; المجتمع التربوي ( 1379) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي ( 1379)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 79

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

وقفة تربوية

ضوابط كلمة الحق

كلمة الحق التي يستخدمها الداعية في دعوته للآخرين، لا يمكن أن تكون مؤثرة حتى تتوافر فيها مواصفات عدة، ذكرها الكثير من العلماء في كتبهم.

ومن أجمل الكتب التي ذكرت ذلك كتاب د. محمد أبو الفتح البيانوني وعنوانه «جهاد الكلمة.. معالمه وضوابطه»، إذ ذكر فيه ضوابط عدة لكلمة الحق، منها قوله في الصفحة التاسعة: «أن تكون ملائمة مكافأة للموضوع المتكلم فيه، والأمر المدعو له، والنهي المنهي عنه».

فهناك طائفة من الدعاة يخلطون بين السنة والواجب، والمكروه والمحرم، فتراهم يغضبون ويزمجرون، وترتفع نبرات صوتهم على سنة يؤجر فاعلها ولا يأثم تاركها، بل تكون تلك معركتهم مع الآخرين! يوالون ويعادون من أجلها، بينما نرى هؤلاء الدعاة أنفسهم يتعاملون في أمور أخرى من الواجبات تعاملًا باردًا لا يوجد فيه ذلك الغضب، ولا الحرقة على انتهاك محارم الله!

هذه الصفة التي ذكرها الشيخ الفاضل لا تشتمل على نوع الحكم فحسب، بل تشمل حتى نبرة الصوت، فما يعلو فيه الصوت من المواضيع يختلف عما يخفت فيه، وما تكون نبرته وقورة محافظة غير ما تكون النبرة فيه مرحة مضحكة.

كذلك فإن بداية الخطبة أو الكلمة لا تكون فيها النبرة مثل وسطها أو آخرها، والحديث عن أحد مواضيع الزهد تختلف فيه النبرة عن الحديث عن مواضيع الظلم والظالمين.. وهكذا.

أبو خلاد

 

الصيام تربية وجهاد

كيف نستقبل شهر رمضان؟

بقلم: محمد عبد الله الخطيب«*»

«*» من علماء الأزهر.

النظام الروحي في الإسلام، هو النظام الذي يربي الإنسان ويحفظه ويصونه، والإسلام رسالة جهاد وكفاح، ولا بد من قاعدة أصيلة قوية يرتكز عليها، وينطلق منها، وهذه القاعدة هي العقيدة وعن طريقها يكون الإيمان الصادق، الذي يصقل النفس البشرية ويهذبها، ويرفع من شأنها ويزكيها، وكلما قويت هذه القاعدة وتأصلت وضربت بجذورها في القلب وسرت مسرى الدم في العروق، استطاع الإنسان أن يربط مصيره ومستقبله بهذا الدين، بل يربط حياته كلها بالله وحده.

إن منهج الإسلام هو المنهج الرباني الفريد الذي أصلح ويصلح البشرية كلها، على جميع مستوياتها، والبعد عنه في التربية والتزكية، والتماس مناهج بشرية قاصرة، هو إتيان للبيوت من غير أبوابها، وتقصير مهين في حق البشرية، وتضليل بل وتضييع لها. إن العمل مع أنفسنا هو أول الواجبات علينا، فيصوم المسلم ويجاهد نفسه على تطبيق أوامر الله وأحكام شريعته، ولا يتهاون مع نفسه في ذلك بأي وجه من الوجوه، فالمسلم الحق يؤدي الفرائض ويتطهر من المعاصي، ويفر من الإثم، ويصل قلبه ومشاعره بالله الذي له ملك السماوات والأرض.

وفي حياة المسلم تقدير للوقت، وحرص عليه، ويقاوم الكسل والعجز، ويحاسب نفسه حسابًا عسيرًا، ويحذر أن تمر به أوقات لا يكون له فيها عمل طيب وسعي مبرور، وفي رمضان نعمل مع بيوتنا وأسرنا، وهذا من أقدس الواجبات، فالأمة هي مجموع هذه الأسر، وإذا قويت دعائم الأسرة قوي بناء الأمة، والواجب على المسلم أن يتلطف مع أهله وأسرته وأقاربه، ويقودهم إلى طاعة الله، والالتزام بشرعه، ونتعلم من رمضان درسًا نتربى عليه وأن ارتباط المسلمين ووحدتهم هي أقوى سلاح، فالحرص على كل ما يدعم كيانهم ويقوي رابطتهم من أهم فرائض الإسلام.

