العنوان المجتمع التربوي عدد (1498)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002
مشاهدات 87
نشر في العدد 1498
نشر في الصفحة 52
السبت 27-أبريل-2002
■ وقفة تربوية
■ ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ.. ﴾
يقول سيد قطب - يرحمه الله - معلقاً على هذه الآية كيف ينصر المؤمنون الله حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وإلا تشرك به شيئاً شركاً ظاهراً أو خفياً، وإلا تستبقي فيها معه أحداً ولا شيئاً، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها، فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة (الظلال6 /3288).
إنها قاعدة مستمرة لا تتبدل ولا يطرأ عليها تغير منذ أن نزلت من السماء، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها .
إنها معادلة دقيقة لا تقبل أنصاف الحلول ومن هنا يجب أن يستقر في خلد كل مسلم مظلوم أو شعب مظلوم، أو أمة مظلومة مغلوبة من عدوها، أن الله تعالى قادر على النصر متى شاء وكيفما شاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن هذا النصر لا يتنزل منه سبحانه إلا عندما تتحقق هذه المعادلة القرآنية، فمن أراد نصر الله تعالى فعليه أن يقوم هو بنصرة الله تعالى أولاً، ثم يتحقق الشطر الآخر في المعادلة.
إن نظرة عاجلة على خريطة العالم الإسلامي اليوم وما يقع فيها من ظلم عظيم للمسلمين في أنحاء الأرض على أيدي أراذل البشر، وعباد الصليب والوثن، وإخوان القردة والخنازير يجعلنا نتساءل هل حدث كل ذلك فجأة من غير مقدمات، ومن غير تخل عن الشطر الأول من المعادلة، لا أعتقد ذلك أبداً، فالله لا يظلم الناس ولكن الناس أنفسهم يظلمون .
أبو خلاد
■ صناعة الأمل (١ من ٢)
بارقتان من قصتي موسى ويُوسُف عليهما السلام
محمد صادق عوض
أرسل الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين - والتبشير إنما يكون في الخير . وإذا ما ادلهمت الخطوب، وتسابقت إلى النفوس عوامل يأسها من بطش الطغاة وطول ليل الظلم... حينها تحتاج النفوس إلى من يجدد لها إشراقها، وينفث في روعها إيماناً جديداً، وثقة يقينية، وينسج لها خيوط الأمل المنطلق، ويقطع خيوط اليأس والوهن.
فمن أراد أن يغمره نور الأمل فليفتح للقرآن قلبه تسكب فيه أنوار الهدى واليقين، فإذا بآلياس يتبدد والخوف يتلاشى.
بارقتان
1 - بارقة اليقين الواثق من قصة ( موسى - عليه السلام)
اليم موطن الهلاك يصبح موطن نجاة واحتماء
فرعون المتجبر يخاف الأطفال لذلك يأمر بقتلهم.
زوجة فرعون ترغمه على العفو عن موسى﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ (القصص: 9)
موسى يكبر ويشب عن الطوق ويبدأ المواجهة ﴿فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ (القصص ١٥).
يخرج موسى من مصر و﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: (۲۱)، فالطوارئ معلنة والتوتر سائد الأجواء، والأفواه مكممة، والآراء سجينة، والحريات مقيدة، والرجال مغيبة.
شعاع ينير الظلام
۱- إيمان امرأة فرعون ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ (التحريم: ۱۱)، تصدع الجبهة الداخلية وبداية الانقسام وتكوين رأي معارض.
2- مؤمن آل مؤمن من آل ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر : ۲۸)
فقوى المعارضة تزداد وتقوى وتصل إلى أعلى السلطة﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْن﴾ (غافر (۲۸).
3- القوى الشعبية تلتحم مع قوى الحق المتمثلة في موسى وهارون﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾(يس)، تكونت أرضية لأهل الحق قبل المواجهة، فكانت رصيداً هو فرعون وهد كيانه فيما بعد فبدأ الباطل يتهاوى، برغم أن البداية كانت فردية ضئيلة.
٤- ازدياد قوة الرأي العام المعارض الفرعون وظلمه، واتساع رقعة المؤيدين للحق، وبلغ ذلك قوته عندما أمن سحرة فرعون، وكان التحدي السافر لفرعون وجبروته ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ (طه)
معلم على طريق المواجهة
﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ (طه).
أمر لكل صاحب دعوة حق يستمد قوته من جبار السموات والأرض.
دعوة الحق تبتلع كل الدعوات، وتهيمن عليها، وتمحو الباطل من الساحة ولا يقبل الناس إلا دعوة الهدى والنور دعوات الباطل واهية وتحمل عوامل فنائها لأنها صنع بشر.
دعوات الضلال زاهية ساحرة لكن بوارها محقق فلا بقاء لها .
ومضة البشارة: علو النهاية
إن العلو والكبر ما اغتر بهما إنسان إلا وكانت نهايته الذل والدمار، وهاهم بنو إسرائيل تكون نهايتهم عندما يفسدون في الأرض ويعلون علواً كبيراً﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:4).
علو يعقبه إذلال ﴿ لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ (الإسراء )
وزوال دولة ونهاية أمة طال وعم فسادها ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ (الإسراء:7).
وها هو فرعون علا في الأرض:﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (القصص : 4)
علو بديله تمكين ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾ (القصص :5)
علو نهايته تدمير﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (الدخان :27) على وطول مكر نهايته حسرة وهلاك﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ (القصص :6).
بارقة التمكين الحاكم:
من قصة يوسف عليه السلام
رؤيا طفل صغير - كيد وغدر - ابتلاء وفتنة . صبر وقدوة - دعوة وتمكين - حكم وسيادة. ظن مهلك﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يوسف ۸).
صراخ الأحقاد يهتف ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف ٩).
معیار کشف حقائق النفوس
همة عالية ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ﴾ (يوسف :4).
انحدار غاية و ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (يوسف۱۲)
ومضة خير منقذ : ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ (يوسف: ١٠).
- بديل النجاة موحش ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ (يوسف١٠).
شعاع النجاة ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَة﴾ (يوسف۱۰).
ابتلاء الطهارة﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ (يوسف: ٢٣). ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾ (يوسف: ٣٣).
حكم وتمكين بعد صبر وابتلاء﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف :54).
تلاحم بين القصتين
۱ - عظمة القدرة وكيف ساقت الأحداث حتى يكون مراد الله وحده.
٢ - تربية الاثنين في القصر، ولكنهما لم يتأثرا برخاوة ولا قسوة أو جبروت. - كانت دعوة كليهما تغييرية وإن اختلفت الطريقة والنهاية. - التقاط التحول ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (يوسف: ۱۰)
موسى ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: ۸) ..
■ اختيار الضلالة سر إخفاق الأمم في مقاومة الأعداء
لما خلق الله الإنسان منحه نعمة الاختيار وجعله من مكنونات نفسه وصنعه، ومعنى الاختيار أنه يستطيع أن يختار طريق الهداية فيفعل السبب، وهو طاعة الله فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، فإذا فعل ذلك فقد هداه الله إلى طريق الحق، وإذا اختار الضلالة على الهدى ولم يسع إلى اتخاذ الأسباب التي تقربه من الله تعالى فقد أضله الله.
قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾الإنسان٣)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:10)، وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 8)، وهذا تكريم رباني للعبد، إذ جعل له حرية الاختيار، ولم يقهره على الهدى أو الضلال، كما أنه - جل وعلا - جعل الملائكة مقهورين ومجبولين على الطاعة والعبادة والخضوع لله تعالى إلى أن تقوم الساعة، وما شاء الله بعد ذلك.
ولو أن الإنسان لم يمنح حرية الاختيار لا نتفت الحكمة من خلق السموات والأرض وإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية، وآخر الرسل هو محمد r وآخر الكتب هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكذلك لانتفى خلق الجن والإنس، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات :56) ، فالله تعالى يعامل العبد حسب اختياره، واختيار الضلالة على الهدى هو سر إخفاق الأمم في مقاومة الأعداء والمحتلين للأرض. خاصة إذا كانت بها أماكن للعبادة مقدسة من عند الله، وكذلك استعمار الشعوب، ونهب خيراتها .
واختيار الضلالة على الهدى هو أيضاً سر ضعف الشعوب بحيث لا تتمكن من الرقي والنهوض والتقدم الصناعي والتكنولوجي بحيث تستطيع مخاطبة العدو العدو باللغة التي يفهمها وهي لغة القوة قال تعالى ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . (الأنفال: ٦٠).
واختيار الضلالة هو السبب الذي جعل أغلب أمة الإسلام المعاصرين يحتكمون فيما شجر بينهم إلى القوانين الوضعية، ويتركون شريعة الله، والخروج من هذا المأزق الخطير لابد للأمة الإسلامية اليوم أن تعيد حساباتها من جديد، وأن تفتح صفحة جديدة مع الله.
لقد أراد الله تعالى لهذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وإنني أخشى إذا لم تراجع نفسها، وتتحد على كلمة الله تعالى، وتحكم شريعته أن تتوسع الدائرة ويستفحل السيل وعندئذ لا نعلم ما الذي يخبئه المجهول. كفى الله أمة الإسلام شر الفتن ما ظهر منها وما بطن .
عبد الله بن محمد القاضي