العنوان المجتمع التربوي (1389)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000
مشاهدات 72
نشر في العدد 1389
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 22-فبراير-2000
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية
أين المرأة في واقعنا؟
يتعجب المرء حينما يقلب في كتب التاريخ والتراجم، فيرى البون الشاسع بين أسماء البارزين من الرجال، والبارزات من النساء.
وعلى سبيل المثال قامت إدارة البحث والإعداد في مؤسسة الرسالة بنبش كل ما وقع تحت يدها من كتب التراجم التي تخص شهيرات نساء العرب والإسلام اللاتي تركن أثرًا بارزًا في شتى الميادين، وجمعتهن في كتاب تراجم أعلام النساء فلم يزد عددهن على ٥٥٧ فقط.
وبعيدًا عن الاستشهاد في هذا الأمر، فإننا نرى في واقعنا الذي نعيشه، وفي عصرنا الذي نحن فيه أسماء قليلة جدًا لنساء بارزات في ميادين الدعوة إلى الله، أو الكتابة، أو المواعظ والزهد، أو المحاضرات أو العلم الشرعي.
ولو أحصينا عدد النساء في حقل الكتابة، سواء الصحفية أو الكتب فقط فإننا في أحسن الأحوال وبعد أن نعصر ذاكرتنا نخرج بأكثر من عشرة أسماء، فأين المرأة في ميدان الدعوة الواسع؟
هل كان الرجل أنانيًا فلم يقم بتعليمها؟
هل طبيعة المرأة تتجه نحو الكسل، والاهتمامات غير المهمة؟ هل الحركات الإسلامية لم تهتم بهذه الناحية، واهتمت بالرجال فقط؟
هل القيادات الحركية النسائية ضعيفة لدرجة عدم تفريخ قيادات بارزة أخرى في كل المجالات؟
هل العلة في المناهج التربوية؟
هل تقف العادات والتقاليد حاجزًا دون تحقيق النجاح المأمول؟
هل هناك ترسبات من الجاهلية تسهم في ذلك؟
إن الواجب علينا أن نحدد السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة وصولًا إلى وضع حل ناجع لها، وتمكين المرأة المسلمة من خدمة دينها، ومجتمعها.
أبو خلاد
لبيك اللهم لبيك
أخي في الله:
ما أجمل أن أكتب إليك في هذه الأيام.. أيام الله المباركة، أيام معدودات نتهيأ فيها لشد الرحال إلى بيت الله الحرام، نأوي إلى هناك حيث الأحبة يأتون من كل فج عميق لذكر الله، يصدحون جماعات ووحدانًا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك...»
هناك حيث نقبض على مشاعل الفجر، فجر التاريخ الزاخر بأمجاد الآخرة، وزاد العابدين.
هناك- يا أخي- حيث مكة تتزين لأحبابها، وتفتح فيها أبواب الرحمة، وجنان الخلد، فما أروع أن نبادر إلى التوبة النصوح- قبل ألا يكون دينار ولا درهم- وتدبر قوله تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).
وقد صح عن الرسول ﷺ قوله: «من كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه».
فتقرب إلى الله- أخي الحبيب- بنفقة طيبة في حجك، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، فإذا ناديت: لبيك اللهم لبيك، ناداك مُنادٍ من السماء: «لبيك وسعديك زادك حلال، وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور».
محمد شلال الحناحنة
الخصومة تذهب بريح المسلمين
لم يُثنِ المولى عز وجل على أخوة بشر كما أثنى على أخوة المسلمين، حتى من قبل أن يوجدوا في أرحام أمهاتهم، فقد قال تعالى عن صفتهم في الإنجيل الذي أُنزل على سيدنا عيسى عليه السلام في القرآن: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح: ٢٩).
وأكثر ما يُسعد الشيطان وحزبه من يهود وغيرهم أن يتحول الود والتعاضد بين المسلمين إلى خلاف وخصومة وقتال.
ونعلم قصة اليهودي الذي تحرش بالمسلمين في المدينة مما جعل كل طائفة ترجع إلى جاهليتها. فنادى الأول: يا معشر المهاجرين، ونادى الآخر: يا معشر الأنصار، فكادت تحدث فتنة وقتال فاستنكرها رسول الله ﷺ بقوله: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!».
إن تاريخ العالم كله وحديثه لم يشهد أخوةً كأخوة المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة، فقد اقتسموا كل شيء: الأموال، والمتاع، والبعض خير أخاه بين أن يختار أي نسائه يرغب فيطلقها من أجله ليتزوجها هو.. القادم إليه من مكة المكرمة، ولكن يهود لا يتركون سياسة «فرق تسد» ما بقوا على ظهر الأرض.
والهجران بين المسلمين مستهجن ومنكر، خاصة إذا قاطع المرء أخاه أكثر من ثلاث ليال، لأن ذلك يملأ قلب كل منهما بالشحناء والبغضاء تجاه صاحبه، وقد يؤدي هذا الهجران إلى التقاطع الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار»، وأشد القطيعة خطورة تلك التي تحدث بين الأقارب والأهل، وهنا تكون قد قطعت صلة الرحم التي هي معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني».
ومن أكبر وأجل الأعمال التي يقوم بها المرء أن يصلح بين المتخاصمين إذ تعلو درجته حينها على درجة الصائم، والمصلي، والمتصدق، قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة» وفي رواية «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».
ومن الحكم بالعدل بين المتخاصمين الاستماع لكل منهما، وعدم الاكتفاء بقول أحدهما فتظلم الآخر، والعدل أساس الحكم، فمن كان مائلًا إلى طرف كان جائرًا، وفسدت وساطته، فتحري العدل واجب حتمي، وإذا كان طرف قد ظلم فيجب إرجاع الحق إلى أهله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾ (المائدة: ۸).
إن الخصومة والقطيعة تذهب بريح المسلمين وكثير من النكبات والهزائم ما جاءت إلا من هذا الباب الذي يفتحه حب الدنيا، والعلو في الأرض، وما ضياع الأندلس، وبقاع كثيرة ببعيد، وقضية المسلمين الكبرى «فلسطين وبيت المقدس» لم تصل إلى حل حتى اليوم بسبب الاختلافات والتشاحن والبغضاء بين الأشقاء، ويلعب فيها الصليب والنجمة السداسية القدح الأعلى.
حاتم حسن مبروك- السودان
الالتزام بالإسلام.. وسلوك الملتزمين
الالتزام هو الأخذ بالإسلام.. عقيدة، وعبادة، وأخلاقًا، ومعاملة، في القول والفعل، والترك.. في كل ما يحب المرء ويكره خلال حركة يومه كلها.
وفي البداية فإن هناك عناصر للالتزام هي: الإيمان الصادق والعزم القوي والخلق القويم.. ونتناولها كالتالي:
1- الإيمان العميق الصادق: هو الطمأنينة في القلب والسكينة والتصديق، والأقوال والأفعال، إذ الملتزم في إيمانه مثل الجبال الرواسي، لأنه يسير لهدف، ويعيش لغاية، فالقرآن دستوره، والله غايته، ورضاه، والرسول قدوته، وتطبيق شرع الله في الأرض هو أسمى أمانيه، وهذا هو الإيمان الذي عرفه سلفنا الصالح، وساروا عليه حتى لقوا الله سبحانه وتعالى، وهم على الصراط السوي، فينبغي للملتزم أن يسير على ما ساروا عليه، ويعقد النية على المضي في هذا الطريق حتى يصل إلى مستواهم رضوان الله عليهم.
2- الخلق والسلوك: ينبغي للملتزم أن يكون ملتزمًا في أخلاقه وسلوكه بهذا الدين القويم، في مستواه الفردي والجماعي بحيث يصدق عليه وصف الالتزام فردًا معتزًا بانتمائه، ويكون الظاهر کالباطن، والفعل مطابقًا للقول لأنه يتمثل الإسلام.
٣- الانضباط مع المبدأ والمنهج: فالملتزم لا بد من أن يكون له منهج واضح يلتزم به وهو الإسلام، ولا بد من أن تكون لديه قناعة تامة بأن المستقبل لهذا الدين، وأنه لا يصلح لهذه الحياة غير الإسلام، وشريعته، وفروعه، وأسسه، ومبادئه الجمة الواضحة وضوح الشمس، فيكون الشخص أمينًا في انضباطه بمنهجه، فإن الإسلام يجعل للإنسان على نفسه بصيرة.
مقومات الالتزام:
1- الالتزام العقائدي: وهو أن يكون معتقده سلفيًا صحيحًا قائمًا على توحيد الله، وإفراده في أسمائه، وصفاته، على فهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فكل عمل أو قول يجب أن يكون نابعًا من عقيدة سليمة لا يشوبها أي زيغ أو انحراف.
٢- الالتزام التعبدي: يكون التعبد لله ووفق ما شرع الله من صلاة، وصيام، وحج.. إلخ بحيث لا يزيد المتعبد على ما فرض الله عليه ولا ينقص؛ من أجل أن تكون عبادة سليمة.
3- الالتزام الفكري: أي أن يكون فكره نابعًا من الإسلام وتصوره نابعًا من الثقافة الإسلامية الأصيلة مثل القرآن وتفسيره وشروحه المعتمدة فضلًا عن مراجع السنة كالصحيحين ومراجع السيرة النبوية والفقه.
٤- الالتزام العملي السلوكي: يكون ملتزمًا في جميع أقواله وأفعاله.. من التقيد بالحلال، والابتعاد عن الحرام.
صنفا الملتزمين:
۱- ملتزم بالإسلام في خاصة نفسه لكنه غير داع إلى التزامه هذا.
2- ملتزم في شؤونه كلها مقتنع بالتزامه، جعل التزامه منهج حياته وهو داع إليه محرق نفسه ومذهب راحته لدعوة الناس إلى الالتزام متحملًا عقبات الطريق.
صفات الملتزمين
1- الالتزام الحاسم بكل ما هو إسلامي.
٢- الالتزام الشامل في النفس والأهل والولد وكل من يلي عليه.
3- القدرة على توريث هذا الالتزام بالدين إلى غيره من الناس.
٤- أن يكون الالتزام نابعًا عن علم وثقافة ومعرفة.. أي بالدين.. ولخدمة الإسلام الحنيف.
عبد الله سعيد باجبير
في انتظار الكرامات.. لا بد من بذل المجهود
السؤال الذي يشغل بال العقلاء ممن يحمل هم نشر هذا الدين هو: هل سيظل المسلمون ينتقلون من سيد إلى سيد، ومن مولى إلى مولى، ومن ديان إلى ديان يستدينون، فإذا افتقر ذهبوا يستدينون من غيره، ولسان حالهم يقول: «اللهم أغن بني فلان حتى استدين منهم»؟!
إن مما ينبغي أن نعلمه أن هذه الأمة لا يمكن أن تبدأ بداية صحيحة إلا من خلال وجود حركة قوية في قلوب أبنائها، وهذه هي الخطوة الأولى، وهي أن نشعر بأننا نحن المسؤولون عن واقع هذه الأمة، ونحن المسؤولون أيضًا عن إنقاذها من هذا الواقع.
أما فكرة أن المصائب التي تحل بها هي من آثار الجيل السابق، وسوف يقوم بمواجهتها الجيل اللاحق، فهذه الفكرة لا يمكن أن تصنع شيئًا، لأن معنى ذلك أن كل ما نحاوله هو أن نتخلص من هذا العبء الثقيل لنلقيه على ظهور غيرنا وهذه طريقة خاطئة في التفكير والحقيقة التي يجب أن تأخذها بعين الاعتبار هي أننا لن ننجح إلا إذا شعرنا بأننا جزء من المشكلة بحيث نصحح أوضاعنا كلها ومنها الأوضاع الفردية.
سؤال آخر يطرح نفسه: هل نتوقع أن تأتينا «الكرامات» هدية دون جهد وعمل؟
إن الإنسان الذي يُمنح نصرًا رخيصًا يتخلى عنه بسهولة لأن النصر الغالي بحاجة إلى السواعد الفتية التي تحافظ عليها.
عبد الرحمن سعيد الغامدي
خميس مشيط- السعودية
لا تحزن.. سعادتك هي عمرك
- لا تحزن.. إن كنت فقيرًا فغيرك محبوس في دين، وإن كنت لا تملك وسيلة نقل فسواك مبتور القدمين، وإن كنت تشكو من الألم فالآخرون راقدون على الأسرة البيضاء منذ سنوات، وإن فقدت ولدًا فسواك فقد عددًا من الأولاد في حادث واحد.
- لا تحزن.. لأنك تقلق أعصابك.. وتهز كيانك وتتعب قلبك، وتقض مضجعك، وتسهر ليلك.
- لا تحزن.. فإن عمرك الحقيقي سعادتك، وراحة بالك، فلا تنفق أيامك في الحزن، وتبذر لياليك في الهم، وتوزع ساعاتك على الغموم، ولا تسرف في إضاعة حياتك فإن الله لا يحب المسرفين.
- لا تحزن.. لأن القضاء مفروغ منه، والمقدور واقع والأقلام جفت، والصحف طويت وكل أمر مستقر، فحزنك لا يقدم في الواقع شيئًا ولا يؤخر، ولا يزيد ولا يُنقص.
- لا تحزن.. فإن عقاقير الأطباء ودواء الصيادلة، ووصفة الطبيب لا تُسعدك، وقد أسكنْتَ الحزن قلبك، وفرشت له عينك، وبسطت له جوانحك وألحفته جلدك.
أتريد بليون دولار في عينيك؟ أتريد بليون دولار في أذنيك؟ أتريد بليون دولار في يديك؟ أتريد بليون دولار في رجليك؟ أتريد بليون دولار في قلبك؟ كم من الأموال الطائلة عندك وما أديت شكرها؟
- لا تحزن وأنت تملك الدعاء، وتجيد الانطراح على عتبات الربوبية، وتحسن المسكنة على أبواب ملك الملوك ومعك الثلث الأخير من الليل، ولديك ساعة تمريغ الجبين في السجود.
إنها كلمات ووقفات قرأتها في كتاب «لا تحزن»، ومن منا لا تمر به ساعة من حزن أو هم أو تمر أيامه دون كدر أو ضجر، أو يخلو قلبه من لوعة أو أسى؟!
لقد قرأت كتاب «دع القلق وابدأ الحياة»، فارتاحت نفسي، وقرأت كتاب «جدد حياتك» فارتاح عقلي، وعندما قرأت كتاب «لا تحزن» ارتاحت نفسي وروحي، وسكن عقلي وقلبي، وهدأت جوارحي، وانزاح همي وغمي.
وفي نظري فإن كل إنسان حري به أن يقرأ هذا الكتاب وألا يخلو بيت منه فهو مرجع طيب في مواجهة كل ضائقة أو مصيبة، أو هزيمة، وهو السلوى لكل قلق، أو حزن أو كآبة، ففيه ما يعلمك الصبر على البلاء، والبعد عن الشقاء، وتحمل شماتة الأعداء، والعيش مع السعداء، ومصاحبة الأولياء، والتخلق بأخلاق الأنبياء.
د. خالد حسن المصيلحي- تبوك
المجتمع التربوي
آفات على الطريق
أكل الحرام أصل كل مصيبة (٢ من ٤)
السلف فقهوا قضية الحلال والحرام فجعلوها الأساس في بناء شخصية المـسلم
بقلم: د. السيد محمد نوح[1]
- من أسباب أكل الحرام: الإسراف.. قلة ذات اليد.. عدم صلاح البيت.. وفساد المجتمع.
- حذار من الخوف على مستقبل الأهل والأولاد واستسهال أكل الحرام و«التلذذ» به.
تناولنا في العدد السابق تعريف «أكل الحرام» لغة واصطلاحًا، واستعرضنا صوره وأشكاله المنفرة، والآن نتناول- بالتحليل- بعض أسبابه، وبواعثه.
لأكل الحرام أسباب كثيرة، وبواعث عِدة تؤدي إليه، وتوقع فيه، نذكر منها:
1-الجهل بماهية الحرام وحقيقته، وعواقبه: ذلك أن كثيرًا من الناس يجهلون ماهية الحرام، ولا يعرفون حقيقته، لا سيما دقائقه، ولا يدركون عــواقــبــه، ومن جـهـل مـاهـيـة أمـر مــا وحقيقته وعواقبه أتى هذا الأمر، وإن كان ضارًا، وهو لا يدري ولا يشعر.
لذا جعل الشارع الحكيم الفقه في الدين أساسًا لأداء المسلم دوره، ورسالته في الأرض، خصوصًا قضية الحلال والحرام والمباح والمحظور، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
ووعى السلف حقيقة ذلك، فجعلوا الفقه في الدين الأساس الأول لبناء شخصية المسلم، لا سيما الحلال والحرام، حيث قام نظام التعليم في الدولة الإسلامية على هذا، فكانوا يبدأون بالقرآن مع اللغة العربية مع أحاديث أصول الأحكام، مع الفقه لمعرفة الحلال والحرام، ثم يكون التعمق في ناحية أو أكثر من العلوم الشرعية، أو العلوم الحياتية، وحسبنا ما أثر عن عمر- رضي الله عنه- أنه كان يطوف بالسوق ويضرب بعض التجار بالدرة، ويقول: «لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبي» وحسبنا ما أثر عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه مر بسوق المدينة يومًا فوقف عليها فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم، وأنتم ههنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هو ؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعًا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم ما لكم؟ قالوا يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا، فلم نر فيه شيئًا يقسم. فقال لهم: وما رأيتم في المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرأون القرآن وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد ﷺ.[2]
۲- عدم معرفة الله حق المعرفة، وعدم مراقبته:
ذلك أن المرء إذا خلا قلبه من معرفة الله، وأنه سبحانه عالم بكل شيء، مطلع على كل شيء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء سهل عليه أن يقع في كل محظور، ومن المحظورات الكسب الحرام.
وقد نبه النبي ﷺ إلى ذلك في حديثه المشهور: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد»[3].
يقول المهلب في معنى نفي الإيمان عنه: «تنزع منه بصيرته في طاعة الله».
ويقول ابن الجوزي في ذلك: «إن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب فكأنه نسي من صدق به».
ويقول ابن حجر: «معنى قوله: ليس بمؤمن، أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به، فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة».
ويقول الطيبي: «يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء، وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير لا يزني حين يزني وهو يستحيي من الله، لأنه لو استحيا منه، وهو يعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس تشبيك أصابعه، ثم إخراجها منها، ثم إعادتها إليها، ويعضده حديث: من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى»[4].
3- الإسراف مع قلة ذات اليد:
ذلك أن الإسراف مع قلة ذات اليد قد يضطر المرء إلى أن تمتد يده إلى الحرام في أي من صوره التي مضت لتغطية نفقاته تلك، بغض النظر عن الباعث على هذا الإسراف أهو المرء نفسه؟ أم زوجه وذووه؟ ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها نهى الشارع الحكيم عن الإسراف والتبذير، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 26-27).
4- الديون مع حلول الأجل وقلة ذات اليد:
وقد تكون الديون مع حلول الأجل، وقلة ذات اليد، من بين الأسباب التي تحمل على أكل الحرام، ذلك أن الدين هم بالليل، وغم بالنهار، وهو قرين الكفر كما جاء عن المعصوم ﷺ ويعظم ذلك حين يحين الأجل مع قلة ذات اليد، إذ ربما تحدث المرء نفسه، ويسول له شياطين الجن والإنس السعي إلى كسب الحرام لقضاء هذا الدين والخروج من دائرة الهم والغم، والحرج.
ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها دعا الشارع إلى إنظار المعسر، وربما الحط عنه قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).
وقال ﷺ: «من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله»[5].
5-البيئة التي ينشأ فيها المرء:
قد تكون البيئة التي ينشأ فيها المرء صغيرة- كالبيت- أو كبيرة- كالمجتمع- سببًا في أكل الحرام، ذلك أن المرء إذا نشأ في بيت يأكل الحرام ولا يبالي، وكذلك إذا عاش في مجتمع هذه صفته وحاله يتأثر بذلك كثيرًا فيأكل الحرام، ولا يجد أدنى مرارة أو غضاضة في هذا، وهذا سر تأكيد الشارع الحكيم على صلاح البيت ونقاء المجتمع من كل صور الشر والفساد كما سبقت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرة.
٦- التلذذ بأكل الحرام:
وقد يكون التلذذ بأكل الحرام سببًا قويًا من أسباب الوقوع فيه، ذلك أن المرء إذا تلذذ بشيء أقبل عليه واقترفه غير مبالٍ بآثاره وعواقبه كما هو حال كثير من العصاة لا يبالون بما يدخل بطونهم، ولا ما يضعون فوق أجسادهم، ولا ما ينفقون على أهليهم وأولادهم، بل يجدون أعظم اللذة وأتم السرور في ذلك!
7-الفقر والمسكنة:
وقد تكون الحاجة الشديدة المتمثلة في الفقر، أو الحاجة البسيطة المتمثلة في المسكنة من بين أسباب الوقوع في أكل الحرام، ذلك أن المحتاج يعمل جاهدًا على سد حاجته، وقد لا يتاح له هذا من طريق حلال وحينئذ يلجأ إلى الحرام والعياذ بالله، ويستمر في ذلك إلى غير رجعة إلا أن تدركه عناية الله ورحمته.
8- الخوف على مستقبل الأهل والأولاد:
وقد يكون الخوف على مستقبل الأهل والأولاد دافعًا إلى أكل الحرام، ذلك أن المرء إذا كان غير مؤمن بالله، أو كان مؤمنًا ولكن إيمانه ضعيف يُشغل بمستقبل الأهل والأولاد، ويظن أن أمن هذا المستقبل مرهون بكثرة المال، فيعمل ذلك غير مبالٍ بالعواقب والآثار، بينما أرشد رب العزة إلى طريق تأمين مستقبل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (النساء: 9).
9- تيسير سبيل أكل الحرام وتذليل كل العقبات من طريقه:
وهذا هو المشاهد اليوم: إن بيوت الرباء وسبيل الغش والخداع والرشوة ونحوها ملقاة على قارعة الطريق لمن شاء أو أحب، بينما هناك صعوبة، بل صعوبة بالغة في الحصول على الكسب الحلال، لذا يُقبل نفر كثير من الناس على أكل الحرام لسهولة الحصول عليه وليس الأمر كذلك في أكل الحلال.
۱۰- الرغبة في الظهور بمظهر الوجهاء والأغنياء
قد تكون الرغبة في الظهور بمظهر الوجهاء والأغنياء مع عدم تيسير ذلك إلا عن طريق الكسب الحرام من بين أسباب الوقوع في أكل الحرام، وهذا حال كثير من الناس اليوم، إذ يتصورون أن تقدير الناس لهم إنما يكون عن طريق الغنى واليسار، والوجاهة، وأنه ليس بمقدورهم الوصول إلى ذلك إلا عن طريق الكسب الحرام، فيقعون فيه- والعياذ بالله- غير مبالين بعواقبه ونتائجه.
۱۱- اعتقاد أن كسب الحرام مهارة من المهارات:
قد يعتقد نفر من الناس أن كسب الحرام إحدى المهارات الحياتية التي لا يُستغنى عنها. وبسبب هذا الاعتقاد يعمل جاهداً على أكل الحرام، لا سيما إذا رأى تقديرًا وتشجيعًا من المحيطين به على هذا الأمر، كما هو حال نفر من الناس في كل العصور، وسائر البيئات.
۱۲- ضعف الرقابة البشرية:
قد يكون ضعف الرقابة البشرية المتمثل في السؤال عن مصدر الكسب والتأكد من صحة هذا المصدر، ثم المحاسبة وتوقيع العقوبات اللازمة من الحدود أو التعازير ونحوها من بين الأسباب المؤدية إلى أكل الحرام، وقد قيل: «المال السايب يُعلم السرقة»، لذا كانت الرقابة البشرية جزءًا من صلاح الفرد والجماعة، إذ يقول رب العزة سبحانه وتعالي: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: ۷۱).
وكان النبي ﷺ يحاسب عماله، ويجازي كلًا بما يستحق، وحسبنا هذا الحديث: عن أبي حميد الساعدي- رضي الله عنه- قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن الأتبيـة «اللتبية» على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، قال: فهلَّا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعر» ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرة إبطيه: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت – ثلاثًا»[6].
13- عدم المبالاة بحل أو حرمة:
وقد يكون عدم المبالاة بحل أو حرمة من بين أسباب الوقوع في أكل الحرام، ذلك أن المرء إذا تبلد حسه وماتت عاطفته أصبح لا يبالي بحل أو حرمة ويصير كل همه وتوجهاته إشباع لذائذه الشخصية بكل الأساليب والوسائل الممكنة، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك فيما رواه عنه أبو هريرة- رضي الله عنه- حين قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن الحلال أم من الحرام»[7].
إلى غير ذلك من الأسباب والبواعث.
[1] أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة- جامعة الكويت.
[2] أورده الهيثمي: في مجمع الزوائد: كتاب العلم ا/ ١٢٣- ١٢٤ من حديث أبي هريرة موقوفًا بهذا اللفظ وعقب عليه بقوله: «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن».
[3] أخرجه البخاري في الصحيح كتاب المظالم: باب النهبى بغير إذن صاحبه 3/ ۱۷۸، ومسلم في: الصحيح كتاب الإيمان: باب نقصان الإيمان بالمعاصي 1/76-77 حديث رقم (100-105) وأبو داود في السن كتاب السنة باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه 5/64-٦٥ رقم ٤٦٨٩- والترمذي في السنن: كتاب الإيمان: باب لا يزني الزاني وهو مؤمن 5/16- ۱۷ حديث رقم ٣٦٢٥، والنسائي في: السنن «المجتبى»: كتاب قطع السارق: باب تعظيم السرقة 8/64- ٦٥، وابن ماجة في: السنن: كتاب الفتن باب النهي عن النهبة ٢/ ١٢٩٨- ۱۲۹۹ حديث رقم ٢٩٣٦ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا به وبنحوه.
[4] وهناك أقوال أخرى في معنى الحديث لخصها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ۱۲/60-62 في اثني عشر قولًا بالإضافة إلى القول الذي ذكرناه.
[5] أخرجه مسلم في: الصحيح: كتاب الزهد والرقاق: باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر 4/1-23-2-22 رقم 2٠٠٦ من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت مرفوعًا، والترمذي في السنن كتاب البيوع باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به 3/599 برقم ١٣٠٦ من حديث أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ وعقب عليه قائلًا: «وفي الباب عن أبي اليسر، وأبي قتادة، وحذيفة، وابن مسعود، وعبادة، وجابر وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وابن ماجة في السنن: كتاب الصدقات باب إنظار المعسر 2/ ۸۰۸ رقم ٢٤١٩ من حديث أبي اليسر مرفوعًا بلفظ «ومن أحب أن يظله الله في ظله فلينظر معسرًا، أو ليضع له»، والدارمي في السنن كتاب البيوع باب فيمن أنظر معسرًا ٢/ ٢٦١ من حديث ربعي أبي اليسر وأبي قتادة به، وبنحوه عند أحمد في المسند 2/ ٥٣٩ من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[6] الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الهبة وفضلها باب من لم يقبل الهدية لعلة 3/209، وكتاب الحيل: باب احتيال العامل ليهدى له 9/136 وكتاب الأحكام باب هدايا العمال وباب محاسبة الإمام عماله 9/ 88، 95، ومسلم في الصحيح كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال 3/ ١٤٦٣- ١٤٦٥ رقم ۱۸۳۲/ 2٦- ٢٩، وأبو داود في السنن كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب في هدايا العمال 3/٣٥٤: ٣٥٥ رقم ٢٩٤٦ والدارمي في السنن: كتاب الزكاة: باب ما يهدى لعمال الصدقة لمن هو؟ 1/٣٩٤، وأحمد في المسند ٥/ ٤٢٣- ٤٢٤ كلهم من حديث أبي حميد الأنصاري الساعدي مرفوعًا. واللفظ للبخاري في بعض رواياته.
[7] الحديث أورده المنذري في الترغيب والترهيب كتاب البيوع وغيرها: باب الترغيب في طلب الحلال، والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله، ولبسه ونحو ذلك ٢/ ٥٠٤ رقم ٩٦١ «المنتقى من الترغيب والترهيب للدكتور يوسف القرضاوي» وعزاه- أي المنذري- إلى البخاري والنسائي قائلًا: رواه البخاري والنسائي، وزاد رزين فيه، «فإن ذلك لا تجاب لهم دعوة»، والحديث من مسند أبي هريرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل