهله فإذا نادى المنادي فكأنه لا يعرف منا أحد». (أخرجه البخاري (6939)، ومسلم (2494)) ولقد كان السلف رحمهم الله يرفع الواحد منهم معوله ليحرث أرضه فيسمع النداء فيلقي معوله خلفه، مخافة أن تكون ضربة لا بركة فيها بعد النداء.
لقد فقهوا شعار «الله أكبر» فعلموا أنه لا شيء أكبر من الله، فانطلقوا بقلوب وجلة، ليقفوا بين يدي الكبير المتعال.
إن الأذان شعار العزة، والعظمة للمسلمين، وكان المسلمون إذا فتحوا أرضًا رفعوا فيها الأذان يدوي في أرجاء الأرض ليعلن الحقيقة الخالدة بأن النصر للإسلام، ولا يزال أذان إخواننا في البوسنة يرن في الآذان دليلًا على عزة الإسلام ولقد تواضع قوم سمعوا الأذان فقال الله U فيهم ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:83).
هذا هو الدرس: بلال والأذان، درس الكبرياء والعظمة لله والرفعة والعزة لمن اتبع دين الله وسار على نهج المصطفى وهداه، رفع الله بهذا الدين بلالًا، وصهيبًا، وسلمان، وهم من هم من الأعاجم المستضعفين ووضع به أبا جهل، وأمية وعتبة، وربيعة، وغيرهم من كبراء قريش، وسادتها جمع الله بهذا الدين أشتات البشر تحت راية التوحيد، فصاروا إخوة في الله متحابين لا فرق بين أعجمهم وعربيهم إلا بالتقوى جعل رابطة الإيمان هي الرابطة الأعظم والأسمى ونبذ كل روابط الجاهلية، ولقد قال المصطفى r ليوجه العالمين ألا يحتقروا أحدًا من البشر مهما كانت صنعته، ومهما كان نسبه «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره». (أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (674) باختلاف يسير، وأخرجه مسلم (2622) بلفظ مقارب)
فإن رأسه الأشعث وملابسه البالية وعدم معرفة الناس له لم تحرمه من أن يكون من أولياء الله الصالحين الذين لو أقسم أحدهم على الله لأبره.
هذا هو درس بلال والأذان! موجز سريع لكن فيه أعظم العظة والعبرة، فإن وعيناه، وحولناه إلى واقع عملي في حياتنا فيا لفلاحنا، وفوزنا وسعادتنا..
فيصل سعيد بالعمش
دراسات عليا بكلية الشريعة جامعة أم القرى
(*) الكلمات بين القوسين المعقوفين من كتاب «رجال حول الرسول» لخالد محمد خالد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل