العنوان المجتمع التربوي (1149)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 81
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 09-مايو-1995
وقفة تربوية:
اللهم اجعلنا من الأقلين :
استغرب أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» – رضي الله عنه – دعاء أحدهم في عهده، وهو يقول: «اللهم اجعلني من الأقلين»، مما حدا به أن يسأله عما يعني بهذا الدعاء. فقال له الرجل: سمعت الله يقول: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود:40) وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ... وذكر آيات أخرى، فقال عمر: «كل أحد أفقه من عمر».
قد يضيق صدر بعض الدعاة، وهم يرون أنفسهم قلة في كثير من أهل الأهواء والملل، وقد يصيب بعضهم الإحباط بسبب هذه القلة ويدخل الشيطان على أحدهم بأن ذلك بسبب ضعف فيهم أو في المنهج الذي يتبعون، وقد تكون هذه أسباب في قلتهم، ولكنها ليست رئيسية، حيث إن سنة الله تعالى اقتضت أن يكون أصحاب الحق دائمًا هم القلة وهذه هي الحقيقة التي غابت عن أمير المؤمنين وفهمها من ذلك الرجل الصالح.
يقول الحكماء الكرام: «في اللئام كالغرة بالفرس».
ولهذا فأغلى الخيول هي: تلك التي فيها الغرة، ومن فيها البياض في عنقها أو رأسها؛ لأنه يزيدها جمالا وجاذبية، يقول الشاعر حبيب الطائي:
إن الجياد كثيرٌ في البلاد ود وإن *** قلوا كما غيرهم قُل وإن كثروا
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما *** في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
وهكذا هم الدعاة، فإنهم من الصنف النفيس من الناس، فلا بد أن يكونوا قليلا.
«أبو بلال»
مفاهيم دعوية:
السمع والطاعة في المنشط والمكره:
أخرج البخاري عن جنادة بن أبي أمية. عن عبادة بن الصامت قال: (دعانا النبي له فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفر بواحا عندكم من الله فيه برهان) قال «ابن حجر» في تفسير ذلك: (منشطنا ومكرهنا أي في حالة وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين نشاطنا عن العمل بما نؤمر له).
الطاعة وحكمها الشرعي الطاعة: هي الامتثال للأمر، وإذا لم تحصل الطاعة حلت الفتنة والمؤمن قد تخفى عليه مقدمات الفتنة، فلا يحس بها إلا حيث تقع فعلا؛ ولذلك وجب عليه أن يكون محترسًا في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته، حتى لا يكون فتنة للذين آمنوا، والطاعة واجبة ما لم تكن معصية لقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، (النساء: ٥٩).
عن عبد الله بن عمر _رضي الله عنهما_ عن النبي ﷺ: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب، وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»
لنا في جند الإسلام عظات وعبر:
ها هو «سعد بن معاذ» _رضي الله عنه _الصحابي الجليل أحد قادة الأنصار الذي اهتز له العرش عند موته، يتذكر هذا المعنى عندما قال رسول الله ﷺ في اللحظات الحرجة قبيل معركة بدر أشيروا علي أيها الناس قال سعد: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنه النموذج الفذ الذي عرف معنى الطاعة، ومن المعروف أن الصحابة كان معظمهم لا يجيد السباحة، ولكنها الطاعة التي فهموها من مدرسة النبوة، وهذا «جندب بن مكيث الجهني» الصحابي الجليل يقول عن نفسه: (بُعثت في أحد سرايا رسول الله ﷺ إلى بني الملوح لكديد، فعمدت إلى تل يطلعني على القوم، فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم مع امرأته فراني منبطحًا على التل، فقال: إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته أول النهار، فأمر امرأته أن تأتيه بقوسه، وسهمين من نبله فرماني بسهم في جنبي، فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحنا فابتغي سهمي لا تمضغهما على الكلاب، وعندما ذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة، فقتلنا واستقنا النعم).
إنها مثال الدقة بالطاعة والتحمل من أجل تنفيذ أوامر القيادة، فلو تحرك ربما فسد كل شيء.
خالد يوسف الشطي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل