; المجتمع التربوي (1332) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1332)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

مشاهدات 59

نشر في العدد 1332

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

وقفة تربوية

إرادة التغيير

في رمضان يتغير كل شيء، برنامج المجتمع اليومي، والبرنامج الشخصي لكل فرد، تتغير مواعيد النوم، ومواعيد العمل، ومواعيد الزيارات، ومواعيد الطعام، تتغير عبادة الإنسان لربه، فيكون أكثر قربًا لله وأكثر قراءة للقرآن، وأكثر صلاة، وأكثر التصاقًا ببيوت الله تعالى، ويشعر أنه غدا إنسانًا آخر.

رمضان يعلمنا أننا نستطيع أن نتغير لو أننا قررنا ذلك، وأن الله تعالى قد أودع في الإنسان طاقة كبرى لذلك التغيير، وأن ذلك ممكن لو قرر الإنسان ذلك، ولكن بعض المؤثرات الداخلية والخارجية التي يستسلم لها، تجعله يستصعب ذلك التغيير الذي يذكره به رمضان كل عام.

إنه يقول لمدخن السيجارة: إنك تستطيع أن تمتنع عنها منذ طلوع الفجر، وحتى غروب الشمس، ويقول لعشاق الطعام: إنكم تستطيعون ترك الطعام ليوم كامل إذا أردتم، ويقول للهاجرين للقرآن: إنكم تستطيعون ختمه في شهر لو أردتم ذلك، ويقول لكل صاحب قصد سيئ أو معصية: إنك تستطيع تغييره لو أردت ذلك.

إذًا هي إرادة التغيير التي تنبع من ذواتنا نحن، ولا تهبط علينا فجأة من السماء، إنها تبدأ حينما يقرر الإنسان ذلك، وهذا ما توصلت إليه آخر الأبحاث في علم الإرادة، أنه «لا فرق بين جامع القمامة والمليونير في العقل، وإنما الفرق هو قرار كل واحد منهما».

وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: 11).

قرر أنت فقط أن تتغير وسيتغير ما فيك من الخطأ، ولا يمكن لأحد سواك أن يقرر ذلك بدلًا منك.

أبو خلاد

 

حتى لا يتحول شهر الجهاد والعبادة إلى موسم للتُخمة والملل

بقلم: خالد أحمد الشنتوت

  • مطلوب تقليل الطعام والنوم وزيادة العبادة والعمل للفوز بثمرة رمضان

الصوم ركن من أركان الإسلام، فرضه الله على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة قبيل فريضة الجهاد، ولهذا التوقيت معاني كثيرة وكبيرة منها: «مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه، ومنها مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها، وإيثار ما عند الله، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك، الذي تتناثر على جوانبه الرغبات والشهوات، والمغريات. (۱)

وفرض الصوم قبل الجهاد فيه إشارة إلى أن الصوم يعد المسلمين للجهاد في سبيل الله، فتقوية الإرادة، ومحاربة الشهوات، ومراقبة الله عز وجل، والصبر صفات ضرورية للمجاهد في سبيل الله.

وقد جمع الله عز وجل هذه المعاني في كلمة «التقوى» فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

كان الصحابة يصومون نهارهم حتى إذا غابت الشمس أكلوا وشربوا، وباشروا زوجاتهم حتى إذا ناموا، حُرِّم عليهم الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام، ثم إن رجلًا من الأنصار كان صائمًا، حتى إذا أمسى جاء إلى بيته فصلى العشاء ثم نام قبل أن يأكل أو يشرب -من شدة التعب- حتى أصبح صائمًا.

ثم استمر في اليوم الثاني على صيامه المتصل، وقد جهد جهدًا جهدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ﴾ حتى قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ﴾ (البقرة: 187.)

فقد كان الأصل عدم الأكل في الليل بعد النوم، ثم رخص الله عز وجل لعباده وسمح لهم لأنه يعلم ضعفهم، وعدم صبرهم، ويريد التخفيف عنهم.

شهر الجهاد

لم يقصر الصحابة -رضوان الله تعالى عنهم- الجهاد على رمضان بل استغرق الجهاد معظم حياتهم، وما كانوا يؤخرون الجهاد حتى ينقضي رمضان، بل إن الفتوحات الكبرى كانت في رمضان ومنها:

1-    غزوة بدر الكبرى: حيث أذل الله مشركي قريش، وقتل صناديدهم، وكسر شوكتهم على يد عباده المؤمنين، وكانت في السابع عشر من رمضان.

2-    فتح مكة: حيث تجهز المسلمون ودخلوا مكة فاتحين بعشرة آلاف مقاتل، وطهرت الكعبة من الأوثان، وقضي على مشركي قريش حتى دخلت قريش في الإسلام.

3-    عودة المسلمين مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، في شدة الحر والقيظ.

4-    التقاء المسلمين في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الفرس في معركة البويب في السنة الثالثة عشرة للهجرة بقيادة المثنى بن حارثة، واقتراح المثنى على جنوده أن يفطروا وقتل المسلمون من الفرس زهاء مائة ألف (۲)  

5-    لخمس بقين من رمضان خرج المسلمون من مصر إلى الشام لملاقاة التتار في عين جالوت.

6-    في العاشر من رمضان اجتاز الجنود المصريون قناة السويس وخط بارليف وطردوا اليهود من سيناء في عام (۱۳۹۳هـ).

هذه بعض الأمثلة القديمة والحديثة على الفتوحات الإسلامية في رمضان، إذ لم يمنع الصوم المسلمين من الاستعداد للمعركة، وتحمل أعبائها أو مشقتها.

رمضان والجوع

يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يرحمه الله: روح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلًا فلم ينتفع بصومه، بل من الآداب ألا يكثر النوم في النهار حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوي فيصفو عند ذلك قلبه، ومن آداب الصوم ألا يستكثر من الطعام عند الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، فما وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حل، وكيف يُستفاد من الصوم قهر عدو الله، وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟ (۳)

في الأسبوع الأخير من شعبان يهجم المسلمون على أسواق المواد الغذائية يجمعون منها أصناف الغذاء، ويعدون أطعمة وأشربة خاصة برمضان، زيادة على بقية الأشهر.

بل صار من المتفق عليه بين المسلمين اليوم أن مصروف شهر رمضان للطعام والشراب يعادل مصروف شهرين من غيره ويتذمر صغار الموظفين من ذلك.

وفي هذا الأسبوع من رمضان يهجم المسلمون على أسواق المواد الغذائية ثانية، يجمعون منها أصناف الحلويات والمكسرات والأشربة لأسبوع العيد.

ولهذا فإن جميع المسلمين -إلا من رحم ربك- يزيد وزنهم في رمضان، ويفسر البعض الحديث النبوي («صوموا تصحوا» (٤) بأنه «صوموا يزيد شحمكم ووزنكم»، ويؤكد البعض الآخر أنه زاد من كيلو إلى ثلاثة كيلو جرامات خلال رمضان، علمًا بأن السمنة ليست صحة، بل مرضًا، وقد ذمها رسول الله ﷺ، فعندما رأى رجلًا سمينًا برزت بطنه، وضع إصبعه على بطنه وقال: «لو كان هذا في غير هذا» وفي حديث آخر يذكر فيه رسول الله ﷺ أن السمن سيكون في أمته، ويتضح ذم رسول الله للسمن، إذ تؤكد سيرته وهديه -صلى الله عليه وسلم- في الطعام والشراب ذلك، فعن عمران بن الحصين  -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ - ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ. (٥).

ويستدل بالحديث أن السمنة من صفات هؤلاء القوم الذين تفشو فيهم الخيانة، وتقل فيهم الأمانة، وكلها من الصفات المذمومة غير الحميدة، وذلك واضح بالبديهة، لأن السمنة تأتي نتيجة كثرة الأكل والشرب، والنوم، وكلها صفات مذمومة، فهل يفطن المسلم إلى أن رمضان كما هو عند الصحابة، لا يمكن أن يزيد وزن الصائم بل ينقصه، وهل يفطن الصائم إلى أن تقليل الوزن هو الصحة، وزيادتها مرض؟

وفضلًا عن ذلك: يقل العمل والإنتاج اليدوي والفكري، والعمل الإداري في مكاتب الدولة والوزارات وسائر المؤسسات، وقد يتوقف بعضها كما في المدارس والجامعات، إذ يتوقف في الأسبوعين الأخيرين من رمضان، ويبرر بعضهم ذلك قائلًا: «رمضان لا يسع لغيره»، و«رمضان شهر عبادة»، والعبادة عند هؤلاء هي الصوم والقيام في الليل، أما سائر الأعمال، ومنها طلب العلم، فليست عبادة حسب فهمهم، وفي هذا خلط خطير جدًا.

وفي رمضان المعاصر يسهر كثير من المسلمين الليل كله، قليل منهم يسهرونه في صلاة التراويح، ثم القيام، وتلاوة القرآن، وبعضهم يجعل الليل للعمل والنهار للنوم، فتداوم كثير من المؤسسات الخاصة كالبنوك والأسواق من العاشرة حتى الواحدة أو الثانية ليلًا، وبعض المسلمين يسهرون الليل في رمضان من أجل اللعب بكرة القدم، أو لعب القمار «في غير دول الخليج»، وهناك لهم موسم سنوي للقمار هو ليالي رمضان، والسبب أنهم يسهرون ويشغلون ليلهم بالقمار «مثل لعب الورق والضاما وغيرها».

وفي بعض الدول المسلمة، يوجد موسم سنوي للحفلات الموسيقية الراقية، إذ تُستدعى لها الفرق الراقصة والموسيقية من البلدان العربية والأجنبية، ومن المؤلم أن هذا الموسم السنوي هو ليالي رمضان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

نصائح

أخيرًا، أنصح نفسي وإخواني المسلمين بتحري السنة في الصوم، وهي تتلخص فيما يلي:

1-    ألا نعد أطعمة خاصة لرمضان، بل يكفي أن يكون مجموع ما يأكله المسلم في يوم رمضان أقل من غيره من الشهور، حتى يكسر شهوة البطن، ويتغلب عليها.

2-    ينبغي أن يشعر الصائم بالجوع والعطش، لأنه عندما يشعر بذلك، ويرى الطعام والشراب، ثم يكف عنهما لأنه صائم، في الوقت الذي يراه فيه الله عز وجل، عندئذ تتحقق بعض حكم الصوم، وهي التقوى «الخوف من الله عز وجل»، أما إذا نام معظم النهار أو نصفه، ولم يشعر بالجوع والعطش فقد حُرم ذلك الهدف الأساسي من الصوم.

3-    ينبغي على المسلمين ألا يقل عملهم في رمضان، فصلاة التراويح تنتهي في الحادية عشرة، وكلنا لا ننام في الأيام العادية قبل ذلك الموعد، والاستيقاظ على السحور لا يحتاج إلى أكثر من نصف ساعة، ويمكن تعويضها بتأخير الدوام في الصباح ساعة فيكون في التاسعة بدلًا من الثامنة، والانصراف في الثالثة بدلًا من الثانية.

ومن المهم جدًا ألا نتخذ الصوم حجة للكسل وإهمال العمل، فعندما نفعل ذلك نقدم للعالم صورة مشوهة غير صحيحة عن الإسلام، مع أن المطلوب منا عكس ذلك، وهو تقديم الإسلام للعالم كافة في صورته الصحيحة.

ومن الأصح أن يكون الموظف المسلم والبائع والطالب والمدرس وكل مسلم صائم لينا سمحًا، يتذكر أنه صائم، وأن الصوم يحثه على مساعدة الآخرين، والإحسان إليهم لأن الثواب يتضاعف في رمضان.

علامة الاستفادة

كيف يعرف المسلم أنه استفاد من مدرسة رمضان؟ هناك مقياس على النحو التالي:

1-    هل نقص وزنه؟

2-    هل قويت إرادته؟

3-    هل زاد شعوره بالآخرين، وبخاصة الفقراء والمحتاجون؟

4-    هل قويت علاقته بالله عز وجل، ويتضح ذلك بزيادة نوافله من الصلاة، وتلاوة القرآن والصيام، وإقباله على طلب العلم، ورغبته في مساعدة الآخرين، وزيادة خوفه من الله عز وجل؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل