; المجتمع التربوي (عدد 1607) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (عدد 1607)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 02-يوليو-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1607

نشر في الصفحة 54

الجمعة 02-يوليو-2004

أضلاع التربية الثلاثة.. من يجبر كسرها؟

د. كمال سالم عوض 

في قريتنا النائمة بوداعة على أحد أذرع النيل لا يوجد أسهل من إنجاب الأطفال، وبنفس سهولة الإنجاب تأتي بساطة التربية،  كما يتوهم الكثيرون – خطأ - فكل أب في قريتي يعتقد أنه يربي أولاده أحسن تربية عندما يوفر لهم المطعم والمشرب والتلفاز والثلاجة وأقساط الدروس الخصوصية، أما تنشئة النشء على القيم والصفات الحميدة وتعليم الصلاة ونظافة الملبس والجسم فقلما يتعب الآباء أنفسهم بالتفكير فيها، إذ يتولى ذلك عنهم جميعًا كائن مفرط السخاء والتحمل والإخلاص: الشارع، بمجرد مغادرة الطفل مرحلة الحبو،  واشتداد ساقيه تقذفه الأم إلى حضن الشارع من مشرق الشمس حتى غروبها، بينما يعتكف الأبوان في إحدى حجرات البيت الريفي الهادئ.

وينطلق الصغار بلا قيد إلى اللعب في الأجران وعلى شاطئ الترع وخلف البيوت،  ويبدؤون في تلقي أسس التربية «السليمة» من الشارع، فيتعلمون الكذب والخداع ويتدربون على خطف الثمار من الحقول،  ويتقنون الاعتداء على حقوق الآخرين،  ويتلقون دورات مكثفة في السب واللعن وأخذ الحق بالذراع؟!

 ومما يثير الفخر بل الحزن والأسى أن أطفال شارعنا تفوقوا على كل أطفال القرى،  بل وعلى أطفال العالم بالمركز الأول على مستوى العالم في السب، وهذا نتاج جهد كبير للشارع الذي وفر لهم لقاءات منتظمة بين الأمهات والآباء انهمرت فيها شتائم. كان الصراع ينفجر بسهولة ويسر في أي وقت من أوقات النهار أو ليله ومع أتفه سبب: سكب بعض الماء القذر أمام أحد البيوت، ترميم أحد الجدران المشتركة،  محاولة فتح نافذة أو الحفر من أجل إصلاح ماسورة مياه عاطبة.

 ومع بداية «الحفل» يتبادل الجميع «أوعية» السب فتعيها أذن أطفال الواعية،  ليعيدوا تداولها في الصباح مع أول اختلاف في اللعب.

 هكذا أوى أطفال قريتنا إلى ضلع جديد ووحيد للتربية بعدما فقدوا أضلاع مثلث التربية الثلاثة، فقد انكسر الضلع الأول بغياب دور الأسرة خلف ستائر الجهل والأُمية وأوجاع الحياة اليومية، وغرق الأب في بحر الأسعار والأقساط وعدوه المسعور للحاق بقطار المدينة المتوحش،  وراح الأب يدور كالمجنون بحثًا عن البيت الحديث وحجرة السفرة والصالون والتلفاز الملون ومصاريف المصيف والملابس المستوردة.

 وتاهت الأم في تنظيف البيت وإعداد أصناف الطعام ومتابعة المسلسلات التي لا يتوقف سيلها، وتضاءلت مهمة تربية الأطفال وانحصرت في تسمينهم وكسوتهم، وقبل فقد الضلع الأول،  كان الضلع الثاني قد دُمر مع سبق الإصرار والترصد،  إذ سقطت المدرسة في فخ أُعد بعناية خبيثة: يحمل الطفل حقيبته المكدسة بالكتب في الصباح ويمكث ست ساعات في فصل مزدحم وهواء فاسد أمام معلمين هم في حاجة للتعلم أشد من الطفل، ويظل الطفل يتجرع أفكارًا ومعلومات، ليس من بينها أبدًا دراسة القرآن والسيرة والفقه والتاريخ الإسلامي، حتى إذا ما أزفت الامتحانات،  تقيأ «الطفل» ما «تجرعه» طوال العام، فيستريح عقله ويهنأ رجال التعليم،  ولم يتبق لأطفال قريتنا سوى الضلع الثالث «المسجد»، والأطفال يحبون المسجد بفطرتهم إذ لا يوجد في القرية من يغرس فيهم هذا الحب لأنَّ كثيرًا من الآباء لا يولوهم وجوههم شطر المسجد إلا مرة واحدة في الأسبوع، يوم الجمعة، والأطفال يؤمون المسجد أربع مرات يوميا،  ليس من أجل الصلاة بل للعب.

والجميل في أطفال المسجد أنهم يصطفون في صف خاص بهم خلف المصلين حتى إذا أطلق الإمام تكبيرة الإحرام أطلقوا ضحكاتهم المكتومة ولكماتهم وأرجلهم ركلًا ورفسًا،  وإذا سجد الإمام هوت أكف أطفال على أقفية الصغار منهم،  حتى إذا وصل الإمام إلى التشهد لم يشهده أحد منهم، إذ يركضون بلا نظام إلى الخارج،  والمصلون لا يتفقون على شيء كاتفاقهم على سب أطفال! في كل مرة يبدأ الإمام «سيمفونية» سب الأطفال، وينخرط الجميع معهم في «كورال» منتظم للسب والشتم، لكن الشيء المؤسف أن جهدهم كان يضيع سدى، إذ إن المعنيين بالأمر يفرون في اللحظة الأخيرة، وقد رأى الإمام ذات مرة نقل حفلة السب على الهواء مباشرةً فأمسك بسماعة «الميكروفون» القابع فوق المئذنة،  وأطلق ما شاء من صور اللوم والتأنيب للأطفال وأولي أمرهم ثم جلس يستغفر ويسبح ويدعو! 

وكنت كلما بدأوا في السب، أسرعت بالعدو إلى خارج المسجد، كما أنني كنت أغضب منهم، غير أن عقلي تحرك ذات مرة - وقليلًا ما يفعل - وسألني : ماذا يريد الإمام وجوقته من الأطفال؟ فصمت كعادتي، فقال لي: إنهم يريدون منهم الالتزام بآداب المسجد والصلاة، ولكن كيف يحصل أطفال على هذه الآداب؟ فتشجعت وقلت لعقلي: قل أنت، فقال: إن هذه القيم يحصل عليها الطفل من البيت أو المدرسة أو المسجد،  وإذا كان البيت في سكرة والمدرسة محتلة بفكر بعيد عن الدين، فلم يبق غير المسجد، وبالطبع لن ينزل ملك من السماء ليعلم الأطفال،  أعجبت بطريقة عقلي في التفكير وقلت له: ماذا ترى؟ فقال: لماذا لا تعلم هؤلاء الأطفال آداب الصلاة والمسجد، وتعتبر هذا العمل إجابة لذلك السؤال الصعب الذي لم تجد له إجابة؟ سررت جدًا من رجاحة عقلي وقررت التجربة ظنًا لفرط سذاجتي أنها سهلة وبسيطة، ولم أكن أتصور أبدًا صعوبة ما سأواجه.   

المعاصي تورث الذل وتميت القلوب

هدى المرداس 

أمرنا الله تعالى بالطاعة بين وبين وثوابها، وحذرنا من المعاصي وبين عقابه، فقال سبحانه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء: 13 – 14).

وآثار المعاصي كثيرة.. عددها ابن القيم رحمه الله في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»،  وقد لخص أحد الحكماء أثر المعاصي في قوله: 

رأيت المعاصي تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها

وتقوى الإله حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها 

وإذا كان الله عز وجل واسع المغفرة، فإنه أيضًا شديد العقاب، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر: 49 – 50)

وقد جاء في الأثر: «لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظم من عصيت».

وقال أنس رضي الله عنه لجلسائه من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم: «إنكم لتعلمون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر».

وقال أحدهم: 

لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى 

وللمعاصي آثار كثيرة منها:   

حرمان الطاعة: فالمعصية تصد عن طاعة تكون بدلها وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع على العاصي بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة.. وهلم جرا،  فيقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة،  كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها.

ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولا بد،  فإنّ البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصر العمر.

ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

ولا يزال العبد يؤدي الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه تؤزه أزًا، وتحرضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها،  ولا يزال يألف المعاصي ويحبها  يؤثرها، حتى يرسل الله عليه شياطين فتؤزه إليها أزًا، فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانا عليه. 

ومنها: وهو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله،  فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها،  عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.

ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر بعضهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها فيقول: يا فلان،  عملت كذا وكذا. 

وهذا الضرب من الناس لا يعافيهم الله بل ويسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين،  وإن من الإجهار،  أن يستر الله العبد ثم يصبح يفضح نفسه ويقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا،  كذا وكذا،  فيهتك نفسه وقد بات يستره ربه». 

ومنها: أن كل معصية من المعاصي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل، فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر عن قوم هود، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله، «ومن تشبه بقوم فهو منهم» كما قال عليه الصلاة والسلام.

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: «هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه»، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (الحج: 18)، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. 

ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك،  فإنّ الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.

ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه،  فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. 

 قال مجاهد : أن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر،  وتقول: «هذا بشؤم معصية ابن آدم»،  فلا يكفيه عقاب ذنبه،  حتى يلعنه من لا ذنب له. 

ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد: فإنّ كل العز في طاعة الله تعالى،  وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل