; فقه الواقع أقوى أسباب نجاح الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان فقه الواقع أقوى أسباب نجاح الدعاة

الكاتب محمد الجاهوش

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 81

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 09-أبريل-1996

فقه الواقع من أهم أسباب نجاح الدعاة وأقواها، ومن أكثرها أثرًا في نشر الدعوة وقبول مبادئها.

وإنه لفارق كبير بين من يدعو إلى الله تعالى على بصيرة بواقع قومه وإحاطة بشئون مجتمعه، مدركًا عوامل التأثير في جمهور المدعوين، وبين من يجهل ذلك ولا يعيره اهتمامًا.

ودون ما ريب فإن النتائج لن تكون متقاربةً، فضلًا عن أن تأتي متساوية؛ إذ كيف يتساوى جهد من جهل الواقع ومضى يعتسف الأمور اعتسافًا، ويخبط - تائهًا - في دروب الحياة، كيف يتساوى جهد هذا مع جهد من قدر الأمور حق قدرها ووضعها في نصابها، وأتى البيوت من أبوابها، وأنزل الناس منازلهم وعرف أقدارهم، وخاطب العقول والقلوب بما يحركها إلى التفكير والتأمل، أو يستميلها إلى الفهم والاستيعاب؟

لا شك أن الفارق بين الصنفين كبير، فلا غرابة أن تتفاوت النتائج ولا تتقارب، ومما يجدر بالدعاة استحضاره دائمًا وأن يكونوا على ذكر منه، فلا يغيب لهم عن بال أن العز والمنعة قلما يتوافران خارج الأوطان، وأن الحشمة والتقدير نادرًا ما يحظى بهما المرء بعيدًا عن الرهط والإخوان.

هذه حقيقة جرت على لسان نبي الله لوط عليه السلام في اليوم العصيب، يوم أحس بضعف الغريب وقلة الناصر بين قوم نزح إليهم من بعيد ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هُود:80).

وقالها قوم شعيب وقد هالهم ما يلقاهم به من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ (هُود:91).

نشير إلى هذا، وليس بغائب عنا قول رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد».

ونؤمن كذلك إيمانًا مطلقًا أن الاعتزاز بالله تعالى وحده - دون الرهط والعشيرة والأنصار والأتباع هو سبيل النجاح، وطريق السعادة، لكن الذي نومئ إليه إنما هو فقه الواقع، وإدراك تداعياته، والتعامل معها، دون التخلي عن حمل أعباء الدعوة أو التقصير في مهمة الإبلاغ بكل الوسائل المتاحة.

كثيرًا ما يجد الداعية نفسه أمام مواقف يملي عليه الواجب أن يقول كلمة الحق فيها، ويسعى إلى تغيير المنكر، ويشعر بالذنب والتقصير إن هو قصر أو توانى، وفي الوقت ذاته يرى أن يده أقصر من أن تطول ذلك المنكر وأهله، وإن هو فعل فتكون ردة الفعل أقوى وأقسى، وستعود بضرر أكبر وأشد مما ينبغي إزالته، فماذا عساه فاعلًا؟ 

إن فقه الواقع في هذه الحالة أن يتجاوز الإنسان ما يعجزه إلى ما يستطيعه ويقدر عليه، ولعل أبرز الخيارات هنا يكون في التحول من قضية إلى أخرى، وطرحها بديلًا عما يشغل الناس، وتقديمها بثوب زاهٍ، وأسلوب رفيق جاذب؛ فإن النفوس تهوى الجديد، والإنسان فضولي بطبعه ميال إلى حب الاستطلاع.

والأعمال الجيدة الصادقة الخالصة لله تعالى، تحمل عوامل نجاحها في ثناياها، وتتسلل إلى القلوب دون واسطة، ولا استئذان، فكم من بدعة درست وعفت آثارها بإحياء السنن وممارستها؟ وكم من ضلالات تخلى عنها أتباعها عندما لاحت لهم معالم الهداية، من خلال الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة. 

وكم من طاقات أمدت الفساد والانحراف بكل أسباب البقاء، وما لبثت أن تحولت إلى الخير والعمل البناء؛ لما وجدت متنفسًا نظيفًا، وبيئة صالحة، وموجهًا مخلصًا.

وليس هذا بدعوى ندعيها، ولا رأيًا نراه إنها الحقيقة بكل أبعادها، وكثرة شواهدها، فإن «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». (متفق عليه). 

نعم، إن تحت ركام الجاهلية جمرًا يتأجج ينتظر من ينفض عنه الرماد؛ ليتحول إلى طاقة كاسحة تحرق الشر وأهله. 

وتحت ركامها فطر صدئة، ترقب من يجلو عنها صدأ السنين، وغبار الزمن لتنطلق سوية سليمة تذرع دروب الحياة لهداية الحياري وإرشاد العابثين، فما أحوجنا إلى فقه واقعنا والتعامل معه بتقوى وإخلاص.

  • درس عملي

روى ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبي بكر الأدمي أنه حج برفقة الإمام البغوي، حتى إذا كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوا في المسجد النبوي شيخًا أعمى يقص على الناس أخبارًا موضوعة مكذوبة.

قال الإمام البغوي: ينبغي الإنكار عليه؛ لأنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بعض أصحابه: إنك لست في بغداد، يعرفك الناس إذا أنكرت عليه، ومن يعرفك هنا قليل، والجمع حول الرجل كثير، فما نرى لك هذا، ولكن نرى أن تأمر أبا بكر الأدمي - وكان حسن الصوت - أن يقرأ القرآن ويسمع الناس.

استصوب الإمام البغوي الرأي، وأمر أبا بكر الأدمي أن يشرع في التلاوة، فلما سمع الناس حسن تلاوته، ونداوة صوته انجفلوا عن الأعمى وتركوه، وأقبلوا يصغون إلى القرآن ويتدبرونه، ولم يبق عند الأعمى أحد، فأخذ بيد قائده وقال: امض بنا فهكذا تزول النعم.

لقد فقه الإمام البغوي وأصحابه واقع الناس، وتعاملوا معه، فحققوا مقصدهم بأيسر مؤنة وأقل جهد. 

فهلا تنبه العاملون إلى هذا، وحرصوا على طرح البديل كلما أعجزهم التغيير؟

(*) کاتب وباحث سوري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 800

82

الثلاثاء 13-يناير-1987

فقه التمكين