العنوان المجتمع التربوي عدد 1884
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010
مشاهدات 64
نشر في العدد 1884
نشر في الصفحة 52
السبت 09-يناير-2010
دروس تربوية في آيات القرآن الكريم (١): أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
بقلم: أ. د. محمد بديع - ینشر بالترتيب مع موقع اخوان اون لاين
- الصلاة معراج المؤمن تصعد به إلى حيث فرضت في رحلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى
- إقامة الصلاة تعني الاعتدال وعدم الخلل والتدريب المستمر على حسن الصلة بالله عز وجل
- الزكاة فيها معنى الطهارة والنمو والزيادة وتشمل الإخراج من كل ما رزقك الله للمستحقين
- هيا نصحح صلاتنا لنقيمها ونتصل من خلالها برب العرش العظيم ونراجع زكاتنا فنزكيها
الجانب التربوي يؤكد المهمة الأولى والأساسية التي نزل من أجلها القرآن الكريم ليصنع الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والأمة المسلمة على عين الله عز وجل، وذلك بالتزام القرآن والسنة اللذين إن تمسكنا بهما لن نصل بعد رسول الله أبدًا، ومع خواطر تربوية متفرقة حول بعض آيات الكتاب الكريم المعجز.
هل تتصور أخي المسلم أن الصلاة والزكاة فيهما علاج لكل ما تشكو منه من علل وأمراض وضنك وضيق وهم وغم؟ فأنت تقف بين يدي الله خمس مرات في اليوم والليلة لتقيم الصلاة التي تحقق الراحة الكاملة وتقيم وتديم الصلة بالله - عز وجل - كما أن إيتاء الزكاة والصدقة يثبت الإيمان، ويحقق اليقين، ويعمق الطهارة في النفس البشرية.. لفظ الإقامة في اللغة من مادته اللغوية، قام أقام يقيم قائم، فيها معنى البناء، فالصلاة يبنيها المسلم فوق أركان، ويعلو ببنائها حتى يبلغ عنان السماء، بل قد تصبح في حقيقتها كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم معراج المؤمن، تصعد به إلى حيث فرضت من أصلها في رحلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى.
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وأهميتها، عندما قال صلى الله عليه وسلم: «من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين فعدم إقامة الصلاة هدم لبنائها» ومنها الإقامة فيها والسكن، وذلك بعد أن تبنيها تسكن فيها وتسكن إليها، ومنها الإقامة والاعتدال وعدم العوج وعدم الخلل ومنها الإقامة والمقيم والاستقامة والمقيم هو المستمر الدائم ففيها معنى الدوام لذلك جاءت مرة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ٢٣)، ومرة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)﴾ (المعارج: 34)، والصلاة صلة، فالتدريب على شعيرة الصلاة تدريب على الصلة بالله وعلى قدر حسن الصلاة يكون حسن الصلة.
أما الزكاة والصدقة، فليس المطلوب جمعها ودفعها للفقير إنما المطلوب إيتاؤها أس توصيلها على أحسن وجه، ففي حالة الأمانة قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء : ٥٨)، ولذا لم يقل هنا: وتؤدوا الزكاة، أما الزكاة ذاتها ففيها معنى الطهارة والتطهر والنمو والزيادة لأنك تخرج من كل ما رزقك الله صورا عديدة من الزكاة: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧)، ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ (البقرة: ٢٥٤)، وورد في الأثر: زكاة العلم مدارسته وتتصدق من علمك على غير المتعلم، وتتصدق من خبرتك على الآخر الذي ليس له ما أنت فيه من خبرة، وتتصدق من صحتك على العاجز والضعيف وتتصدق من حلمك على من يجهل عليك، وكل ذلك سماه الرسول ﷺ صدقة.. أما الثمرة منها، فهيا تقطفها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (البقرة : ٢٦٥)، تطهير وتنمية وتثبيت هذه الثمار الطيبة التي تجنيها بعد إخراج الزكاة، ولذلك قال رسول الله ﷺ: والصدقة برهان (رواه مسلم)، أي دليل على صدق الإيمان واليقين والثقة بما عند الله أوثق مما في يديك.
فهيا نصحح صلاتنا لنقيمها، وتتصل من خلالها برب العرش العظيم، وهيا تراجع زكاتنا فنزكيها ونتزكى بها تركية الله الكريم.