شهر الروح والريحان

حين يقبل علينا شهر رمضان يشعر المسلمون بنقلة واسعة عظيمة، نقلة فوق هذه الدنيا، يعيش الصائم بين صيام وإحسان وقيام واستغفار وتوبة، وإقبال على الله، يعيش بين تأمل وتذكر وتفكر، إنها سياحة إيمانية تتسع فيها آفاق الحياة أمام الصائم، ويمتد فيها جانب الروح وتسبح في ملكوت الله إلى ما هو أبعد من السماء والأرض، وننتقل من المشاهد المحسوسة الزائلة إلى الغيب الحق الباقي، فنعم العمل في الدنيا، ونعم الجزاء في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الذاريات: 15).

إن رمضان دفقة كاملة للإيمان، ودفعة قوية الروح، إنه منهج حياة، ودرب سعي وركوض إلى الله. إن رمضان منهاج عجيب في التربية والتزكية، منهاج معجز فريد، يحتاج منا إلى وقفات متأنية، وتأملات، إنه أسلوب فذ في الأخذ بيد البشرية الحائرة إلى الطريق الصحيح، أسلوب فذ في تخليص المسلم من المعوقات والمثبطات.

ويتجه الصيام إلى تغيير الزمان الذي يتغير خلاله الإنسان تغييرًا كاملًا مباشرًا، في مواعيد النوم والطعام والشراب والعمل، وكل حركة الإنسان تتحول في رمضان إلى مسار آخر فيعتاد المسجد، ويكثر من ذكر الله، وتلاوة القرآن، ويحرص على صلاة الفجر، ويحافظ على سنة التراويح. إن شهر رمضان علم على المجتمع الإسلامي، يميزه فلا يخطئه القادم من بعيد، فجو رمضان الاجتماعي هو الأثر العملي الباقي الذي لم يتخلف عن حياتنا الإسلامية.

وإذا كان الصيام قد اتجه إلى تغيير نظام «الزمان» تغييرًا مباشرًا فإن نظام الصلاة يتخلل حياتنا اليومية العادية، فينفخ فيها الروح الإيمانية ساعة بعد ساعة.

جاء في الأثر الموقوف أو المرفوع في بعض الروايات: «تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء»، فالصلاة مضخة الإطفاء للذنوب، جاء في الأثر: «قوموا إلى نار الدنيا التي أوقدتموها فأطفئوها».

كذلك من شعائر هذا الدين، ما يتجه إلى تغيير المكان الذي يحيا فيه الإنسان تغييرًا مباشراً، ويظهر هذا جليًّا في فريضة الحج، يرحل المسلم إلى البلد الحرام، يرتدي ملابس الإحرام، ويحرم عليه أثناء الإحرام الأعمال التي كان يزاولها في حياته اليومية المعتادة.

ويصور أحد العلماء هذا التغيير فيقول: «ولكل من هذه الشعائر أثره في حياة الإنسان، فالصلاة تنبيهات خفيفة «لضبط» الآلة الإنسانية خلال مجرى الحياة العادية، أما الصوم فهو «فك ومسح» لهذه الآلة مما يكون قد علق بها، على مدار العام، عن طريق تغيير للعوائد والنظام، أما فريضة الحج فهي «غيار كامل» لما تلف من هذه الآلة طوال العمر».

وفي نهار رمضان تغلق محلات الطعام وتشغل الأفواه بذكر الله عن الطعام والشراب، ويصبح الأمر المستغرب أن ترى مجاهرًا بعصيان الله، وقبيل المغرب تشاهد مجتمعًا صائمًا يستعد للفرحة الأولى، فرحة الفطر، كما جاء في الحديث: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».

وقبيل الإفطار تشاهد الشوارع قد ازدحمت وامتلأت حركة، ثم تنفض، يهرع الناس إلى بيوتهم، وتتحول الطرق إلى هدوء كامل، الكل ينتظر مدفع الإفطار، وبعد قليل، يندفع الناس إلى الشوارع سعيًا إلى بيوت الله التي تزينت، ثم صلاة العشاء والتراويح ثم سهرات رمضان التي توجب على كل مسلم جوًّا روحانيًّا، يؤكد التزام الصائم في ليله ونهاره بطاعة ربه، والحياة في الجو الروحي الخالص الذي أمر الله به.

دور رمضان في التربية

رمضان مدرسة، بل جامعة كبرى، نحصل فيها جوانب من التزكية والتربية لا تتوافر في أي وقت طوال العام، ففيه: الارتباط بين الوجدان بالفكر والذكر والعمل، وارتباط التكليف بالتيسير، وارتباط الحرمان بالمتعة والفرحة، وارتباط الفرد بالمجموع، وارتباط الشعائر بالحياة، وجذور هذا الدين لن تستمر ضاربة في القلب إلا إذا تعاون المجتمع كله على دعم المعروف وتقويته، والتواصي بالحق والصبر، فينكر على كل مخالف مستهين بحدود الله، حتى يجد نفسه غريبًا وحيدًا، في مجتمع الطهر والإيمان.

وفي رمضان يشترك في الطاعات النساء والأطفال، والصغار والكبار، يعمرون أيامهم ولياليهم بطاعة الله عز وجل.

والأمر هكذا يجب أن تتطلع الأمة إلى عودة جديدة إلى سر قوتها وليس أمامها إلا أن تولي وجهها بحزم وإخلاص وعزم إلى منهج الله عز وجل، وأن تتزود من عطر الإيمان بربها، والنور الذي أفاضه عليها في رمضان، عسى أن تنجلي هذه القلوب وتصوم عن إغراقها في الدنيا وكراهيتها للموت.

وإن الفترات المقفرة من النصر التي تمر بتاريخ هذه الأمة، لا يمكن أن تطمس حقيقة الإسلام الكبرى، تلك الحقيقة التي تقول: إن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وهي الجديرة بحمل الأمانة، والأمينة على ركب الإنسانية، وهي التي تقدم أعز ما تملك إلى ساحات الجهاد والبذل والعطاء، وحملة المنهج الرباني لهذه الدنيا من جديد.

وأخيرًا.. يجب أن نتعلم من شهر الصيام، هذا الدرس الأخير:

إن قوة الأمم والأفراد لا تقاس أبدًا بمقدار ما عندهم من علم أو مال أو سلطان، أو التمكن من أسباب قهر الآخرين أو التغلب عليهم، ولكنها تقاس بقوة السر المستكن في الضمائر والقلوب، وقوة الصلابة، وروح المقاومة في الأنفس التي تثبتها عند الشدائد والأزمات والمحن، روح المقاومة التي تحفظها عند الفتنة، وتمسكها على خلائق الأحرار والتعفف، وخصال البر، وشرف الحياة، وتقوى الله، ولو كلفها ذلك الضيق بعد السعة، والفقر بعد الغنى، والحرمان بعد العطاء، وصبر النفس على ما تكره في تحمل هذا المكروه، والقيام بالحق والوفاء للخلق والطاعة والإنابة إلى الله.

وقديمًا عرضت الفتنة على الصديق يوسف عليه السلام فأبى الإغراء، وارتفع فوق الصغائر والدنايا، فحفظه الله ونجاه، ومكن له في الأرض.

لقد قالت له امرأة العزيز: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ (يوسف: ٣٢)، فكان جوابه: ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ (يوسف: ۳۳).

فاللهم تقبل رجالًا أفلتوا من جاذبية الأرض وثقلة اللحم والدم، وشهوة البطن، واستعلوا بإيمانهم، وصاموا طاعة لله، واجعلهم أئمة، واجعلهم الوارثين، ومكن لهم في الأرض، اللهم آمين.

 

نحو مستقبل أخروي مشرق

يحلم الناس جميعًا بمستقبل مشرق وضاء مليء بالمسرات والأفراح والرفعة والمكانة الاجتماعية المتميزة، وحق لهم أن يحلموا بذلك، ولكن لنعلم جميعًا أن هذه الدنيا قد فطرت على الكدر وتنغص اللذات، وأن الإنسان فيها عارية لا بد من أن ترد إلى مالكها، وأنه كما نحرص على تخطيط مستقبلنا الدنيوي لا بد من الحرص الشديد على بناء المستقبل الأبقى عند الله في الحياة الأخروية، ولا يفهم من ذلك الأمر بزينة الدنيا، ولكن إعطاء كل ذي حق حقه ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، كما ورد عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا المستقبل المشرق الوضاء الذي نحلم به جميعًا لا يكون إلا بالإقبال على طاعة الله، وتوحيد العبودية له سبحانه، فلا سعادة لعاص مهما تشدق بها، وادعى أنه من أهلها.

قال الشاعر:

ولست أرى السعادة جمع مال            ولكن التقي هو السعيد

ومع ذلك كله فلا بد من بذل الأسباب لتحقيق ذلك المستقبل الدنيوي الذي نطمح له، ولعل من أبرز تلك الأسباب ما يلي:

1- لزوم طاعة الله والإقبال عليه.

٢- الدعاء.

٣- إكمال المسيرة التعليمية وعدم الانقطاع عنها.

٤- الاستفادة من خبرات الآخرين، والنظر إلى تجاربهم بعين البصيرة.

5- الاستماع إلى نصح الناصحين وتوجيه الموجهين.

٦- تطوير المهارات، وتقويم الهوايات، وجعلها إسهامًا في دفع عجلة التعليم والإبداع فيه.

٧- مجانبة الكسل والخمول والبعد عن الصحبة السيئة.

٨- اغتنام الفرص السانحة، وعدم تفويتها.

٩- قراءة سيرة المبدعين والعظماء من سلف هذه الأمة، وغيرهم.

١٠- التخطيط السليم الدقيق لمسيرة الحياة، وعدم الحياد عنه مهما كانت الأسباب.

قال الشاعر:

كأنك لم تنصب ولم تلق شدة     إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

سعود محمد عبد العزيز النداف

الرابط المختصر :