لا حول ولا قوة إلا بالله
كلمة جامعة مانعة شافية بإذن الله، نكررها مرددين مع كل مؤذن في كل وقت صلاة أربع مرات عندما ينادي حي على الصلاة حي على الفلاح، فما هو الحول وما هي القوة؟
يا من يشغلكم أمر التغيير والتحويل والتبديل من حال إلى أفضل منه اعلموا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، واعترفوا أننا لا نملك تحويلًا من حال إلى حال، ولا نملك قوة على ذلك إلا بالله، والحول: هو القوة المعنوية الدافعة من العزم والإصرار والرغبة والهمة والإرادة، والقوة: هي الأداة المادية لتنفيذ هذه الرغبة المعنوية وكل ذلك ليس إلا بالله ومن الله .. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)، فبداية التغيير نفسك التي بين جنبيك إن استطعت تغييرها لتزداد قربًا من ربك، فأنت على غيرها أقدر بإذن الله، وأولى خطوات ذلك الخروج والبراءة من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته.
اليقين الأكيد أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد
عجيب أن يتكلم القرآن الكريم عن الغيب المستقبلي بصيغة الماضي، إنها طلاقة القدرة الربانية يستوي تحت سلطانها الموجود والمفقود يستوي الماضي والحاضر والمستقبل، ألم تسمع قول الله عز وجل: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: 1)، ألم تسمع قول الله عز وجل عن أهل الجنة: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (الأعراف: ٤٤). وعن أهل النار: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف : ٥٠)، وعن الشيطان: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (إبراهيم: ٢٢)، وكلها أحداث في يوم القيامة ذكرت بالأفعال الماضية التي تؤكدها قبل أن تحدث بسنوات وقرون عديدة.
عندما تسمع قول الله عز وجل دائما في القرآن: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: ٤٠)، ويزداد يقينك بأن الأمر على الله عز وجل هين. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لذا كانت كل المعجزات هي متغيرات الموجودات إما أن يسلبها الله ما بها ويزيدها فوق صفاتها .. أو ينقص من خصائصها.
أمل العصا في يد سيدنا موسى عليه السلام، أليست هي العصا التي أمره الله أن يلقيها فإذا هي حية تسعى؟.. وهي التي أمره الله .... ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: ٦٣)، أليست هي التي أمره الله ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: ٦٠)، لو كانت كل معجزة بعصا لظننا أن هذه صفات في كل عصا على حدة ولكنها واحدة أظهرت طلاقة القدرة الإلهية. وتضاءلت الأسباب فكانت أضعف وأبسط الأسباب لتدل على المسبب سبحانه وتعالى وتزداد معرفة بالقدرة الإلهية عندما تقرأ الأوامر تصدر إلى كل هذه الكائنات فتنفذ كلها فورًا ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (هود: ٤٤)، ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه: ٣٩) تدخل بالأمر الإلهي المباشر إلى قلب امرأة فرعون، بل إلى قلب فرعون رغم أنفه و ... ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤).
وفي خروج ماء زمزم العجيب طعام وشراب وشفاء بل والأمان عندما عسكر حولها الركبان كل ذلك حماية لهاجر الضعيفة والطفل إسماعيل الأضعف، بعد أن نفذ الزوج أمر الله وأطاعت الزوجة ربها وزوجها وفوضت أمرها لله «إذن لن يضيعنا» وأخذت بالأسباب الممكنة، وهي السعي والهرولة ذهابًا وإيابًا بين الصفا والمروة، وغاية أملها، أن تجد قافلة من بعيد تحمل غذاء وماء، فرأت الجائزة من ذي الجلال والإكرام، ماء لا يحتاج إلى رفع ولا حمل، بل تبع تحت القدمين الضعيفتين للطفل الصغير، ماء يزيد ولا ينقص، وسيبقى إلى يوم القيامة - بإذن الله - لا تعيش فيه ميكروبات ولا فيروسات ولا طفيليات ولا فطريات حسب التجارب المعملية التي أجريت عليه في كلية علوم جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية. بل وأصبحت شعيرة لكل حاج ومعتمر أن يشرب من ماء زمزم ليتذكر هذا الدرس درس التوكل بعد الأخذ بالأسباب، درس تنفيذ أوامر الله وتكاليف الإسلام، والله يخلفك في أهلك ومالك وولدك بأفضل ما يخلف به عباده الصالحين.
آية في آية
هل تتصورون أننا أحسن حالًا من كل الأمم السابقة التي رأت المعجزات الحسية والآيات الإلهية؟ إنهم إن كانوا قد رأوا آية فإن الله عز وجل قد أرانا الآية في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، فنحن قد رأيناها آيتين: آية معجزة حسية في آية معجزة قرآنية لذلك ستشهد يوم القيامة مع الأنبياء والمرسلين على أقوامهم بأنهم قد بلغوا الرسالة، وذلك بما أبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله - عز وجل - عن الأنبياء والمرسلين: لتكونوا شهداء على الناس، وإنه لشرف عظيم ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤).
إلى مربي الأجيال..
إيمان مغازي الشرقاوي
- مسؤولياتك كبيرة فأنت صاحب رسالة الأنبياء المؤتمن على فلذات الأكباد
- تخلق بمناقب العلماء من صبر وحلم ورفق ولين وحب ورحمة وأحسن معاملة طلابك ولا تعنفهم
- كن قدوة طيبة لتؤثر في سلوك من تعلمهم فلا تنه عن خلق وتفعله ولا ترغب في خير وتتركه
هذه رسائل محبة نبض بها قلبي مشاعر حب، وترجمها لساني كلمات ود، وأملاها على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة، وزرعها على أرض الورق حروفاً لتثمر علمًا وعملًا .. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله، وأن تدخل كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علها تجد طريقًا إلى قلب القلوب.
إلى صاحب الرسالة العظيمة التي تشبه إلى حد ما رسالة الأنبياء.. إلى ذلك المربي الكريم الذي تتخرج على يديه الأجيال جيلًا بعد جيل، وينشأ بين أحضانه فلذات الأكباد من مختلف الأعمار.. إلى من يأتمنه الناس جميعًا على عقول أولادهم وقلوبهم وأجسادهم، وأوقاتهم.. إنها رسالة إلى المعلم.
مسؤوليتك كبيرة...
الا تعرف أيها المعلم أن مسؤوليتك كبيرة القدر، وأن الأمانة التي حملتها ثقيلة الحمل ذلك لأنها ليست كغيرها من المسؤوليات إذ فيها حياة أمة ورقي مجتمع، وحماية جيل ونهضة فكر، فهي بناء عقول، وتربية نفوس وتزكية قلوب وعلى قدر إخلاصك يتحقق كل ذلك، وإلا كنت كمن ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (النحل: ٩٢)، أو كالجبال إذا ما صارت هباء منثورًا، وكتبات الأرض إذا ما أصبح هشيمًا تذروه الرياح.
وكل من استرعاه الله على رعية فهو مسؤول عنها، وكل من كان له ولاية على أحد وجب عليه أن يؤتيه حقه ولا يبخس منه شيئًا، ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (أحمد).
لذا، فقد وجب عليك أيها الراعي أن تكون أمينًا على رعيتك من التلاميذ وطلاب العلم الذين جاؤوا ليجلسوا بين يديك ينهلون من علمك الذي أتاك الله إياه، فتنمو عقولهم، وتثمر من نوع ما بذرت أنت على أرضها، وتشب على ما لقنتهم إياه، فهم كالأرض الطيبة الخصبة وأنت الفارس فيها فإذا ما غرست فيهم مع العلم قيم الفطرة وأخلاق الإسلام صاروا الأئمة الأعلام وإذا ما أحطتهم بالرعاية وشملتهم بالعناية وحصنتهم ضد الأفكار المعدية، ونأيت بهم عن الآفات القاتلة أثمر غراسك فيهم، وقرت عيناك بهم، ورأت عيونهم فيك مثلا وقدوة وقد أخذت بأيديهم وانتشلتهم من أمواج الجهل وظلماته، ألم أقل لك: إنك تسير بذلك في طريق المرسلين، حيث كانوا رسلًا معلمين أثاروا العقول والأبصار، وصححوا المعتقدات والأفكار وارتقوا بالنفوس والقلوب؟
ماذا عليك أيها المعلم؟ إن عملك بقدر عظمته شاق وبقدر ثوابه يحتاج إلى دوام صبر ومثابرة، وكبير جهد ومجاهدة. وكل ذلك لا يطلب إلا من الله تعالى، فسله العون واطلب منه الإخلاص، وتحصن أنت أولًا بالعلم الذي يؤهلك لأن تقوم بدورك بفن وإتقان في «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (البيهقي). كل في مجال تخصصه، وما أحوج الأمة في هذه الأيام إلى كافة فروع التخصص في كل المجالات العلمية النافعة للبشرية، فالعلوم الشرعية والعلوم الدنيوية يجب أن يخدم بعضها بعضًا ويؤازره ويقويه، وهذا واجب أهل العلم الحقيقي، ويوم أن امتزجت علوم الدنيا واصطبغت بالصبغة الإيمانية خدمت دنيا الناس ورفعت من راية الدين لذا، فإن عليك أن تنمي مداركك وترفع من قدراتك وتزيد من علمك، وتطور من وسائلك، ولا يكون ذلك إلا بحضور الدورات التربوية المتخصصة بانتظام، والاطلاع على الوسائل التعليمية المبتكرة، والتعرف على لغة العصر وكيفية التواصل مع الأجيال الناشئة ليحصل التقارب فيما بينك وبينها، ولا تظن أنك بحصولك على شهادة تخصصك قد وصلت إلى آخر المطاف، فتلك هي المقدمة وهذه هي البداية والعلم بحر لا ساحل له ولا يشبع طالبه حتى يلقى ربه عز وجل.
خطوات نحو النجاح..
عليك بالإخلاص وحسن الخلق... وتخلق بأخلاق العلماء من صبر وحلم ورفق ولين وحب ورحمة وأحسن معاملة طلاب علمك ولا تعنفهم، ولا تعير أحدهم بصاحبه فالأفهام تتفاوت والذكاء هبة وعطية من الله، فلتعرف لكل طالب قدره منه وحاول أن تنميه فيه، وتعامل معه على أساس ذلك.
حاول أن تعرف دورك الحقيقي.. ولا تظن أخي المعلم أن دورك ينحصر في تفريغ مادة علمك وصبها في عقول التلاميذ صبًا يخرون عليه معها صمًا وعميانًا، فيحفظون العلم عن ظهر قلب بلا فهم، ويحتفظون به حتى يصبونه بدورهم على ورقة الامتحان وكأنهم يتخلصون منه إلى الأبد! إن دورك أخي المعلم هو أسمى من ذلك بكثير.
كن قدوة طيبة لمن تعلمهم.. ليكون لك هيبة في نفوسهم وتأثير في سلوكهم، فلا تنههم عن خلق وتفعله، ولا ترغبهم في خير ونتركه، ولا تتطلع إلى احترامهم لك وتوفيرك دون خلق حسن منك والمعلم له تأثير كبير على التلاميذ في سن الطفولة لا ينكره أحد، أما في سن الشباب فما أجمل أن يتخذ من طلابه أصدقاء وبيني معهم جسورًا من الصداقة.
ارفع من قدراتك.. وتعلم من المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم ولو حاولت أن تتبع خطى معلمك العظيم محمد صلى الله عليه وسلم في طرق تعليمه لوجدت مثالًا رائعًا، وحق على كل معلم أن يقتدي به؛ فهو صلى الله عليه وسلم علمنا الابتكار في الوسائل التعليمية، فتارة يعلم بالقصة، وتارة يضرب المثل، ومرة يطرح السؤال، وأخرى يشوق ويرغب وأحيانا يلقن، وقبل كل ذلك يبين للمتعلم فضل ما يقوم به من طلب العلم، وبحثه على الاستمرار فيه، وهكذا فمن كان معلمًا لا بد وأن يقرأ في سيرة النبي المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم.
لا تشتم مهما تكن الأسباب.. فأنت قدوة، وكل حركة وكلمة محسوبة عليك مكتوبة في أذهان طلابك منقوشة في عقولهم، فتخير في حديثك معهم أطايب الكلام فلا يليق بك وبمكانتك كمعلم أن تنطق بسفه القول، وقد يأتي التلميذ أول مرة إلى المدرسة فرحًا مسرورًا فيفاجأ بسوء المعاملة من أول يوم بل إنني أعرف أحدهم ذهب في يومه ذاك وهو سعيد بزيه المدرسي وحقيبته الجديدة ودخوله المدرسة لأول مرة في حياته ذهب وكله شوق وحب يمني نفسه بجوها الرائع وأصدقائه الجدد ومدرسة الحنون، وأراد منه معلمه شيئا والطفل صغير لم يفهم مراده، فما كان من المعلم إلا أن قال له: قم يا (...) وكان يومًا مشهودًا في ذاكرة ذلك الطفل المسكين كره معه المدرسة والدراسة بل والمدرسين!
ابتعد تمامًا عن الضرب.. ولا تكن قاسيًا، وتذكر القصاص منك على رؤوس الأشهاد، فإن من الآفات التي ابتلينا بها في هذه الأيام مع ضغوط أعباء الحياة على المعلم وطغيان المادة آفة الضرب التي يمارسها بعض المعلمين والمعلمات مع التلاميذ، وقد يحدث أن يخطئ التلميذ فيصر المعلم على تأديبه كما يظن فيضربه لتكون الضربة القاضية التي تقضي على حياة الطفل الضحية وتقضي معه على مستقبل المعلم الشاب الذي يصير قاتلًا ولو عن طريق الخطأ.
ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله» (البخاري)، وأنه صلى الله عليه وسلم كان أفضل معلم للناس جميعًا على مختلف أعمارهم ومستوياتهم وأفهامهم ولم يكُ ضاربًا قط؟ ثم ألا يخشى هؤلاء من القصاص يوم القيامة؟ وهل سيتعلم الطفل بالضرب أم أنه سيكبر معه الخوف والخور وحب الانتقام والعنف؟ وينمو في نفسه الشعور بالظلم والنقمة على من ظلمه، وبالتالي التمرد على معلمه وكراهيته بل وكراهية العلم الذي يقدمه له، والدعاء عليه بظهر الغيب.
كن دقيقًا في مواعيدك.. واحرص على الذهاب في الوقت المحدد، ولو لم يعلم مديرك بتأخرك فإن الله تعالى يراك ولا تخفى عنه خافية، كذلك ولا تتصرف قبل انتهاء دوامك فالله تعالى يحب منا الوفاء بالعقود، ولا تتعلل بقلة الراتب الذي تقبضه فقد قبلت العمل وتعاقدت على هذه الشروط وعليك الوفاء بها.
كن أمينًا في تبليغ رسالتك.. فليس لك عذر في التخلي عن واجبك في إيصال المعلومة للطلاب والتفنن في طرق ذلك، وإن فعلت وتخليت أو قصرت فقد خنت الأمانة وخالط مالك شبهة الحرام، وسيسألك الله تعالى عن الدرهم والدينار من أين اكتسبته قاعد الإجابة لذاك السؤال.
لا تتخذ من الدروس الخصوصية بديلًا للطلاب.. وهذه آفة من الآفات السيئة التي سادت بعض المجتمعات العربية، بل والتي أصبحت صفة سائدة وملازمة للطلاب خاصة أصحاب الشهادات منهم، وليتها إذ وجدت كانت محدودة باجر ميسر ومخصصة في بعض المواد الصعبة، بحيث تساعد المدرسة في دورها ولا تلغيه تمامًا كما يحصل في بعض المدارس. وفي ظني لو أن كل معلم قام بواجبه بأمانة وأتقن عمله وأخلص فيه، فلن يحتاج أحد إلى الدروس الخصوصية إلا القليل النادر، ولا يخفى على أحد ما ينتج عنها من إرهاق الميزانية كل أسرة خاصة الأسر الفقيرة التي لا يشفع لها فقرها عند المعلم، كما أن هذه الدروس تقطع حلقة التواصل بين معلم المدرسة والطالب، وبين المدرسة والبيت وتورث الفوضى في الصرح التعليمي، ولا يكون للمدرسة أهمية في نظر الطلاب حيث لا بد لهم من البديل المفروض عليهم وهو الدروس الخصوصية وأخيرًا أيها المعلم.. احتسب أجرك وعملك عند الله .. لأنك مهما كان راتبك فهو ضئيل بجانب مسؤوليتك الكبيرة ودورك العظيم إذا كنت تقوم بهما حق القيام، أما أجرك الحقيقي فهو عند الله الكريم المنان الذي يعطي بلا حساب، وستجده لا ريب في يوم أنت أحوج ما تكون فيه إليه، فإن «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (مسلم)، وأبشر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (البخاري).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل